تقديم

لا يختلف اثنان حول ما تعيشه البلاد من أزمة خانقة شاملة مما يجعل الكل، أحزابا ونقابات وجمعيات وهيئات… يجمعون على ضرورة التغيير والإصلاح. إنما الاختلاف في طبيعة هذا التغيير ومداخله وأساليبه. مداخله وأساليبه تكون تبعا لطبيعته وتبعا لعاملي الفهم والإرادة المتحكمة في تناوله.

يحتل التغيير والإصلاح في فكر جماعة العدل والإحسان وعملها موقعا مهما، بل مصيريا. تغيير يبدأ أول ما يبدأ بتغيير ذاتي، بتغيير ما بأنفسنا، على منهاج نبينا صلوات الله وسلامه عليه، حتى يغير الله تعالى ما بأنفسنا فرادى وجماعة وأمة كما دلت ودعت إلى ذلك الآية الكريمة: »إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم«.، سورة الرعد، الآية 13.

تبدأ رسالة الإسلام للعالم بتغيير الإنسان قلبا وعقلا وروحا حتى يقيم الوجه خالصا لله تعالى لينهض بعد ذلك للتبليغ الأعظم: عدلا بإخراج العباد من جور الأديان إلى عدل الإسلام. و إسلاما ثم إيمانا فإحسانا بإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

نكتب عن التغيير والإصلاح وكلنا يقين في كلمة الله عز وجل وثقة في موعود رسول الله صلى الله عليه و سلم.

نكتب عن التغيير والإصلاح وكلنا عزم على تحقيق أمر الله تعالى في الأرض ورجاء في الكريم جل جلاله أن يمن علينا باليد الطولى فيه.

منارنا في ذلك البشرى النبوية الصادقة، بشرى الخلافة الراشدة الثانية القادمة على منهاج النبوة، الواردة في الحديث الذي رواه الإمام أحمد رضي الله عنه بسند صحيح… بعد كل هذا الظلم والاستبداد، والفساد والإفساد.

نكتب عن التغيير والإصلاح في زمن افتضاح وخزي دعاة التغيير والإصلاح، من ليبراليين واشتراكيين وقوميين. افتضاح وخزي كان السبب وكان له الأثر العميق في يأس الشعوب المسلمة من دعوات التغيير والإصلاح ودعاته.

ولئن كان قلب كل غيور على شرف ومصلحة ومستقبل بلاده يدمي لهذه الأوضاع وما اقترفته هذه الأيادي الآثمة من فساد وإفساد في البلاد والعباد، فإنها بمنطق السياسة ورقة رابحة في يد دعاة الحق من أبناء الحركة الإسلامية، أمل الشعوب وملاذها الوحيد بعدما خنس من كان يملأ الدنيا صراخا وعويلا بالتغيير والإصلاح، وتمخزن من كان يصيح في وجه المخزن بالويل والثبور وعجائب الأمور. بعدما هلك من هلك عن بينة عدلا من الله تعالى وحكمة وعبرة لمّا حدّثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا… لما حادوا عن نهجه القويم في طلب التغيير والإصلاح، معرضين عن المسجد الحرام، مولين وجوههم شطر أمريكا وروسيا مشعلي ومؤججي الحروب، أعداء الله، أعداء الدين وأعداء الشعوب “أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا” سورة النساء، الآية 138. »من كان يريد العزة فلله العزة جميعا«، سورة فاطر، الآية 10.

لنلق السمع إلى صوت أصيل من أصوات التجديد والتغيير والبشارة في الأمة، صوت جماعة العدل والإحسان. فما هي مداخل التغيير في تصور هذه الجماعة؟ وما هي أساليبه؟

1ــ مداخل التغيير

لعملية التغيير والإصلاح في تصور الجماعة مدخلان أساسيان: مدخل تربوي أخلاقي هو اللب والأساس وصمام الأمان. ومدخل سياسي أساسي ضروري لابد منه. مدخلان ثابتان دائمان في آن الدعوة ومستقبلها، علما وعملا، وتنظيرا وتنزيلا، وفهما وتشربا. يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في الصفحة 413 من كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” وهو يتحدث عن التنمية والبناء: »الباعث الإيماني سابق في الاعتبار، ثم استقرار الحكم على الشورى… «.

أ ـ المدخل التربوي الأخلاقي:

إذا كان الآخر، يمينيا كان أو يساريا، يرى في الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي العامل الوحيد والأوحد في التنمية والتغيير والإصلاح، فإن الجماعة ترى أساس التغيير في تغيير الإنسان ذاته، فلا تغيير دون تغيير يحدث في قلب الإنسان وعقله وإرادته. فبتغيير هذه المناحي الثلاثة وإصلاحها يتغير الإنسان ويصلح، فيصلح المجتمع وتصلح الأمة. هكذا أصلح الرسول صلى الله عليه وسلّم فساد المجتمع الجاهلي وغيره من مجتمع الجهل والظلم والاستبداد والتخلف والكراهية والذل إلى مجتمع العلم والعدل والعزة والقوة والأخوة. ربى جيل الصحابة الكرام على الإيمان والتقوى والنظام والانتظام والجهاد والبذل. غيّر صلى الله عليه وسلم داخلهم وحوافزهم وبواعثهم وعلّق عقولهم وقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم بالله تعالى وطلب وجهه ورضاه، فتحولوا إلى طاقات فريدة في الرحمة والأخوة والمحبة والتعبئة والبناء والتشييد، فنالوا بذلك عز الدنيا وشرف الآخرة، عدلا وإحسانا. وهذه هي بغية المنهاج النبوي وغايته.

إن عملية الإصلاح والتغيير والبناء في تاريخ الأمة ترتبط ارتباطا وثيقا بصلاح قلوب العباد قادة ورعية، فكلما كانت القلوب مرتبطة بالله تعالى كلما كان الفتح وكان النصر وكانت العزة. وكلما كانت بعيدة منه مقطوعة عنه كلما حلت بها الهزيمة والمصائب والنكسات. يقول الأستاذ المرشد » يرتبط فقه سنة الله في التاريخ بفقه القلوب ارتباطا عضويا. وفي قول الله عز وجل: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” إجمال لهذا الفقه المزدوج يأتي تفصيله وعرضه في آيات عديدة وأحاديث.

جماع الداء فتنة القلوب ومرضها وصممها انغلاقها قسوتها. وجماع العلاج شرحها بالإسلام وإلانتها بالإيمان واطمئنانها بذكر الله.« كتاب “سنة الله”، ص47.

“القلب” في الفكر المنهاجي التغييري هو مناط التغيير، هو المفتاح والمحرك. وعلى قدر صلاحه يكون صلاح الأمة. لذلك، فحين يطلب المنهاج النبوي هذا القلب لعمارته بالإيمان وبذكر الله تعالى وخشيته ومحبته والشوق إلى لقائه لبناء الشخصية الإحسانية الجهادية وإعادة الربانية والربانيين إلى قيادة الأمة والنهوض بها… حين يطلب المنهاج النبوي عمق الإنسان وجوهره يطلب الماديون السطحيون، رواد الوعي التاريخي الحاذقون العلميون بزعمهم، التجليات الأرضية المادية الفاسدة بفساد القلوب المحشوة كفرا ونفاقا وظلما واستكبارا وأنانية وترفا… لتغييرها من إمبريالية فاحشة واستغلال وطبقية مؤججة للصراع الطبقي وتناقض قوى المجتمع، محليا وعالميا. يقول المرشد منتقدا هذه النظرة الضيقة السطحية في معالجة قضية الاستكبار(الطبقية(: »التحليل الماركسي المبني على جدلية الصراع الطبقي، المتحرك في نظرهم حسب تطور نظام الإنتاج، لا يعطي النظرة الشمولية لقضية الاستكبار في الأرض لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار إلا الجانب المادي لحياة المجتمعات البشرية، ولا يهتدي لعامل الأخلاق والدين ولقاء المصالح الطبقية المادية بكل ما ينسي الإنسان كرامته الفطرية، وحقه الإلهي في الحرية والعدل والأمن، و يحرمه منها«. “المنهاج النبوي”، ص315.

وما الحديث القوي والملح حاليا عن ضرورة تخليق الحياة العامة والحياة السياسية كشرط أساسي من شروط الإصلاح والتغيير إلا تأكيد لهذا المعنى، ورجوع محتشم إلى نظرية الإسلام التربوية الأخلاقية في البناء والتغيير. بل إن من خبروا أزمة الفكر المادي ووقفوا على ثغراته ومكامن عيوبه من أمثال الزعيم جورباتشوف لا يتحرجون من ذكر وزن وقيمة هذا العامل الأخلاقي والدعوة بصريح العبارة إلى الرجوع إليه، مستعملا في ذلك كلمات طالما نعتتها الماركسية “العلمية” بـ “الرجعية” و”الماضوية” و”الخرافية” و”الطوباوية” و”السطحية” و”الظلامية” من مثل: “أخلاق” و”إحسان” و”شر” و”ظلم”!!. ننقل خطاب زعيم الاتحادَ السوفياتي البائد جورباتشوف ليوم 6 ينـاير 1989 أمام شخصيات علمية ثقافية نقلا عن كتاب “العدل” للأستاذ عبد السلام ياسين، قال: “إن جمعية الإحسان إلى الضعفاء أسِّست منذ أقل من عام. لكن كانت لنا قبل ذلك إمكانيَّة الاقتناع بأننا مشتاقون للتعاطف، وأننا ملَلْنا العيش في جو عقيم يسوده عدم الاكتراث والقسـوةُ والأنانيةُ والكبرياءُ. اجتمعتْ طوائف من الناس لهم رغبة في تأسيس جمعيات إحسانية في كل المدن الكبرى في الاتحاد السوفياتي. لا نتحدث إلا قليلا عن هذه المبادرات، ولا نريد أن نقول عنها الكثير لأنها حركة فاضلة جدا ولا تحب الإشهار”.

… ليست هذه المبادرات اندفاعا أخلاقيا محضا، لكنها ظاهرة اجتماعية مهمة جدا في زماننا وفي مجتمعنا المعاصر الذي يحتاج إلى قدْر كبير من لطافة الأخلاق. ونقصا في مجال الإحسان يكشف عن هذه الحاجة. لقد تراكم كثير من الشر والظلم، وإن حالة الصراع الدائم العام في كل شيء ومن أجل كل شيء، هذا الصراع في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات، يعرض أخلاق الناس للتلف«.

رجوع اضطراري انهزامي في صفوف النخب المادية السياسية، صريح عاقل إرادي في أوساط القواعد الشعبية تؤكده بجلاء هذه العودة العريضة المباركة إلى التدين والالتزام بشرع الله عز وجل بعد سنين طويلة من الهدم والمسخ.

هذا المدخل التربوي الأخلاقي نجد معالمه الكبرى في الصفحة 24 من نفس الكتاب. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين »العلاج النبوي لهذا الفساد نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب. من حديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.

صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المومنين. وصلاح القلوب يكون بالتربية. وللتربية أصول وقواعد من كتاب الله وسنة رسوله. حفظها وحافظ عليها القوم رضي الله عنهم، واجتهدوا واجتهادهم فرع. ونحن، وإن استدللنا في طفولتنا بالفرع على وجود الأصل واقتبسنا والتمسنا نورا من الفروع، لا نبتغي بالأصل بدلا«.

نجمل هذه المعالم في:

ــ صلاح الفرد بصلاح قلبه.

ــ بصلاح قلوب الأفراد يكون صلاح المجتمع وصلاح الأمة.

ــ صلاح القلوب يكون بالتربية الإيمانية.

ــ هذه التربية شرعية، لها أصولها وقواعدها في الكتاب والسنة.

ــ ولها رجالها الذين تلقوها من الرسول صلى الله عليه وسلم واجتهدوا فيها.

عناصر التربية ولوازمها بناء على هذه المعالم هي:

1ـ مصدر التربية )وهو الكتاب والسنة(.

2ـ رجال التربية أو المربون المصحوبون )وهم الوارثون بالتلقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صحبه(.

3ـ مادة التربية )وهي القلب(.

4ـ آلة التربية )وهي الذكر(.

هذا المدخل التربوي الأخلاقي، أو بالاصطلاح المنهاجي “التربية المنهاجية” هو قطب رحى الفكر المنهاجي، لذلك يعرضه المرشد الحبيب في كل كتبه، وبالأخص وبتفصيل أوسع في كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” و”تنوير المومنات” و”الإحسان” ليعرف الخاص منا والعام طريق التربية النبوية وأساليب الترقي في مدارج الإيمان، ابتداء بتوفيق الله عز وجل للعبد لصحبة ولي مرشد في جماعة تحضنه وتتعهد إيمانه وسلوكه إلى الله تعالى إلى أن يبلغ رشده الإيماني الذي يؤهله لحمل وتبليغ الرسالة المحمدية الخالدة.

هذه التربية المنهاجية لها شروطها ولها خصائصها ولها مستوياتها. وهي تطلب:

ــ قلب المؤمن لترقيه في مراتب الإيمان من إسلام إلى إيمان إلى إحسان بالذكر، خاصة الإكثار من الكلمة الطيبة: “لا إله إلا الله”.

ــ وعقله ووجدانه ليتسعا بالخصال العشر وشعب الإيمان للفهم السليم والعلم الكلي النافع.

ــ وإرادته وهمته لتقويها وترفعها حتى يكون حاضرا مع الشعب، قويا مجاهدا مشاركا منفذا لمهمات الجهاد، منظما ضابطا لحركة الزحف.

ب ـ المدخل السياسي:

المدخل الثاني للتغيير والإصلاح هو المدخل السياسي وهو ضروري ومكمل للأول ومتمم له. ولئن كان الأول هو اللب والأساس، فإنه لا إمكانية للتغيير والإصلاح دون إصلاح سياسي شامل. والمدخل الأساسي لهذا التغيير السياسي هو الإصلاح الدستوري باعتبار الدستور هو القانون الأساسي الذي ينظم العلاقة بين الحكام والمحكومين وبين المحكومين فيما بينهم. يقول الأستاذ فتح الله أرسلان في حوار صحفي لـ” أقلام أون لاين”، 14 مارس 2003: »نرى أن الشروط الأساسية لتحقيق هذا الانتقال )الانتقال الديمقراطي( هو إعادة النظر في الدستور، شكلا، وذلك بالقطع مع الدساتير الممنوحة، ومضمونا، في اتجاه فصل السلط، بالمحاسبة وسيادة القانون«.

فمادام الدستور المغربي على شكله ومضمونه الحالي فلا إصلاح ولا تغيير نحو الأفضل يرجى. وهذا ما يفسر فشل الليبراليين ومن بعدهم الاشتراكيين في الإصلاح وإنقاذ البلاد من التبعية والتخلف، والشعب من الاستبداد والظلم والفقر والجهل والبطالة. وهذا ما يفسر كذلك رفض الجماعة الانخراط في مؤسسات المخزن السياسية وما يرتبط بها من عمل حزبي ومشاركة في الانتخابات وفي الحكومة… وهذا ما يضع أكثر من علامة استفهام وتعجب على دعاة الإصلاح من الداخل بالانخراط في لعبة المخزن ومؤسساته السياسية الصورية المفخخة.

ومن أجل بعض التوضيح فقط نذكر بعض فصول هذا الدستور لنرى بوضوح الضرورة الملحة لتغييره ونقف على أحقية الجماعة وإصابتها في رفضه:

* الفصل23: شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته.

* الفصل28: للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش.

* الفصل71: للملك بعد استشارة رئيسي مجلسي البرلمان ورئيس المجلس الدستوري وتوجيه خطاب للأمة أن يحل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير شريف.

* الفصل24: يعين الملك الوزير الأول ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول وله أن يعفيهم من مهامهم ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها.

* الفصل84: يعين الملك القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء.

* الفصل86: يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء ويتألف هذا المجلس بالإضافة إلى رئيسه من:

ــ وزير العدل نائبا للرئيس؛

ــ الرئيس الأول للمجلس الأعلى

ــ الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى؛

ــ رئيس الغرفة الأولى في المجلس الأعلى؛

ــ ممثلين اثنين لقضاة محاكم الاستئناف ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم؛

ــ أربعة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم.

علاوة على ذلك فالملك هو الذي يرأس مجلس الوزراء ــ لا ننس أن السادة الوزراء أعضاء هذا المجلس الموقر مرضي عنهم ومعينون من طرف الملك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ــ ولا يمكن للوزير الأول أن يودع أي مشروع قانون بمكتب أي من مجلسي البرلمان قبل المداولة في شأنه بهذا المجلس. ولا يخفى على أحد القضايا الكبرى والمصيرية التي تدخل في اختصاصات هذا المجلس الرازح بدوره تحت إمرة الملك، ومن بينها:

ــ القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة.

ــ الإعلان عن حالة الحصار.

ــ إشهار الحرب.

ــ مشروع مراجعة الدستور.

ــ مشاريع القوانين قبل إيداعها بمكتب أي من مجلسي البرلمان…

الخلاصات الممكن استنتاجها من خلال هذه الفصول هي:

1ـ الملك يمسك بقبضة من حديد السلطة. وسلطته مطلقة تعلو فوق الدستور وتسمو عليه.

2ـ المؤسسة الملكية تحتكر كل السلط، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبجميع الصلاحيات. ولها أكثر من ذلك أن تلغيها وتحلها متى شاءت وبدون قيد.

3ـ السلط الثلاث ما هي إلا سلط شكلية صورية، لا وظائف حقيقية لها ولا صلاحيات.

والخلاصة الكبرى هي أننا في ظل “دستور سلطاني”، بتعبير المرشد عبد السلام ياسين، »حيث كلمة الملك وتوجيهه قانون لا يناقش« )كتاب العدل، ص522)، وفي ظل نظام شمولي استبدادي حقيقة وممارسة، وحديث ديمقراطي شكلا وصورة، يستحيل معه الحديث عن أي ممارسة سياسية حقيقية بما فيها المشاركة الانتخابية، ويستحيل معه أي إصلاح فعلي وأي بناء وأية تنمية، اللهم إن تعلق الأمر بالتغيير إلى أسوء الذي يؤكده الواقع ودعاوى الإصلاح الزائفة التي يلوّح بها المخزن ليل نهار بدون أدنى حرج أو حياء، ويحسبون أنهم على شيء وأنهم يحسنون صنعا.

وصدق من قال وتركها شهادة أمينة لله وللتاريخ، في سجل المخزن الأسود القاتم: “اطلعت على الدستور المغربي فلم أجد إلا الملك!!”

بناء على كل هذه العلل وهذه النواقص المكرسة للاستبداد تطالب الجماعة، على غرار مجموعة من الفضلاء، بتغيير هذا الدستور الممنوح وإقرار دستور شعبي عادل تقوم بإعداده جمعية تأسيسية تمثل جميع التوجهات الفكرية والسياسية ويشارك فيها جميع الفضلاء من مفكرين وسياسيين وأحزاب نقابات وجمعيات وهيئات حقوقية… وتعرضه بعد ذلك على الشعب ليقول فيه كلمته في استفتاء شعبي عام.

هذه المطالبة تدعو إليها الجماعة في إطار المبادرة الإصلاحية التغييرية الكبرى وهي مشروع الميثاق الذي يشكل رابع ثابت من ثوابت خطها السياسي: لا للسرية، لا للعنف، لا للتعامل مع الخارج، ضرورة الحوار والاجتماع على ميثاق وطني جامع.

لماذا الدعوة إلى الميثاق والتأكيد على ضرورته؟

إن ثقل الفساد والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا يمكن أن يتصدى لحلها حزب بمفرده أو جماعة بمفردها ومن يتصور ذلك فهو واهم مغرور. والاستبداد القائم لا يمكن معالجته باستبداد آخر من خلال انفراد هذا الحزب أو ذاك أو هذه الجماعة أو تلك بفرض مبادئها وشروطها في التغيير والإصلاح على الشعب.

لا بد إذن من جلوس كل الفضلاء، أحزابا وجماعات وجمعيات ونقابات وهيئات ومفكرين وسياسيين… لحوار وطني شامل من أجل صياغة عهد تسطر فيه المبادئ والقوانين العامة وتناقش فيه كل المشاكل القائمة والحلول الممكنة والخطوات العلمية العملية للتغيير والإصلاح. وعلى رأٍس هذه العهود وهذه القوانين مشروع دستور شعبي تعاقدي. بذلك تطوى صفحة الظلم والفساد والإفساد الناتجة أساسا عن الحكم الشمولي والاستبداد ويفتح عهد جديد، عهد العدالة والكرامة والحرية والقانون. بذلك يصبح الميثاق هو المرجعية الرئيسة في تنظيم مؤسسات الدولة والحكم. آنذاك، تصبح الممارسة السياسية بكافة مستوياتها فعلية وذات مصداقية. تصبح التعددية الحزبية والمعارضة حقيقية وذات معنى. وتصبح المشاركة في الانتخابات واجبة بل مصيرية لمن يحمل مشروعا مجتمعيا جامعا.