من القصص التي يحلو للمغاربة التندر بها في مجالس لهوهم قصة تلوكها الألسن منذ فترة طويلة.و من المعلوم أن القصص،خاصة تلك التي تتخذ طابعا هزليا أو تتسم بالسخرية ،تعبر عن مضامين المخيال الاجتماعي . فالهروب إلى القصة أو النكتة للتعبير عن مواقف تجاه قضايا أو ممارسات ـ خاصة السياسية ـ اعتبر دائما الوسيلة المفضلة للشعوب حين يضيق صدر الحاكم عن النقد أي حين يكون سقف حرية التعبير منخفضا و درجة القمع مرتفعة.

يحكى أن طبيبا نفسيا كان يشرف على علاج مجموعة من المرضى وشاء ذات مرة أن يتأكد من مستوى شفائهم من عللهم فأخضعهم لاختبار أراد من خلاله قياس مدى تحسن وضعهم العقلي و مدى قدرتهم على التفكير السليم و اتخاذ القرار الصحيح…أحضر الطبيب مرضاه إلى ساحة الاختبار التي ليست إلا مكان الاستحمام المكون من حوض صغير ممتلئ بالماء و طلب من كل واحد من المجموعة إفراغ الحوض من مائه.غير أنه ترك صنبور الماء مفتوحا..الاختبار بسيط إذن. حاول معظم المختبرين إنجاز المهمة و بذلوا جهودا مضنية في سبيل ذلك، وعبثا حاولوا. فكلما أفرغوا من الحوض بعضا من مائه عوض الصنبور الفراغ.في النهاية لن يستحق شهادة التعقل إلا شخص واحد.فقد قام هذا العاقل بإغلاق الصنبور،مصدر الماء، أولا ثم باشر بعد ذلك تجفيف الحوض مما فيه.

لنتصور أن الطبيب هو الشعب و أن الذين خضعوا للاختبار هم المكونات السياسية لهذا البلد و أن الماء المراد تجفيفه يرمز للفساد و الانحطاط العام الذي يشتكي منه الحجر و الشجر و البشر كما أن صنبور الماء يرمز لمصدر الفساد و الاستبداد و هو النظام السياسي(..) ترى إذا فككنا رموز هذه القصة و أسقطناها على المغرب ماذا ستكون العبرة.أترك الاستنتاج لنباهة القارئ.

حضرتني هذه القصة وأنا أتابع هذه الأيام الحملة العبثية التي تقودها أجهزة الدولة بأحزابها و إعلامها ومؤسساتها لجر المواطن إلى صناديق الاقتراع عبر التفنن في تسويق الأوهام. و لعل أبرز ما يطبع هذه الحملة الانتخابية ـ إضافة إلى نقائصها المعروفة ـ هو اللاعقلانية التي انتهجها من يعتبرون أنفسهم عقلانيين و حداثيين حتى النخاع.فالكل يتحدث عن محاربة الفساد و هو غارق في أطنابه .و الجميع يعد بتوفير الشغل و تقليص الضرائب و رفع الأجور و القضاء على السكن غير اللائق ….إلخ و اللائحة طويلة وعود لا حد لها ولا حصر:سراب و أوهام.كل الأحزاب تخاطب المواطن من بوابة الإغراء و لا أحد يطالبه حقا باستخدام عقله و التفكير الجدي و السليم في واقعه و في خيارات إصلاحه.لا أحد يحترم ذكاء المواطن لأنهم لا يؤمنون بأنه حر في تفكيره و تعبيره بل وُجد فقط ليساق و يستخف به في مواسم الدعاية و التهريج .فهل الانتخابات هي بوابة التغيير الحقيقي في المغرب؟هل تعبر حقا عن إرادة المواطن و اختياره؟هل تمثل تعاقدا فعليا بين الناس و بين الأحزاب التي تروم النيابة عنهم و الدفاع عن مصالحهم و التعبير عن همومهم(ادعاءا)؟ هل ما تفرزه الانتخابات من مؤسسات يمتلك القدرة التنفيذية لبرامجه و مقرراته؟أليس البرلمان سركا حسب تعبير الراحل الحسن الثاني؟ أليس المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك هو الذي يتخذ القرارات؟ أليس لكل مؤسسة تنفيذية تابعة للحكومة مؤسسة موازية وأقوى نفوذا تابعة للقصر و تحت إشراف مستشاري الملك أو رجالاته؟ألا يفرغ هذا الوضع الجهاز التنفيذي من جدواه و يحوله إلى مؤسسات تسيير أعمال ليس إلا؟ و في هذه الحالة ما مصير البرامج السياسية للأحزاب التي دغدغت بها أحلام البسطاء من أبناء هذا البلد خلال الحملات الانتخابية؟أليس الأحرى و الأجدى التعاون لإغلاق صنبور الفساد و الاستبداد ووضع خطة وطنية لصياغة الاختيارات الكبرى للبلد و لمستقبله عبر حوار جاد و جامع؟

إن الذين يستبلدون الشعب و يستحمرونه يجب ألا ينسوا أنه هو في النهاية من يسلم شهادة التعقل التي يترتب عليها منح الثقة و المصداقية و الاصطفاف خلف مشروع صاحب الشهادة الغالية.” و لتعلمن نبأه بعد حين”.صدق الله العظيم.