يروم هذا المقال تسليط الضوء على سياق التفجيرات التي استهدفت المغرب وكيفية المعالجة في بعديها الأمني والإعلامي. في البداية لا بد من التذكير أن الأحداث التي عرفها المغرب خلال السنوات الثلاث الأخيرة غريبة عن العقلية والطبع المغرببين، فالمغربي بطبيعته إنسان مسالم يتخلى عن حقه ولا يفكر في المطالبة، يخاف من لون الدم فكيف بمنظر تطاير الأشلاء الآدمية أمام ناظريه؛ والسؤال الذي لا يتسع صدر المسؤولين الأمنيين في بلدنا أن يطرح هو: ما الذي جعل المغرب يدخل مجال الاستهداف بمثل هذه الأعمال التخريبية؟ وإذا تجاوزنا السؤال باعتبار الجواب غدا من البديهيات، يعرفه الخاص والعام، ننتقل إلى السؤال الثاني: ما هي العقلية التي تحكمت في سبل التعاطي مع هذه الظاهرة الغريبة؟ وهنا يكمن الاستثناء المغربي، فالأعمال التخريبية استهدفت بلدانا كثيرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسبانيا ودولا عربية عديدة انتهت ببث القضاء فيها لتعود الحياة إلى طبيعتها، عكس المغرب الذي اكتشف فيه المسؤولون مادة دسمة لإلهاء الرأي العام وصرفه عن قضاياه ومعاناته اليومية، غلاء في مستوى المعيشة، بطالة، فساد إداري، نهب المال العام، و…

من حق كل متتبع أن يتساءل عن أبعاد وأهداف المعالجة الأمنية والإعلامية التي اعتمدتها الدولة المغربية، هل المقصود هو حشد المزيد من التعبئة الشعبية ضد كل ما يمكن أن يستهدف البلاد والعباد؟ هل المقصود هو البرهنة على الانخراط الجدي في محاربة الإرهاب استرضاء لقوى أجنبية؟ هل المقصود هو نشر الرعب وإبقاء البلاد في حالة من اللاستقرار أشبه بحالة طوارئ؟

لقد أبانت المعالجة الأمنية والإعلامية التي تبنتها الدولة أنها تروم تحقيق مجموعة من الأهداف؛ فعلى المستوى الداخلي تثبيت هيبة الدولة أو قل الأجهزة الأمنية التي ربما بدا لأصحابها أن نفوذهم تراجع لعوامل عديدة أمام الصوت الحقوقي والسياسي والإعلامي وبسبب ما أزكم الأنوف من روائح فسادها ولعل أبرزها تورط كبارهم في تهريب المخدرات، فجاءت الاعتقالات والمحاكمات التي تعيد للذاكرة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إذ غصت السجون والمعتقلات بمتابعين بالآلاف، اضطرت معها إدارة السجون لاعتماد مقاربة أنسنة السجون.

واغتنمت الدولة الأحداث لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتحقيق التوازن في موازين القوى بالشكل الذي يخدم مصلحة النظام السياسي، فكان حظ حزب العدالة والتنمية وافرا من الهجوم الإعلامي الممنهج جراء النتائج التي حصدها في استحقاقات 2002، ووجهت لصحافته أصابع الاتهام، بكونها تغذي ثقافة التطرف، وغدا يحاسب عن كل صغيرة قبل الكبيرة، ونهشت أحزاب اليسار جلده طويلا في مسلسل مدروس للنيل من شعبيته، مثلما استهدفت الحركة الإسلامية عموما وتحميلها وزر من يتبنى فهما متطرفا للدين، فكان الهجوم الشرس على الخطباء، لم يهدأ إلا برضوخ الوزارة الوصية واعتماد مقاربة جديدة لإصلاح الحقل الديني.

ولم يكد ينس المغاربة أحداث وآلام 16 ماي حتى استفاقوا على تفجيرات البيضاء خلال مارس2007، لتشن من جديد حرب إعلامية ضروس على الإسلام والحركة الإسلامية لاسيما والانتخابات على الأبواب وأغلب استطلاعات الرأي الدولية والمحلية ترجح كفة العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، حتى من خلال التركيز على بعض المظاهر الغريبة لأتباع الفكر السلفي لباسا وفهما ومواقف تنكيتا على الإسلام وسخرية من منافس سياسي طارئ، ولم يشفع لجماعة العدل والإحسان نبذها للعنف والتطرف فكرا وسلوكا وخطابا لينالها ولو بشكل غير مباشر ما ينال الآخرين اعتمادا لمقولة “ليس في القنافذ أملس”.

وبعد ثلاثة أشهر من مارس 2007 تعلن من جديد حالة الاستنفار القصوى في البلاد بناء على معلومات استخباراتية محلية ودولية مفادها أن المغرب سيعرف صيفا ساخنا، فكان أن فرض طوق أمني على مداخل المدن، وفي المواقع الحساسة تحسبا لأي اعتداء أو عمل تخريبي. وعلى عكس المتوقع هز التفجير أسوار القلعة الإسماعيلية، وبقدر ما كان الحدث مفاجئا لأنه استهدف مكانا حساسا يتوافد عليه السياح الأجانب، جاء الحدث مربكا بالنظر إلى منفذه الذي لم يكن هذه المرة ينحدر من دوار السكويلة، وما أكثر دواوير السكويلة في بلدنا الحبيب. المنفذ هذه المرة مهندس في مقتبل العمر، من أسرة ميسورة لا يوجد أي مبرر لما أقدم عليه في قاموس أكاديميي المخزن الذين وجهوا بوصلة تحليلهم نحو الإسلام العدو الأخضر كما يقول فيلسوفهم، ولأن عمليات التفسير والإسقاطات السابقة قد استنفذت أغراضها كان لابد من اختيار طرف جديد يناله وبشكل مباشر ما نال غيره، انسجاما مع طبيعة المرحلة وحساسيتها، فالانتخابات على الأبواب، وإذا كانت أحد أهداف العمليات التخريبية حسب قراءة الدولة هو عرقلة الانتخابات والتشويش على الانتقال الديمقراطي الذي اختاره المغرب، وحيث إن جميع القوى السياسية قد قبلت الانخراط في اللعبة ما عدا النهج الديمقراطي وجماعة العدل والإحسان ذات المرجعية الإسلامية، كان لزاما على الدولة أن تحمل جماعة العدل والإحسان مسؤولية تفجير مكناس، زاعمة أن المنفذ كان من أعضائها، موظفة في ذلك مؤسسات وأجهزة عمومية لمغالطة الرأي العام الوطني، وإلا لماذا لم يصرح المنفذ بانتمائه إلى الجماعة بعيد القبض عليه؟

إن المخزن بهذا السلوك يكشف عن حقيقة نواياه في التعامل مع المعارضين السياسيين، وأنه لن يذخر جهدا للنيل منهم ولو بالافتراء والتلفيق، والأدهى من ذلك هو توظيفه لأجهزة عمومية من قبيل الإعلام المرئي لتضليل الشعب وتشويه صورة الخصوم السياسيين، في وقت يعتبر الخبر والمعلومة الصحيحة حقا من حقوق المواطنين، حق المواطن في أن يعرف حقيقة ما جرى وكيف ولماذا؟

إن ما يؤسف له حقيقة هو أن المسؤولين يعيدون البلاد إلى مراحل بناء الدولة وكأننا حديثي العهد بالاستقلال، ويفوتون على الشعب فرصا عديدة للتنمية وما نموذج جنوب إفريقيا وموريتانيا عنا ببعيد، أليس من الحكمة أن تدخل البلاد في متاهة البحث عن الأمن والاستقرار، وغيرنا يحرق المراحل للالتحاق بركب التنمية والتقدم؟ أليس من الأجدى أن نصرف الجهود ونعبئ الطاقات لمحاربة الفقر والمرض والبطالة والأمية والفساد، ونعلن حالة الاستنفار القصوى الحقيقية ضد العابثين بمصالح العباد والبلاد؟