-2 أساليب التغيير

يعرض المنهاج السياسي للجماعة خطين أساسيين للتغيير: “خط الإصلاح” و”خط القومة”. وبينهما لا تسقط الجماعة من حسابها انتهاز “الفرصة التاريخية” التي قد تطرأ في التاريخ فتختصر الطريق أمام جند الله وتعجل بالفرج. يقول الأستاذ المرشد في كتاب “المنهاج النبوي”، ص11:”على أن القومة قد تشق وسط الأحداث المتموجة طريقا إلى الإسلام غير هذه المحجة الناصعة. فيربى المؤمنون على الصمود الطويل، دون رفض الفرص التاريخية والفجوات والغرات في صف المسرفين”

أ ـ خط الإصلاح:

خط الإصلاح خط مرحلي تتبناه الجماعة لإصلاح نظام الحكم الفاسد المستبد عبر منهجين مختلفين:

ــ “التوبة العمرية” كخط محتمل إذا ما عاد الحاكم إلى رشده وتاب إلى الله عز وجل. ولهذه التوبة شروطها المحددة الصارمة ومن بينها حسن التوبة وردّ المظالم والحقوق المغتصبة إلى أهلها، والمبايعة.

ــ “الدخول في التعددية الحزبية، والترشح للانتخابات” كخط مرن وهو مشروط بإصلاح سياسي ودستوري. إن القبول بهذه المشاركة السياسية يمكن من الاستفادة من التسهيلات الرسمية في التحرك والتعبئة ومنافسة غيرنا في كسب الرأي العام. كما أن هذا الخط من شأنه فضح دعاوى المخزن المتعلقة بالديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان وفضح الشعارات والوعود الزائفة والكذب على الشعب…

ب ـ خط القومة:

إذا لم تتم الاستجابة لدعوات الإصلاح بشكل جدي وحقيقي، وهذا الأمر مستبعد إن لم نقل مستحيل الحصول، فإن خط الجماعة الاستراتيجي الأصيل لإحداث التغيير وإزهاق الفساد والاستبداد بعد استيفاء الشروط الذاتية وملاءمة الظروف الموضوعية هو خط القومة المؤسس على المعارضة الجذرية كخيار سياسي. فما هي القومة؟ وما هي شروطها؟

قبل التطرق إلى هاتين النقطتين، نطرح هذا السؤال المركزي: ألا تناقض الجماعة نفسها عندما تدعو بقوة إلى ميثاق وطني ثم تجعل من القومة، في الوقت ذاته، خطا استراتجيا أصيلا في عمليتها التغييرية البنائية؟ كيف يمكن الجمع بين محورية الميثاق كمشروع جامع لتجنيب البلاد العنف والفوضى وبين مركزية القومة كمبادرة ذاتية لإصلاح الفساد والقضاء على الاستبداد؟

لا تعارض في فكر الجماعة ومبادئها، ولا تناقض في تصورها ومشاريعها.

هدف القومة الأول والكبير هو إزاحة الفساد والاستبداد بقوة. هدف سامي تعلنه الجماعة بجرأة وشجاعة ووضوح تام ولا تدعي الانفراد به ولا تلغي مشاركة أي طرف آخر في تحقيقه، وإن كان واقع الآخر أحزابا وجماعات يستبعده بل يرفضه ويصم من يتبناه بالفوضوية والحلم والطوباوية. وبعد كنس هذا النظام الفاسد الجاثم على الرقاب، هذه الفزاعة المخيفة القامعة للآراء، المتحكمة القاطعة الأرزاق، المعيقة المانعة للميثاق، بعد ذلك، يعود القائمون، مشكورين على السبق وعلى بادرتهم الشجاعة الخلاقة ــ وليس “الفوضى الخلاقة” ــ إلى ثغورهم بتواضع وأناة، وحلم ونكران ذات ليجلسوا على قدم المساواة مع باقي الفضلاء ومع من رفعت عنهم وصاية وتحجير النظام للحوار تفاديا لإعادة إنتاج الاستبداد، وتشييدا لميثاق وطني يمنع البلاد من أن تعصف بها رياح الفتنة والفوضى والدموية.

لا تعارض إذن بين فكرة القومة وفكرة الميثاق.

القومة خيار استراتيجي للتغيير تمليه ضرورة القيام لله تعالى، في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين. والميثاق خيار استراتيجي للبناء تمليه ضرورة الحوار والتفاهم والتعايش والتعاون والتكامل.

القومة خيار قوي لكنس الفساد والمفسدين في غياب التوبة العمرية والتعددية الفعلية والانتخابات الحقيقية. والميثاق قبل القومة وبعدها خيار ذكي لجمع أهل الإصلاح، الغيورين على بلادهم وشعبهم، إسلاميين وفضلاء ديمقراطيين على أرضية حوار واسعة يقترح فيها الجميع، بكل حرية ووضوح مرجعيته ومبادئه وتصوره وبرامجه للإصلاح والتغيير.

ومن أولويات الميثاق مسألة الهوية والمرجعية العليا ومسألة صياغة دستور شعبي ديمقراطي يقطع نهائيا مع سلسلة الدساتير السلطانية الممنوحة الاستبدادية.

ما يسميه الآخر “ثورة” حقا أو خطأ في التعبير يسميه الأستاذ المرشد أصالة وزيالا وتدقيقا في المصطلح “قومة”. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في فقرة جامعة مانعة من كتاب “رجال القومة والإصلاح”، الصفحة 7:» كان المسلمون في العهد الأول يميزون بين كلمة “القائم” وبين كلمة “الثائر”. فيطلقون الأول على من قام بالحق ضد حكام الجور، ويطلقون كلمة “ثائر” على كل مسلح يحارب السلطان. وفي الحديث النبوي كثيرا ما تقترن مادة “ثار” بالسلاح والاضطراب والحركة العنيفة. والثورة تغيير بالعنف للبيئة الاجتماعية، والقومة تغيير دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، تغيير نفسه وعقله وسلوكه، تغيير يسبق ويصاحب التغيير السياسي الاجتماعي«.

نسطر هنا على عبارتي “القيام بالحق” و”ضد حكام الجور”. ومن يقوم بالحق إلا أهل الحق، المنتسبون صدقا وحقيقة إلى الحق عز وجل إيمانا وتسليما، علما وعملا، على سنة ومنهاج من أرسله رحمة للعالمين ونصرة للمستضعفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر رسله أجمعين.

القومة هي التنفيذ بالقوة بعد النضج التربوي والسياسي والحركي والتنظيمي، بعد أن يتم الإعداد العميق الطويل النفس، دون استعجال للنتائج، دون تهور، دون عنف، دون اغتيال سياسي، دون إراقة للدماء، بعد استكمال الشرطين الذاتي والموضوعي. التنفيذ بالقوة وسيلته “الموجة العارمة”، » فعندما تتألف الموجة العارمة يستطيع المؤمنون إيقاف الفساد بالعصيان الشامل، والإضراب العام، والنزول للشارع، حتى يخزي الله المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون« (المنهاج النبوي، ص10ـ11).

شرط هذه القومة الذاتي هو استكمال جند الله إعداد القوة المطلوبة من تربية إيمانية وقوة تنظيمية وقدرة حركية تؤهلهم للثبات والطليعية وحيازة ثقة الشعب وقيادته والتغلغل القوي العميق والعريض في أوساطه بحيث تصبح قضيتهم قضية شعبية يعيها الشعب، ويتبناها بأوسع فئاته، ويدافع عنها بكل ما أوتي من قوة. و دون بلوغ هذا المقام الذاتي عقبات وتحديات ووقت طويل ونفس أطول.

وشرطها الموضوعي هو بلوغ الغضب الشعبي على الظلم وعلى الظالمين مداه. هذه السخطة الشعبية العارمة تعطي للقومة السند والمصداقية وتشد من الخناق على الظالمين وتعزلهم عن الشعب المفقر المستضعف المقهور الذي طالما ضللوه وخدروه وموهوا عليه بالشعارات الزائفة والوعود الكاذبة وشوهوا في فكره وخياله صورة جند الله وصدق نيته وشعاراته ووعوده في الإصلاح والتغيير.

هذا الشرط الموضوعي عامل أساسي من أجل نجاح القومة. فمهما كانت قوة جند الله ومهما بلغ مستواهم في التربية والتنظيم والتنفيذ فإن غضب الشعب العارم على حكام الجور وسدنته وانضمامهم إلى جند الله واصطفافهم معهم أمر حاسم في تقويض بنيان الظلم والظالمين.

غضب يذكيه جند الله ويؤججه في الشعب المستضعف ضد الاستكبار والمستكبرين، وضد الظلم والظالمين: »الاعتبارات التفصيلية لغضب المستضعفين يجب أن تحتل مكانها في فكرنا وشعاراتنا وتخطيطنا لتعبئة الأمة… لغة الخبز اليومي، والأجور، والصحة، والسكن، والمدرسة، والكرامة، تفصل كل هذا لرجل الشعب المستضعف القاعدي تفسر له لم يجب أن يغضب، وكيف، ومتى، ومع من« (المنهاج النبوي، ص371ـ372).

ويكون دور جند الله الأساسي والمصيري بعد ذلك هو ضبط وتلقيح هذا الغضب الشعبي الطبيعي الفطري ضد الظلم والظالمين بالإيمان، بالغضب السامي لله تعالى:»فليكن جهاد المحسنين، وطليعة المؤمنين، أن يحقنوا العضل الشعبي بجرعات إيمانية. وبلقاء الحافزين، وبقيادة الاعتبار الإحساني، وهيمنته، وجدارة قدرته على ضرب المثال، نرتقي بالحركة عن مستوى الغضب الجماهيري إلى مستوى القومة لله«. (نفسه، ص371). فإذا انقلب الأمر، إذا غلب الغضب الأول على الثاني أو إذا “قاد الصف غير الأمناء الأقوياء” فإن الحركة تكون “رد فعل غير منضبط” و”ثورة طائشة تهدم لا قومة لله تبني”.

أما إذا تخلفنا عن الموعد وبقينا في ملائكية الإسلام المتعففة عن النزول إلى الشعب إيقاظا وتعبئة وتوجيها فسنكون من المخلين بإحدى أعظم سنة من سنن الله الكونية في التغيير وإقامة الدين ونصرة المستضعفين، تاركين بذلك الفرصة لغيرنا من دعاة الباطل للازدراء بالإسلام والتمويه على الشعب المستضعف بإيديولوجياتهم المهزومة وديماغوجياتهم المفضوحة، فيكفر المستضعفون بالإسلام ويلتفون حول دعاة الكفر ضد دعاة الحق. وتلك الطامة الكبرى. وما أصعب مهمة جند الله آنذاك.

يجاهد جند الله في “سبيل المستضعفين”. وذلك جهاد من الدين، جهاد أمرنا به كما أمرنا بـ “الجهاد في سبيل الله” تعالى. يقول الحق عز وجل:»ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها« (سورة النساء، الآية 1).

يوقظ جند الله غضب الشعب على الظلم والظالمين بعد هذه القرون من الخمول والخنوع والانقياد، ويعبئونه ويرشدونه ويضبطونه بضابط الغضب لله تعالى لئلا يتحول إلى فوضى هالكة وفتنة ونهب وانتقام أعمى واقتتال وسفك دماء يحيد بالقومة عن وجهتها الصحيحة. و» هذا يريد جهادا أكبر سابقا ومواكبا ولاحقاك جهاد النفس وتربيتها«. (نفسه، ص372).

ها نحن عدنا إلى مدخلنا الأساسي في التغيير والبناء، مدخل “التربية الإيمانية”. وهنا تتم دورة التغيير الأولى ليرفع ستار التغيير والبناء الثانية بفكرة التربية وتقديمها وشخصياتها وإخراجها، »وهنا تتم الدائرة التي تبتدئ بالتربية تهيئ التنظيم، ثم التنظيم يهيئ الزحف، ثم الزحف والقومة ينظران إلى التربية، يلتمسان منها أن تهذب الغرائز، وترفع القلوب إلى الله، والعقول إلى العلم بشرع الله، والجهود لتنصب في جهاد يرضاه الله.« (نفسه).

سؤال أخير نجيب عنه، على حد سواء، ولا سواء، الخائف المشفق على مصير القومة والساخر المستخرف لأصحابها قبل طي هذه النقطة وهو بلا شك سؤال وجيه: ألا تتخوفون من تدخل الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا، العدو اللدود لأي مشروع تغييري إسلامي، لإفشال محاولتكم هاته في إقامة حكم إسلامي؟

يقول الأستاذ المرشد جوابا على هذا السؤال في الصفحة 380 من كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”:»بانتهاء الحرب الباردة بين العملاقين انتهى عهد دعم الدكتاتوريات الصديقة الموالية بلا شرط. وتعلَّمَ العملاقان من زلزال أوربا الشرقية أن لا قرار لحكم استبدادي. كان سقوط الشاه درسا استوعبته أمريكا. واستوعبت أيضا أن إيران الثورة تتمتع بنظام إسلامي مستقر حُرٍّ يدعَمه الشعب. فأعداء الإسلام لم يعودوا مستعدين للتعامل مع الأنظمة الاستبدادية. لا شك أنهم سيحاولون إفشال كل محاولة لإقامة حكومة إسلامية حرة، لكنهم بعد أن يغمِزوا قناتَها ويتأكدوا من قوة بنياتها سيرجعون إلى خِطبةِ وُدّها كما نراهم يفعلـون مع إيران بعد الإمام الخميني رحمه الله«.

متى كان للقومة سند ودعم شعبي قوي وحقيقي، متى كان لها بنيان جماهيري راسخ برسوخ إيمان أصحابها وتماسكهم التنظيمي فلا خوف عليها لا من الداخل ولا من الخارج بما في ذلك أسطورة العملاق الأمريكي.

استفاد استعمار أمس الأرضي المباشر من الدرس بعد وحل الفيتنام والصومال وأفغانستان وأنغولا والكمبودج…وأيقن أن الشعوب المستضعفة قادرة على الصمود والمقاومة والانتصار وأدرك أن الاستعمار الاقتصادي أجدى وأسلم لضمان مصالحه والاحتفاظ بامتيازاته.

إنما يخشى الفشل والإفشال فيلجأ إلى أحضان الاستكبار ويتحول إلى جلاد لكل معارض حر الانقلابيون والحركات الثورية السطحية، مهما تمسحوا بمسوح الشعبية والمصداقية ومناهضة المستبدين ونصرة المستضعفين. من هنا رفضنا المطلق في الجماعة لهذين التيارين. لا مكان في مبادئنا ومنهاجنا لانقلابية مبادرة معزولة عن الشعب، ولا لثورة حماسية عنيفة سطحية جوفاء، » فمما يستخف التنظيمات الثورية شعورها بحجم عددي، يخيل إليها معه أنها قادرة على خرق السدود وتشييد الأحلام. فتدخل في مغامرة تغرقها وتغرق الشعب معها«. (المنهاج النبوي، ص292 ).

الجماعة تريد تغييرها وإصلاحها مشروعا مجتمعيا يحظى بثقة الشعب وسنده ونصرته، لا استبدال طغمة متسلطة مستبدة معزولة عن الشعب متحكمة في الأعناق والأرزاق بأخرى ربما تكون أشد استبدادا وأكثر إفسادا.

خاتمة

في الختام: إن الحديث عن التغيير والإصلاح في عالم تحكمه الهزيمة واليأس ودين الانقياد من الداخل، وقبضة الاستكبار العالمي الاقتصادية والسياسية والعسكرية من الخارج كالحديث عن تشييد القصور على الرمال.

ثقل الواقع وتحدي الخارج يجعل المتحدث في التغيير، الداعي إليه والمجاهد في سبيله كالغارق في أحلامه الوردية بالمدينة الفاضلة، مدينة الحرية والعدل والكرامة والرخاء. فهل نحلم يا فضلاء؟ هل ينشأ المولود الإسلامي من بين هذا الركام وهذه الظلمات ليعيد للأمة عزها ومجدها؟ هل تعود الربانية والربانيون إلى قيادة الأمة عدلا وإحسانا؟ هل تصبح الشورى نظاما للحكم مكان الجبرية والاستبداد؟

نعم. كل ذلك يكون إن شاء الله. وصدق الله ورسوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

كل ذلك يكون إن نحن تتلمذنا لسنة الله تعالى في ملكه آخذين بالأسباب الدينية والدنيوية في التغيير والإصلاح.

بين أيدينا الحديث الأعظم المبشر بالخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تملأ الأرض عدلا وأمنا ورخاء. وفي قلوبنا يقين راسخ بنصر الله والتمكين لحزبه. ومعنا، ولله الحمد، ثقة الشعب العريضة المتزايدة في خطابنا ودعوتنا ومبادئنا رغم كيد الكائدين وأباطيل المبطلين وتشكيك المشككين من أعداء وخصوم ومشوشين.

و الله المستعان. وهو يهدي السبيل. وهو نعم المولى ونعم النصير.

انتهى المقصود من هذا البحث. فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم. وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.