حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني، وهو من ضحايا القمع المجاني، فقال: لما اشتدت حرارة الصيف في هذا العامْ، فكرت كبقية خلق الله في مكان مريح للإستجمامْ، ولأن سرقة المال الخاص والعامْ، لم تبقي لنا نحن أولاد الشعب المغدورْ، ما به نتجول في المدن و”ندورْ”، قررت تحت ضغط الزوجة والولد المقهورْ، الإصطياف في أقرب شاطئ من المدينهْ، وهكذا جمعت عدتي ولملمت ريالاتي الثمينهْ، وتوجهت رفقة الأسرة المليئة بالجراح الثخينهْ، نحو شاطئ العاصمة الرباطْ، فما إن وصلت إليه بعد الجهد والتكليف والمناطْ، حتى جلدت بأبشع وأشد وأغلظ سياطْ، فشاطئ العاصمة واحسرتاهْ، يشكو سوء حظه إلى مولاهْ، وينعى انتزاع الحشمة من الأجساد والأفواهْ، فلا رماله بقيت كباقي الرمالْ، ولا مياهه يستمتع بها النساء والرجالْ، ولكن كل ما ترى وتسمع يبعدك عن جميل الخصالْ، وما رأيت هناك إلا أجساد انسلخت عن ثيابهَا، ونساء كشفت كل واحدة منهن عما بين جيدها وكعابهَا، وأخلاقا ضاعت بين شيب أمة وشبابها، وما سمعت هناك إلا صخرا يئن من كثرة ما يكسوه من الفسادْ، ويشكو إلى رب الأرباب والعبادْ، مجون المصطافين وانبطاح المخزن الجلادْ، فلما رأيت الرذيلة هناك منتشرَهْ، ولما رأيت الحرة هناك غير مستترَهْ، ولما سمعت بأن السلطة بما يجري هناك مفتخرَهْ، عدت أدراجي إلى بيتي حزينا كئيبَا، وكبرت أربعا على شعب أصبحت فيه الحشمة أمرا عجيبَا، وترحمت على زمن كان فيه الفاروق على الحياء مسؤولا ورقيبَا، وقررت في قرارة نفسي المتضررة من توالي سنوات الجفافْ، عدم التفكير مرة أخرى في الإستجمام أو الإصطيافْ، حتى إذا وصلت ودخلت داري المنعدمة الأوصافْ، أغلقت بابها بسرعة سهم الرمايهْ، واتجهت صوب خِلّي ابن أبي الرعايهْ، صاحب الألف حكاية وحكايهْ، فقصصت عليه ما كان من أمرِي، وطلبت منه بعد الاعتذار له عن قلة صبرِي، أن يسليني بحكاية من حكاياته المليئة بالعزة والفخرِ، فقال بعدما أخذ رأي الحاضرينْ، وجمع أصوات الجالسينْ، واحتسب عدد المخالفينْ: “الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواهْ، الحمد لله عدد الحروف التي تخرج من الأفواهْ، الحمد لله ولا حمد ولا شكر إلا للهْ، … أما بعد فيا أيها الرفاق والإخوانْ، لا يسعني أمام ما أنبأني به مفجوع الزمانْ، إلا أن أقول والله المستعانْ، رحمك الله يا مخيمات العدل والإحسانْ، فقد كنت رحمة للمؤمنات والمؤمنين، وكنت جنة للتائهين والمحرومينْ، وكنت مدرسة للطلبة والتلاميذ والباحثينْ، … رحمك الله رحمة شاسعة واسعهْ، ولمن يطرح حولك وعنك الأسئلة الجامعة الساطعهْ، أقول في كلمات بيضاء ناصعهْ، هي مخيمات كانت تنظم من قبل جماعة العدل والإحسانْ، يتوافد عليها الرجال والنساء والصبيانْ، ويتشوق لحضورها كل لبيب عدنانْ، لأنها كانت تعتبر من أفضل قبلات الاستجمام في المغربْ، بشهادة من ينصف ومن في الشهادة يكذبْ، ولأنها مخيمات إلى الله لا إلى غيره تقربْ، أحبها الخواص والعوامْ، وتزايد الوافدون عليها مع مرور الأيام، وتحدثت عنها بالخير كل وسائل الإعلامْ، وما أحبوها إلا لما فيها من فوائدْ، فهي على الرغم من كونها محطة استجمام للوافدْ، كانت تعتبر حسب رأي المتتبع والناقدْ، مدرسة من أعظم المدارس التربوية النقيَّهْ، فهي كانت تفصل في وحداتها الإصطيافيهْ، بين الفئات الذكورية والفئات الأنثويهْ، درءا لما قد يؤدي إليه خطر الإختلاطْ، وابتعادا عن الفتنة المنبوذة بالشرع والتكليف والمناطْ، وتترك المجال رحبا لهما من غير اختلاط في أي نشاطْ، فكان للنساء جانب من الشط والبحرْ، وكان للرجال من مختلف العمرْ، جانب آخر يستمتعون فيه بكل اعتزاز وفخرْ، وفي كل جانب من الجوانب المذكورهْ، كان الوقت ينظم ويستغل بطرق سليمة مشهورهْ، ويقسم إلى حصص كانت ورب الكعبة مأجورة مبرورهْ، فحصة تخصص لقراءة القرآن العظيمْ، وحصة تخصص لذكر الرحمان الرحيمْ، وحصة تخصص للصلاة على النبي الكريمْ، وحصص تخصص لركوب الموج واللعب المباح والإستمتاعْ، وحصص تتدارس فيها العلوم المتفق عليها بالإجماعْ، وحصص تكون الفرد كي لا يطاله التضييع والضياعْ، وحصص وحصص وحصصْ، كانت بالخير من الخير للخير تقتنصْ، ولا مجال هناك لتضييع الفرصْ، فاكتشفت بفضل الله من داخل هذه المخيماتْ، عدة مواهب وعدة طاقاتْ، وتخرج منها ومن غير مزايدات أو مجاملاتْ، الشاب الباحث المفكرْ، والفنان القدير المقتدرْ، والممرض الرحيم المتنورْ، والشابة النقية العفيفهْ، والأخت الصادقة القانتة النظيفهْ، والأم الطاهرة المجاهدة الشريفهْ، … ولأنها كانت تقدم لنا مثل هكذا أجيالْ، وتنتج للمجتمع الرجال لا أشباه الرجالْ، قامت سلطات التضييق والحصار والقيود والأغلالْ، بمحاربة هذه المخيماتْ، والزج بالمنظمين لها والمنظماتْ، في سجون باليات خاوياتْ، فأحرقت بنار غيظها مخيم السعادهْ، وهو الذي ما عرف قط غير السعادهْ، وما ذاق إلا ألوان الإفادة والإستفادهْ، وهاجمت بكل وسائل الأدغال والغابهْ، مخيما ما اقتربت منه البتة السآمة والكآبهْ، إسمه مخيم “بو غابهْ”، وحركت قواها في غفلة الشعب النائمْ، لتقضي في زمن الجلاد والنائمْ، على ما لمخيم “بونعايم” من عوالمْ، ومخيمات ومخيمات ومخيماتْ، أحرقتها أغبى السلطات المكروهاتْ، من غير ذنب لها أو معصياتْ، لتعلن بعد ذلك عن حالات الطوارئْ، ولتسمي معركتها الخاسرة آنذاك بحرب الشواطئْ، وهي حرب يا أحباب الهجرة السرية عبر الموانئْ، شنت على كل منتسب لجماعة العدل والإحسانْ، ومنعته من الاستجمام في الشواطئ والجبال وبين ضفاف الوديانْ، وحرمته من الصلاة على رمال وتربة الواحد الديانْ، وكلكم يتذكر كيف أصبح وزير الداخلية آنذاك، مفتيا في الدين باسم أحزاب الخراب والهلاكْ، فقد أفتى وهو العالم النِّحرير بملفات الزور وشهادة الأفاكْ، بحرمة الصلاة في الشواطئ القريبة من البحارْ، وأصدر ألف مرسوم وألف ألف قرارْ، ووزعها على كل إمام مسجد محتارْ، ليوافقوه على فريته وهواهْ، وليفتوا بما لم يأتي به اللهْ، وليعززوا رأيه في حرمة الاستجمام وجواز تكميم الأفواهْ، وليخوفوا الناس في منابرهم من أولي اللحي وذوات الحجابْ، بحجة أنهم يسعون لاستقطاب الشيب والشبابْ، والزج بهم في تنظيم ثورة أو انقلابْ، … وينقلب السحر على الساحرْ، وتنظم جماعة العدل والإحسان للمواطن الصابرْ، رباطات صيفية تقربه من الإله الباطن الظاهرْ، ويقبل عليها بسعة الصدرْ، ويدعو لها بالتمكين والنصرْ، ويدعو على أعدائها من حماة الغدرْ، ممن منعوه من الاستجمام المفيدْ، وحالوا دون استفادته من رباطات البناء الفريدْ، بيوم عصيب شديدْ، يكون عبرة لمن يأتي بعدهم من جبار وشيطان مريدْ”.

قال المفجوع: قلت لابن أبي الرعايهْ، بعدما انتهى من هذه الحكايهْ، وسلط الضوء على أساليب سلطة غبية للغايهْ، … ألا ترى معي أن المواطن المسكينْ، يقضي لياليه منتظرا بفارغ الصبر الثمينْ، عطلة الصيف الحار الحزينْ، ليرتاح قليلا من عمل عام مضنِي، حتى إذا فكر وهو الضحية والجاني والمجنِي، في استجمام بحري لتعبه ينسي ويفنِي، لا يجد مبتغاه ولو بشق الأنفسْ، لأنه يريد استجماما لأخلاقه وهويته يحرسْ، لا استجماما يمزق عرضه ودينه بالأنياب والأضرُسْ، فهو أينما ولى وجهه قبل الشواطئ الجميلهْ، لا يلفي إلا الأجساد العارية تبحث عن الرذيلهْ، ولا يجد إلا الفسق يمحو آثار الفضيلهْ، ومثل هذه المخيمات التي ذكرت قبل قليلْ، جميلة تشفي الغليلْ، وهنا أستغرب كما يستغرب معي الجمع الغفير لا القليلْ، لماذا تقوم السلطات بمنعهَا، ولماذا تسعى جاهدة لقمعهَا، ولماذا لا تقوم هي بتنظيم جمعهَا، وهل ستبقى الشواطئ هكذا عرضة للضياع المريعْ، تنهب رمالها بصفقات الخسران الفظيعْ، ويشهد صخرها ما يعتبر تعديا على حدود الله العليم السميعْ،؟؟؟ فقال: “يا مفجوع الزمان الجوعاني، إنك لا تدري أنك محكوم من طرف أغبى مخزن في زماني، وإليك هذه الكلمات فافهم ما وراء المعاني، إن السلطة المغربية التي لصوت الحق تقمعْ، لو لم تدرك أن مخيمات العدل والإحسان للخير تجمعْ، ولمنزلة وكرامة وبشرية الإنسان ترفعْ، لما أحرقتها أيما إحراقْ، ولو لم تتبين أيها الإخوة الرفاقْ، أن تلك المخيمات كانت بحق مدرسة للأخلاقْ، لما قامت بمنع تنظيمِهَا، ولما أسرعت في دراستها وتقييمِهَا، ولما أحبطت محاولات تقويمهَا، وهي تعلم علم الإدراك واليقينْ، أن مثل هذه المخيمات الملتزمة بالدينْ، يعتبر خطرا عليها في المستقبل الثمينْ، فهي لا تريد مصطافا يذكر الله في الشواطئْ، ولا تريد مستجما ينعم بهدوء وجو دافئْ، بل تريد للمصطاف والمستجم في زمن الطوارئْ، أن يبحث عن الجنس واللذة الحرام لا عن الحقيقهْ، وأن يبحث عن العشيقة لا عن السنة والطريقهْ، وأن ينهج درب الغرب لا درب السلف في الإستجمامات الرقيقهْ، فمصطاف تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة والسكينهْ، يستجم وهو يستفيد من الأفكار والدروس العظيمة الثمينهْ، ليعود إلى داره وهو عازم على تطبيق الفرائض والسنن المسنونهْ، مصطاف غير مرغوب فيه عند السلطهْ، لذلك تراها في كل صيف وفي كل لقطهْ، وعند كل شاطئ وعند كل نقطهْ، تكثر من تنظيم مهرجانات الفساد والإفسادْ، وتلهي المصطافين والمستجمين وباقي العبادْ، بأغاني الخاسرين من قوم لوط وعادْ، والهدف والمراد من ذلك والغاية واحدهْ، إنتاج أجيال بعزم فاتر وهمة راقدهْ، وخلق أمة إلى الهاوية لا منها صاعدهْ، لتفعل ما يحلو لها بالرقابْ، ولتتمكن من بسط نفوذها على خيرات الشيب والشبابْ، لكن والحمد لله الملك الوهابْ، الشعب يقظ حساس غير مغفلْ، وإن نام أو غفل فاستيقاظه سرعان ما يتعجلْ، لذلك تراه وهو صاحب الفصل في الأخير وفي الأولْ، يترك ما تقدمه له السلطة من مهرجاناتْ، ويضحك على ما تلوكه له من وعود وشعاراتْ، ويقبل على ما تنظمه العدل والإحسان من ملتقيات ورباطاتْ، … وحتى لا نكون النغمة النشاز في هذا الشعب الرائعْ، أقولها لكم هاهنا بلسان الحق الساطعْ، ولا خوف علي من ردع رادع أو قمع قامعْ، عليكم وعلينا برباطات العدل والإحسانْ، فهي خير استجمام لكم ولنا في هذا الزمانْ، فحيهلا عليها من غير تكاسل أو خذلانْ، وحيهلا على المطالبة بعودة مخيمات الحياء والحشمهْ، فقد سئمنا من منتجعات العار والنقمهْ، ومللنا من مهرجانات العري والتيه بين الحشيش والنغمهْ، فهذا مطلبي وهذي دعوتي، والله ربي حافظي ومعيني يا إخوتي، ومحمد النبي عليه الصلاة والسلام كان وسيبقى قدوتي”.