منذ بداية صعود الخطاب الإسلامي الإصلاحي في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، لجأ الإصلاحيون الإسلاميون إلى استراتيجية اعتذارية فعالة لإيجاد مساحة مشتركة بين الغرب، الذي فاجأهم بقوته وفعالية أنظمته من جهة، والميراث الإسلامي الذي عرفوا دائماً سلطته المرجعية من جهة أخرى.

تمحورت هذه الإستراتيجية حول توكيد الأصل الإسلامي للكثير من المفاهيم والمؤسسات الفكرية والسياسية  الاجتماعية الغربية التي نظر إليها الإصلاحيون بإعجاب واعتقدوا أنها تمثل عناصر قوة وفعالية في البنية الغربية الحديثة. ربط الإصلاحيون، مثلاً، بين فكرة التقدم الغربية والاجتهاد الإسلامي، أو بين موضوعة الرأي العام والإجماع، أو بين الدستور والبيعة؛ أو بين مذهب المنفعة الفلسفي ومبدأ المصلحة الفقهي. فقد أكّدوا على التماثل بين الحكم الصالح في النظام السياسي الغربي الحديث وشروط الإمامة في الفكر السياسي الإسلامي؛ كما وجدوا في الدور الذي لعبته حركة الإصلاح الديني اللوثري تأييداً لدعواهم إلى تعهد العلماء المصلحين قيادة حركة النهضة الإسلامية. وقد لعب الخطاب الإصلاحي بذلك دوراً بارزاً، وإن غير مباشر، في توفير الشرعية لاستقرار مفاهيم الحداثة في المجال الإسلامي الفكري والثقافي، وفي توطن الكثير من المؤسسات ذات الأصول الغربية في الاجتماع الإسلامي الحديث. كما أطلق الخطاب الإصلاحي جدلاً وحيوية واسعة في الفكر الإسلامي خلال القرنين الماضيين.

إحدى المقولات التي احتلت موقعاً بارزاً في الخطاب الإصلاحي، والتي مازالت تلعب دوراً هاماً في تشكيل الرؤية الإسلامية الحديثة، هي تلك التي تجمع بين مفهوم “أهل الحل والعقد” الإسلامي والتمثيل البرلماني، الذي يعتبر الأداة الأكثر مدعاة للإعجاب في مؤسسة الدولة الحديثة. فكرة “التمثيل” بالطبع هي فكرة قديمة في التاريخ السياسي الإنساني، تم التعبير عنها بطرق ووسائل مختلفة بين مجتمع وآخر. وذلك من الدور الذي لعبه كهنة المعبد في تقييد سلطة الفرعون ومراقبته في مصر القديمة، إلى الأدوار المختلفة التي لعبها مجلس شيوخ روما في تقرير أو تسويغ قرارات الإمبراطور. أما في بريطانيا العصور الوسطى، فلم يكن الملك يحتل موقعاً أعلى بكثير من مواقع بقية النبلاء الكبار الذين سيتشكل منهم مجلس اللوردات؛ ولم يبدأ الملك في تعزيز سلطته المطلقة إلا في نهاية العصر الوسيط. وسرعان ما انفجرت الثورة الإنكليزية في القرن السابع عشر، لتدخل الدولة البريطانية بذلك حقبة تطور تدرّجي طويلة، أوصلت بريطانيا في النهاية إلى النظام الديمقراطي.

مبدأ التمثيل إذن سابق على وجود الدولة الحديثة وعلى النظام الديمقراطي معاً، وربما يمكن اعتباره نتاجاً لعملية نزع القداسة والـتأليه عن الحاكم، ولإحساس الإنسان بمحدوديته وحاجته لرأي الآخرين وحكمتهم، كما هو انعكاس لتطور مبدأ الحق، حق الجماعات في مقابل حق الحكم. وحتى في القرن العشرين، لم يرتبط مبدأ التمثيل دائماً بالنظام الديمقراطي؛ فالدولة النازية والفاشية كان لها مجلسها التمثيلي، كما أسست الدول الشيوعية مجالسها الخاصة، بالرغم من ضعف سلطة التشريع والرقابة الممنوحة للمجالس التشريعية والبرلمانية الفاشية والشيوعية.

سبق الإعجاب الإسلامي بمبدأ التمثيل، والجمع بينه وبين مفهوم “أهل الحل والعقد”، تيار التحولات الديمقراطية في النظام السياسي الغربي، وبروز الديمقراطية أيديولوجية عالمية، سواء أكان خلال حقبة الحرب الفكرية والإستراتيجية الكبرى ضد النازية ثم الشيوعية، أم بعد الانتصار الغربي في الحرب الباردة وتقديم الديمقراطية باعتبارها غاية المسعى الإنساني السياسي. ولكن الحقيقة ان تيار التحولات الديمقراطية في العالم أضاف إضافة ملموسة إلى الإعجاب الإسلامي بمبدأ التمثيل.

ففي القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، رأى الإصلاحيون الإسلاميون في المجالس التمثيلية للدول الغربية الحديثة تجسيداً مؤسسياً عقلانياً لمفهوم “أهل الحل والعقد”. أما الإسلاميون المعاصرون فيرون في المجالس التمثيلية الديمقراطية الوسيلة الوحيدة الممكنة لتحقيق العدل، وحل إشكالية التدافع بين القوى السياسية ، وإيجاد التوازن بين المجتمع والقوى السياسية من ناحية وسلطة الدولة من ناحية أخرى. المشكلة في الحالتين، وبالرغم من الجدل الكبير الذي أثارته المدرسة الإصلاحية الإسلامية، إلاّ أنّ أحداً لم يتطرق إلى الفوارق المفهومية والسياسية  الاجتماعية بين “أهل الحل والعقد” والتمثيل البرلماني الحديث، أديمقراطياً كان أم غير ديمقراطي.

الحقيقة، إن مفهوم “أهل الحل والعقد” لم يتحول إلى مؤسسة واضحة المعالم في التجربة التاريخية الإسلامية، وظل دائماً مفهوماً عاماً، تأثرت تجلياته بعدد متغير من الديناميات السياسية – الاجتماعية. ونظراً إلى قلة الدراسات التاريخية المكرسة لبحث الاجتماع الإسلامي السياسي، فإنّ من غير الواضح إن كانت هذه العمومية وعدم التبلور في هيكلية مؤسسية أمراً إيجابياً أو سلبياً. لقد فهم المسلمون المبكرون “أهل الحل والعقد” على أنهم من يملكون حق اختيار ولي الأمر (خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو أمير المؤمنين)، ومن يلجأ إليهم ولي الأمر طلباً للنصح والمشورة في ما يطرأ على شؤون الجماعة من الأمور الهامة. وهم من إذا اتفقوا على أمر نُفّذ، وكان مقبولاً من عامة المسلمين أو هو رأي غالبية المجتمع. فهم، عملياً، كانوا عندما قُرر مبدأ مرجعية “أهل الحل والعقد” الممثلين الفعليين للناس أو ما اصطلح عليه اليوم “الرأي العام”. بل كانوا عملياً أكثر تمثيلاً من أي برلمان. فهم ممثلو مختلف الفئات الاجتماعية، فضلاً عن شرعيتهم من زاوية المرجعية الإسلامية تاريخياً.

ففي حقبة الخلافة الراشدة، تجسد “أهل الحل والعقد” في كبار الصحابة المتواجدين في المدينة. وما أن تأسست السلالات الحاكمة الإسلامية حتى ضاق دور “أهل الحل والعقد” في اختيار ولي الأمر ليقتصر على المؤهلين من أبناء السلالة الحاكمة، سواء أكان على أساس من وصية الخليفة السابق أم من دون وجود وصية. ولكن ضيق دائرة الاختيار لم يقلل من دور “أهل الحل والعقد”، بل ربما ضاعف من أهمية هذا الدور؛ إذ أن قلة من الملوك الأمويين أو العباسيين أو العثمانيين من لم يكن له منافس من أبناء الأسرة الآخرين، وبات تأييد “أهل الحل والعقد” بالتالي ضرورياً لتأمين بيعة ولي الأمر، ومن ثم تأمين موقعه على سدة الحكم. وشيئاً فشيئاً، اتسع نطاق “أهل الحل والعقد” أنفسهم ليشمل كبار العلماء، وقادة الجند، ونبلاء الأسر أو القبائل النافذة، وكبار رجال الحكم (مثل الوزراء وولاة المناطق الهامة)، وكبار التجار وأصحاب الثروة ومقدمي أصحاب الحرف.

هذا الاتساع لمفهوم “أهل الحل والعقد” لم يكن يعني كل من يندرج تحت الفئات السابقة في كل أنحاء البلاد، فوسائل الاتصال في العصور قبل الحديثة لم تكن توفر مثل هذا الرصد والفعالية. وقد ظل المقصود بـ “أهل الحل والعقد” في ما يتعلق باختيار ولي الأمر أولئك المتواجدين في منطقة عاصمة الحكم والدائرة المحيطة بها. وإن كان اختيار ولي الأمر في أغلب الأحيان مسؤولية “أهل الحل والعقد” المتواجدين في منطقة مركز الخلافة ومحيطها، فإن أمثالهم من كبار العلماء والحرفيين والتجار والجند وشيوخ القبائل والأسر في المناطق الأخرى تمتعوا بنفوذ لا يقل تأثيراً وأهمية في إدارة شؤون مناطقهم.

فالدولة الإسلامية لم تُشكّل مركزاً وأطرافاً على النمط الغربي للإمبراطوريات. فمن حيث المبدأ كانت جميع المناطق متساوية الحقوق والواجبات. على أنه بغض النظر عن ثقل وأهمية الدور الذي لعبه “أهل الحل والعقد”، واتساع أو محدودية البقعة الجغرافية ذات التأثير، فإن الفهم الإسلامي المستبطن لمن هم “أهل الحل والعقد” لم يكن يشوبه الغموض.

“أهل الحل والعقد” كانوا دائماً قوة اجتماعية ـ سياسية موضوعية، يحتل الفرد موقعه بينهم نظراً للموقع الذي يحتله وسط الجماعة، أعالماً كان، أم جندياً، أم زعيم أسرة أم قبيلة. وكان نفوذ كل منهم واعتباره يسبقان دوره ضمن “أهل الحل والعقد”، الذي لم يكن أصلاً دوراً رسمياً ذا مسمى وفترة زمنية محددة. قد يزداد الفرد الممثل لقطاع من المسلمين أهمية واعتباراً لرجاحة رأيه ودوره في اختيار ولي الأمر وتأثيره في قرار الحكم؛ ولكن غياب هذا الدور والتأثير لا يقلل من الأهمية والاعتبار الأصليين، أو التأثير في المكان المتواجد فيه.

بهذا المعنى، يحمل مفهوم “أهل الحل والعقد” دلالة هامة على محدودية سلطة الدولة في التجربة الإسلامية التاريخية؛ فالدولة ليست كياناً مجرداً ومتعالياً، بل هي مؤسسة مشروطة بشبكة من العلاقات المتداخلة بقوى الاجتماع الإسلامي. هذه القوى الاجتماعية هي نتاج ديناميات الاجتماع ذاته لا اعتراف الدولة بها، الاعتراف القانوني أو السياسي؛ وتنتخب هذه القوى والجماعات ممثليها انتخاباً طبيعياً من خلال تقاليد عميقة الجذور، ارتضتها كل منها وطورتها بما يناسب تكوينها ودورها الاجتماعي.

الطريقة التي يبرز بها العلماء الكبار تختلف عن تلك التي يعرف بها شيوخ القبائل والأسر الكبيرة، أو تلك التي يقر على أساسها قادة الجند أو مقدمو التجار والأصناف (الحرف). لقد كفلت هذه التقاليد أن يمثل القادة مصالح فئاتهم وجماعاتهم تمثيلاً حقيقياً؛ ونظراً لاتصال القادة الدائم بقواعدهم فإن مصداقية التمثيل كانت تخضع لامتحان ونظر مستمرين. أمّا العلماء الكبار فيبرزون على أساس من العلم والتقوى والدفاع عن قيم الشرع وحقوق العباد والاستقلالية عن الحاكم، فإن ظهر على أحد منهم ما يخل بهذه الشروط، كأن يصبح من بطانة الحاكم أكان الخليفة أم دون ذلك، فسرعان ما يفقد ثقة الناس ومجتمع العلماء. كما ان مقدم تجار مدينة ما، أو حرفة ما، لا يستطيع الاستمرار في موقعه ودوره إن فقد مصداقية تمثيل التجار أو أبناء الحرفة.

المسألة التي لا تقل أهمية أن القوى الاجتماعية وممثليها لا تشارك في إدارة شؤون البلاد والمجتمع من خلال عملية التمثيل والعلاقة بدوائر الحكم (أولياء الأمر والولاة والقضاة) وحسب، وإنما أيضاً من خلال إدارة قطاع كبير من شؤونها الذاتية، سواء أكان على أساس من قيم وتقاليد متعارف عليها (كما هو الوضع في مجتمع العلماء وفي صفوف الجند) أم مواثيق ودساتير خاصة (كما هو وضع التجار وأصحاب الحرف) أم تقاليد اجتماعية راسخة كما في العشائر والقبائل. هذا وتظلل هذه الشبكة المتداخلة من السلطات والجماعات وتتخللها مرجعية الشريعة وقواعدها وقيمها. والشريعة في الاجتماع الإسلامي التاريخي ليست قانوناً يسن من قبل سلطة تشريعية أو تنفيذية مركزية، بل هي مرجعية فقهية وقانونية وأخلاقية وسلوكية، أو هي “خطاب المجتمع” كما يقول أحد الباحثين.

تستمد الشريعة سلطتها من القرآن والسنة ومصادر التشريع الإسلامية الأخرى، يقررها ويفسرها ويحرسها جيل بعد جيل من العلماء. ولأن الشريعة لا تستمد شرعيتها من الدولة، فإن سلطتها تعلو سلطة الحكام بكافة مراتبهم. ولأنها خطاب الجماعة، فإن نفوذها على قوى الاجتماع الإسلامي لا يتطلب سلطة الدولة إلا في حال النزاعات المرفوعة إلى سدة القضاء. بغير ذلك، أي في حالات التحاكم الحر أو الاستفتاء أو الوعظ والإرشاد، فإن سلطة الشريعة هي سلطة أخلاقية مستمدة من الوازع الداخلي للأفراد والجماعات.

في مثل هذا النظام، لا يمكن أن تكون السلطة آو القوة (power) مركزية، بل تتقسم وتتوزع على قطاعات وقوى متعددة. ولا يعني توزيع القوة على مراكز متعددة للاجتماع الإسلامي أن الدولة كانت ضعيفة؛ فالدولة في التجربة الإسلامية كانت في أغلب المراحل بالغة القوة، ولكن ممارسة هذه القوة اقتصرت على مجالات محددة، مثل حفظ أمن الجماعة والفتوح وحماية ثغور دار الإسلام. ولكن ليست قوّة تسلب المجتمع قوته وحقوقه الأساسية في تسيير شؤون حياته.

يختلف هذا النظام في أسسه ومصادر شرعيته وطرائق عمله عن نظام التمثيل في الدولة الحديثة، الدولة الديمقراطية وغير الديمقراطية، والدولة البرلمانية (حيث لا فاصل بين مؤسستي التشريع والتنفيذ، كما هو الحال في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وأغلب دول العالم الأخرى) أو غير البرلمانية (حيث يوجد فاصل بين الجهاز التنفيذي والمؤسسة التشريعية، كما هو وضع الكونغرس في النظام الأميركي). فالدولة في النظام السياسي الحديث هي مصدر الشرعية، منها تستمد القوانين والنظم والمؤسسات (بما في ذلك ما بات يعرف بمؤسسات المجتمع المدني) شرعيتها. أمّا القوانين في النظام السياسي الحديث فتشرّع مركزياً، لتعكس موازين القوى السياسية والاجتماعية والتحولات القيمية والثقافية الدائمة. وبتملكها حق التشريع وسلطة القانون واستـئثارها بالعنف، تتمتع الدولة بالسيطرة الكاملة على شؤون الاجتماع. المجالس التمثيلية، التي تسن الجسم الأكبر من القوانين وتملك حق الرقابة، هي جزء لا يتجزأ من جسم الدولة، وتخضع هي الأخرى للقانون والدستور، اللذين يمكن تغييرهما طبقاً لتغير توازنات القوى الداخلية والمناخ القيمي.

ومن هنا إذا كانت السلطة في النظام الحديث تتوزع بين المؤسسة التنفيذية والمؤسسة التشريعية، فإن هذا ليس أكثر من توزع داخلي بين مؤسستين تجمعهما الشرعية الواحدة، قرابة تشبه قرابة الدم، قرابة الطبقة الواحدة.

ممثلو المجتمع، سواء أكانوا في النظام الحزبي التعددي أم غير الحزبي أم غير التعددي، هم في أغلبهم محترفون سياسيون، يجري انتخابهم خلال عملية سياسية دعائية واحدة، تجري في كل البلاد في شكل ونمط واحد، ويحسب فيها وزن المجتمع باعتباره أصواتاً مفردة. وبعد أن كانت العناصر المستقلة تلعب دوراًً سياسياًً ملموساً في مطلع تاريخ الدولة الحديثة، تضاءل هذا الدور تدريجياً لصالح الأحزاب والتنظيمات السياسية ومن وراءها من أجهزة أو أساطين القوة الاقتصادية والمالية التي باتت القوة الطاغية على المساحة الفاصلة بين الدولة والمجتمع.

تنبع قوة الممثلين (النواب او الشيوخ) في الجزء الأكبر منها من الانتماء الحزبي، ومن قوة الحزب السياسية والتظيمية والمالية. ولأن أغلب هؤلاء الممثلين من محترفي العمل السياسي، فربما استمر بعضهم في موقعه عقوداً طويلة، ما لم يرتكب خطأ سياسياً أو أخلاقياً فادحاً (وكثيراً ما تكون السياسة وراء الفضائح الأخلاقية) أو إذا تراجعت حظوظ حزبه الجماهيرية. وبمرور السنوات، يفقد الكثير من هؤلاء الممثلين الشعور الحميم بما يجري داخل المجتمع، بما في ذلك مجتمع الدوائر التي يمثلونها، ليصبحوا أسرى المناخ السياسي للدولة والحكم والمجلس التمثيلي واللوبيات المتـّنفذة. أحد أهم أسباب هذه الظاهرة أن العمل السياسي أصبح عملاً يومياً شاغلاً، مثل أي تخصص وظيفي آخر، نظراً لأن سيطرة الدولة الشاملة على الاجتماع تعني ازدحام العمل التشريعي واكتظاظه. ولأن أغلب هؤلاء الممثلين ينتمي لخلفيات تعليمية ومهنية متشابهة، فإن دفاعهم عن حقوق فئات وجماعات المجتمع المتعددة هو دفاع يعتمد على الوسائط، التي ينشط بعضها من خلال مجموعات ضغط منظمة.

الأكثرية العظمى من هؤلاء الممثلين لا يتمتعون بمصادر قوة ونفوذ سابقة على اختيار أحزابهم لهم لخوض المعارك الانتخابية؛ ولا يشترط للنجاح في عملية الاختيار قوة أو نفوذاً أصيلين، بل مهارات سياسية ودعائية وولاءات إلى جانب وجود “ممسكات ضابطة على الفرد”. كما أن نفوذ أغلب هؤلاء الممثلين وتأثيرهم لا يتأتّى إلا بفضل علاقاتهم بمؤسسات الدولة، مثل وجودهم في الهيئة البرلمانية أو صعود أحزابهم إلى سدة الحكم. وبعضهم قد لا يترك أثراً يذكر في الحياة العامة حتى بعد حصوله على المقعد البرلماني. ولكن هذا لا يعني أن القوى الفعلية في المجتمع (كبار رجال المال والصناعة والتجارة، القيادات النقابية، الشخصيات البارزة في الحياة العامة، أبناء الأسر الكبرى، أصحاب المنشئات الإعلامية الرئيسية، قادة المؤسستين العسكرية والأمنية) لا تتمتع بالنفوذ والتأثير.

الحقيقة، ان تأثير هذه القوى لا يقل عن تأثير أهل الحل والعقد في التجربة الإسلامية التاريخية، ولكنه تأثير غير مباشر وملتو، ولا يخضع للامتحان والمحاسبة. وهو ما يجعل الدولة الحديثة تجسيداً لطبقتين من طبقات القوة، واحدة ظاهرة وأخرى خفية، واحدة تتمحور حول عملية الانتخاب الفردي الصاخبة والعلنية وأخرى تتمحور حول طرائق عمل الثروة والنفوذ غير العلنية. واحدة ينشغل بها عموم الناس وأخرى تتعلق بالخاصة فقط. بل أن ما هو خفي وخاص يمكن أن يفوق تأثيره في مسيرة الدولة والحكم ما هو عام وعلني.

هذا في النهاية نظام مركزي، تنحصر فيه القوة داخل جسم الدولة وقلة من المؤثرين في آليتها، إنها القلة التي لا تتعرض للمساءلة والمحاسبة. وهو نظام يفترض أصلاً مركزية القوة والسلطة، بحيث يمكن وصفه بأنه نظام يقوم على عقلنة الاستبداد، نظراً لضيق دائرة القوة من ناحية وللطبيعة المنظمة والقانونية والقابلة للتوقع والحساب لعملية التحكم التي تمارسها هذه الدائرة.

الواضح بالطبع ان نظام الدولة الحديثة، بمجالسه التمثيلية، هو النظام المسيطر في العالم المعاصر، بحيث باتت الدولة بمدلولاتها الحديثة الوحدة التي تقوم على أساسها المنظومة الدولية. لقد صدّرت هذه السيطرة إلى أنحاء العالم المختلفة تيارات الحداثة التي حملتها الأساطيل والإدارات الإمبريالية، وقوى التجارة والصناعة المتسارعة، وأنظمة الاتصال والجامعات. وقد بلغت هذه السيطرة من النفوذ على الثقافة والوعي السياسيين مبلغاً لم يعد من الممكن معه تصور بديل للدولة الحديثة من خارجها. أمّا الذين حاولوا توجيه نقد جذري لنظام الدولة الحديثة فقد أطلقت عليهم أوصاف محملة بالقيم السلبية، كالفوضويين والهامشيين مثلاً.

هذا ولم تفلت الثقافة الإسلامية المعاصرة من أسر هذه السيطرة، حتى ان قيم وأنظمة اجتماع الميراث الإسلامي يعاد تفسيرها تلقائياً في ضوء آليات وقيم الدولة الحديثة. والمشكلة هنا ليست في الأصل الأوروبي  الغربي لهذه الدولة؛ فبعد مرور قرنين على ولادة العالم الحديث لم تعد الحداثة حكراً على كتلة الدول الغربية، بل ان هذه الدول نفسها تأثرت وتتأثر على هذا النحو أو ذاك في من استعمرتهم، كما في عواقب حقبة الاستعمار والتداخل العالمي. المشكلة ان نظام الدولة الحديثة لا يقدم حلاً حقيقياً لعلاقات الاستبداد والسيطرة. ولم يكن الفلاسفة ـ المؤرخون من نقاد الأنظمة الحديثة، مثل ميشيل فوكو، على خطأ عندما وصفوا الثورات الدستورية الغربية بأنها مثلت الانتقال من استبداد الملك إلى استبداد مؤسسة الدولة.

ولكن هذا لا يعني ان الحل يكمن في العودة التلقائية إلى الميراث الإسلامي التاريخي؛ إذ ليس هناك تاريخ يمكن استعادته أو إعادة إنتاجه، لا سيما في الظروف العالمية الراهنة وما حدث من قطيعة بين المستعمرات ونمط اجتماعها السياسي والاقتصادي والثقافي التاريخي. فالحل، ربما، يخرج من خلال محاولة إصلاح نظام الدولة الحديثة باستلهام الميراث الإسلامي. ويفتح مفهوم “أهل الحل والعقد” مجالاً واسعاً لمثل هذا الاستلهام.

إن واحداً من أهم سمات التمثيل السياسي الحديث هو النظر إلى المجتمع باعتباره أفراداً، أو مواطنين، يعبر كل منهم عن رأيه وموقفه ومصالحه بصوته الفرد. ولا يمكن لصوت الفرد، ما لم يكن هذا الفرد من النخبة النافذة، ان يترك أثراً ملموساً في العملية السياسية. ولا تمارس الشعوب تأثيرها باعتبارها جماعات إلا في حالات التظاهر الاحتجاجي أو الإضرابات النقابية؛ وهي حالات استثنائية لا تستمر إلا لفترات زمنية قصيرة في العادة. كما ان الدورات الانتخابية التي تنظم عملية التمثيل هي دورات متباعدة (تمتد لسنوات أربع أو أكثر)، تكاد الشعوب في الفترات الفاصلة بينها ان تفقد كل تأثير لها في سياسات الحكم ومساره.

الأمر الذي يسمح بالقول ان المجتمع حين تحوّل إلى أفراد مبعثرين أصبح أضعف لا أقوى إزاء الدولة.

في المقابل، يرتكز مفهوم “أهل الحل والعقد” على آلية عمل الجماعات، وعلى اختيار الجماعات لمن تثق في درايتهم ومصداقيتهم لتمثيلها، وعلى الاتصال المستمر والرقابة التي لا تنقطع لفعالية هؤلاء الممثلين. من جهة أخرى، يلعب الولاء الحزبي الدور الرئيس في آلية التمثيل الحديثة، كما تقوم الأحزاب السياسية بدور المعبر الرئيس عن مصالح وإرادات الجماعات؛ بينما الأحزاب هي في ذاتها مؤسسات ذات مصالح، تفرض قيودها الخاصة على أعضائها وعلى حرية تعبيرهم عن ضمائرهم.

أمّا في المقابل، فإنّ مفهوم “أهل الحل والعقد” يكفل علاقة مباشرة بين الجماعات والقوى الاجتماعية وممثليها، ولا يضع على هؤلاء الممثلين من قيود سوى تلك المتعلقة بمصداقية تمثيل مصالح الجماعات والقوى.

هذه الأبعاد، وغيرها، لمفهوم “أهل الحل والعقد”، يمكن لكل مجتمع أن يجد الطريقة التي تناسبه لنقلها إلى أنظمة ومؤسسات عمل سياسي، ليس لتحل بالضرورة محل عملية التمثيل الحديثة، بل على الأقل لتقف إلى جانبها. هنا يمكن الإفادة من آلية أو مفهوم مجلس “الشيوخ” أو “الأعيان” ليكون المعبّر عن مفهوم “أهل الحل والعقد”، وفقاً للتقليد الإسلامي الأول له. ولكن المسألة التي يجب ألاّ يكون ثمة وهم حولها هي أنّ المفاهيم والمؤسسات الاجتماعية والسياسية الإسلامية التاريخية لا يمكن ان تفهم إلا في سياق التجربة الإسلامية التاريخية ذاتها، كما ان المفاهيم والمؤسسات الاجتماعية والسياسية الحديثة يجب ان تفهم في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال القرنيين الماضيين. وهنا تبرز عقدة جديدة بحاجة إلى حل نظري أو اجتهاد فقهي.