تذكير:

اقتضت حكمة الله تعالى أن يتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ناحية المسجد الأقصى منذ أن وفد على المدينة المنورة مهـاجرا من مكة، وقد بقي على هذا الحال سبعة عشرا شهرا، أي حتى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وهي السنة والشهر اللذان فرض فيهما صوم رمضان.

دواعي الصلاة نحو بيت المقدس

لم يكن من اللائق أو المقبول أن يتوجه المسلمون في صلاتهم نحو الكعبة ـ مكة ـ وهم في ضيافة أهل المدينة وفيهم رهط مؤثر من اليهود، فاختار صلى الله عليه وسلم أن يصلي ناحية بيت المقدس أدبا مع أهل البلد وتأليفا للقلوب على ميثاق تعايش بين أهل ديانتين مختلفتين: اليهودية والإسلام؛حتى إذا استأنس كل طرف للآخر، وأصبح للمسلمين موقع قدم في المدينة، وتأثير في نفوس أهلها جاء الأمر القرآني بتحويل القبلة،أو قل بتصحيح الوضع.وأحبار اليهود يدركون ذلك تمام الإدراك “الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم،وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون”(سورة البقرة،الآية:145). فالكعبة هي الأصل،وبيت المقدس شكل استثناءً ومرحلة انتقالية،وكان ذلك ـ كما سلف ـ في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة.” روى البخاري وغيره من حديث البراء رضي الله عنه،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا،وكان يعجبه أن تكون قـبلته قِبل البيت،وإنه صلى ـ أو صلاها ـ صلاة العصر،وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون،قال أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبل مكة،فداروا كما هم قِبل البيت…”الحديث.

دلالات ودروس

يعتبر تحويل القبلة حدثا غاية في الأهمية،عكس ما يعتقد الكثيرون،وحابل بالدلالات والدروس،وما كان القرآن الكريم ليهتم به وبذلك الشكل شرحا وتوضيحا،إذ شغل الموضوع حيزا كبيرا من سورة البقرةـ حوالي ربع الحزب الثالث من قوله تعالى:”سيقول السفهاء ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها”(الآية:141)إلى قوله عز سلطانه:”ولأتـم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون”(الآية:149)،حيث أبرز الحق سبحانه دواعي ومسوغات التحويل ودلالته.لهذا يعتبر دارسو السيرة النبوية تحويل القبلة نحو الكعبة مؤشرا لدخول المسلمين مرحلة جديدة،وإيذانا باقتراب المواجهة بين المسلمين وقريش،لن تنتهي إلا بفتحها في السنة الثامنة للهجرة،إذ كيف يعقل أن تكون قبلة المسلمين مدنسة بالأصنام.

للحدث دلالات في حياة المسلم وفي حياة الأمة كثيرة ومنها:

1.بداية يأتي تحويل القبلة ترضية لرسول الله صلى الله عليه وسلم صلى،وهو حبيب الله الذي تكفل بترضيته “ولسوف يعطيك ربك فترضى”،يقول سبحانه:”قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها،فول وجهك شطر المسجد الحرام..”(الآية:143).

2.يكتسب كل حدث قيمته من سياقه العام أو الخاص،وقد جاء تحويل القبلة قبيل غزوة بدر الكبرى،وما أدراك ما غزوة بدر،وما ترتب عنها من نتائج كانت حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية ككل،ولأن تحويل القبلة لم يكن شكليا كما يتصور البعض،فقد جاء تمحيصا للصف الإسلامي،واختبارا لمدى صحة الإيمان والقابلية للبذل والتضحية من أجل مشروع فتي تتربص به الدوائر الداخلية ـ مكر ودسائس اليهود ـ وخارجيا ـ تخطيط قريش لتبيد الإسلام واجتثاث شجرته ـ ،ولهذا بدأ السياق القرآني بتسفيه من يعترض على التحويل،ثم نص صراحة على البعد التمحيصـي للحدث،يقول رب العزة:”وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.. “(الآية:142). يقول صاحب نور اليقين محمد الخضري: “وكانت هذه الحادثة سببا لافتتان بعض المسلمين الذين ضعفت قلوبهم فارتدوا على أعقابهم..”(ص:137،136).وهو اختبار لم يكن سهلا على ضعاف الإيمان من ذوي القلوب المريضة،يقول جلت عظمته:” وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله.” (الآية:142).

اختبار الصف وتمحيص الإيمان ضروريان قبل الدخول في أول مواجهة عسكرية بين قريش والمسلمين،ولم يكن من الحكمة أن يكون بين المسلمين ضعاف الإيمان،وإلا بثوا في النفوس الخبل والوهن،كما ذكر سبحانه في سياق الحديث عن غزوة تبوك:”لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم،والله عليم بالظالمين” (سورة براءة، الآية:47)،نفس التمحيص للصف بعد حدث الإسراء والمعراج استعدادا لامتحان الهجرة.

3.اختياره صلى الله عليه وسلم الصلاة نحو بيت المقدس غايته تهيئة ظروف وشروط ميثاق بين المسلمين واليهود،يضمن التعايش بينهما من خلال استرضاء القلوب لاسيما المتشددة،وهذا فيه نوع من المرونة في التعامل وفق ضابط:”قد نسكت عن بعض الحق ولكن لا نقول باطلا”.هدف وغاية ذات طابع تكتيكي سياسة لقلوب درجت على امتلاك الزعامة والريادة،لم يمنع من العودة إلى الأصل حتى لا تختلط الأمور على العوام من الناس،فاليهودية ليست هي الإسلام، “وما أنت بتابع قبلتهم،وما بعضهم بتابع قبلة بعض،ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذن لمن الظالمين”(الآية:144).

4.القبلة لغة هي الوجهة،واصطلاحا هي توجه المسلم في صلاته نحو الكعبة، دون أن يرتبط ذلك باتجاه جغرافي معين،يقول سبحانه:”وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره”(الآية:149)،لهذا كان استقبـال القبلة شرط وجـوب لصحة الصلاة ومستحبا في جميع الأعمال التعبدية من ذكر وتلاوة للقرآن ودعاء.

5.استقبال القبلة رمز للتوحيد وانجماع القلوب على غاية واحدة،عبادة الله تعالى وتوحيده، حماية للأمة من انفـراط الأمر واختلاف الرأي وانتشـار الفرقة بين المسلمين؛انجماع يتحقق في الاتباع الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الحديث:” لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به.”لهذا عاتب الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا عمر بن الخطاب لما رآه يقرأ شيئا من صحف سيدنا موسى عليه السـلام قـائلا:”لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتبـاعي “.

6.القبلة رغم رمزيتها القوية والمتنوعة،فقد أحاطتها السنة النبوية بما يليق بعظمتها من هالة وهيبة ووقار،فحددت لدخولها وزيارتها آدابا،واعتبرت رؤيتها ـ مجرد رؤيتها ـ عبادة،لكن ذلك لا يغني عن الغاية من استقبال القبلة،غاية تجلت في تكاليف ومقتضيات الإيمان،والتي بدونها يغدو التوجه للقبلة حركة جوفاء فارغة من أي قصد أو معنى،وتصبح في حكم من ترك طعامه وشرابه دون أن يدع الزور قولا وعملا،فكان صيامه مردودا عليه؛لهذا جاء التوجيه القرآني ينبه من يجرد الأعمال التعبدية من كنهها ولبها،يقول تبارك وتعالى: “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق أو المغرب،ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا،والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس،أولئك الذين صدقوا،وأولئك هم المتقون”(سورة البقرة:176).في إحدى أطول آي القرآن الكريم يجعل الحق سبحانه مغزى استقبال القبلة هو إقامة الدين،بدءً من التنصيص على أركان الإيمان،وتفصيلا لسائر العبادات،تصريحا أو تلميحا.

7.من معاني القبلة القصد وتحديد الغاية أو الهدف،ومن شروط النجاح تحديد الهدف ووسيلة الإنجاز وسقفه الزمني،وهذا معناه أن لا مكان في حياة المسلم للتسيب والارتجال والعشوائية، وإلا فديننا يعلمنا عمليا سبل النجاح،وأنه متى صحت الوجهة وكان القصد رضا الله تعالى انتظمت للمسلم أموره واستوت حياته،عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قال:”من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له،ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة. ” .

8.وما يقال عن الفرد ينسحب على الأمة،فمتى أخلصت الوجهة لربها عزت وهابتها الأمم،ومتى تنكبت عن الوجهة الصحيحة والمحجة البيضاء هانت وذلت وصارت قصعة الأمم،وحال المسلمين اليوم يغني عن أي تفصيل،وقد صدق أبو بكر الصديق لما قال:”كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام ،ولو ابتغينا العزة في غير الإسلام لأذلنا الله.”تصحيح الأمة اليوم وجهتها مطلوب،تشوفا للغاية الاستخلافية التي وعدت بها الأمة إذا هي وفت بشرط “يعبدونني لا يشركون بي شيئا..” (سورة النور،الأية:53).

لكل الأمم من حولنا غايات ومخططات استراتيجية يعبئون الأموال والجهود لتحقيقها،ونحن ـ المسلمين ـ تائهون ضائعون تابعون نعيش عالة على غيرنا رغم ثرواتنا ومؤهلاتنا الطبيعية والبشرية جـزاء وفاق تنكبنا عن الجـادة،عن الوجهة عن القبلة.

خـاتمة:

لحكمة جاء تحويل القبلة في شعبان،وهو شهر دأب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على الاجتهاد في الطاعات ـ تعليما لنا وتحفيزا ـ استعدادا لموسم الخير والعطايا الإلهية في شهر رمضان؛وإنها لفرصة طيبة لكل مسلم أن يصحح الوجهة ويجدد النية والقصد في شعبان ويسارع للتوبة عسى أن يوفقه تعالى ليكون من عتقاء رمضان،وتكتب له ولادة قلبية جديدة فيقبل على الله تعالى ويطلب رضاه،في انتظار أن يصحوَ حكام المسلمين من سباتهم، ويصححوا وجهة سفينة الأمة نحو موعود الله تعالى لهذه الأمة،فجر عهد جديد توالت بشائره،فهل من مسارع مبادر لعزة الأمة دنيا وآخرة.