أيها الغافل في إقامته عن نقلته! الجاهل وقد ملأ بما يملي بطن صحيفته! ألك زاد لسفرك على طول مسافته؟

خَفِ الله وانظر في صحيفتك التي

حوَتْ كلما قدمته من فِعَاِلكا

فقد خطَّ فيها الكاتبان فأكثرا

ولم يبق إلا أن يقولا فَذَالِكا

فوالله ما تدري إذا ما لقيتها

أتوضع في يمناك أم في شمالكا

فلا تحسبنّ المرء يبقى مخلدا

فما الناس إلا هالك فابْكِ هالكا

يا من تُحْصَى عليه اللفظة والنظرة! مزِّقْ بيد الجِدّ أثواب الفَتْرَة، وتأهب فما تدري السير عشاء أو بكرة، واعتبر بالقرباء فالعِبْرَةُ تبعث العَبْرَةَ ، وتزود لسفرة ما مثلها سفرة، واقنع باليسير فالحساب عسير على الذرة، وإياك والحرام، وانظر من أين الكِسْرَة ؟ قبل أن تلقى ساعة حسرة، وتلقى بعدها في ظلمة حفرة.

لا يَغُرَنَّّـَّك الزمان بيسر

وسرور ولا يَرُعْكَ بعسره

إن مُرّ الزمان يمحق عسرَ المرء

في لحظة ويذهب يُسْره

وسواء إذا انقضى يوم كسرى

في نعيم ويوم صاحب كِسْرَه

يا دائم المعاصي ما غيّره الأبد! تصلي والقلب غائب إنما جاء الجسد، الفكر يجول في طلب الدنيا من بلد إلى بلد، أما يجول ذكر الموت في الخلد؟ أرأيت أحدا من قبلك خلد؟ رُبّ يوم معدود وليس في العدد، إنما الروح عارية في هذا الجسد، هذا بحر الغرور يقذف بالزبد، كم ركبه جاهل فغرق قبل البلد!

إخواني، دنا الصباح، فقولوا لمن رقد: أين الوجوه الصِّبَاح ؟ مرت على جدد، أين الظباء الملاح؟ اغتالها الأسد، هذا هو المصير أما يَرْعَوِي أحد؟ قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لأبي حازم رحمه الله: عظني، فقال: اضطجع، ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجِدَّ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن.

أيها الطالب للدنيا وما يَجِدُّ، كيف تجدُ الآخرة؟ وما تطلب ما مضى من الدنيا فحلم، وما بقي فأماني، سبعة يظلهم الله في ظله منهم: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخشى الله.

اسمع يا من أجاب عجوزا على مزبلة، ويحك! إنها سوداء ولكن قد غلبت عليك. عرضت على نبينا r بطحاء مكة ذهبا فأبى. طِرْ بجناح الجِدّ من وَكْرِ الكسل تابعا آثار الأحباب تَصِلْ.

للشريف الرضى:

تَلَفَّتُّ حتى لم يَبِنْ من ديارهم

جناب ولا من نارهن وقود

وإن التفات القلب من بعد طرفه

طوال الليالي نحوهم ليزيد

ولو قال لي الغادون: ما أنت مـشته

غداة أَجَزْنَا الرّمل؟ قلت أعود

أأصبر والوَعْثَاءُ بيني وبينهم

وأعلام خَبَتْ إنني لَجَلِيد ؟

يا مخنث العزم! أين أنت والطريق سبيل نُصِبَ فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمِيَ في النار إبراهيم الخليل، وأُضْجِعَ للذبح إسماعيل، وبِيعَ يوسف بدراهم، وذَهَبَتْ من البكاء عينُ يعقوب، ونُشِرَ بالمنشار زكرياء، وذُبِحَ الحصور يحيى، وضَنِيَ بالبلاء أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وتنغَّص في الملك عيش سليمان، وتحيَّرَ في طور سيناء موسى، وهام مع الوحوش عيسى، وعالج الفقر محمد عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام.

فيا دارهم بالحزن إن مزارها

قريب ولكن دون ذلك أهوال

أول قدم في الطريق بذل الروح. هذه الجادّة ، فأين السالك؟

بدم المحب يباع وصلهم

فمن الذي يَبْتَاعُ بالسعر