قراءة في بيان أحزاب الأغلبية من أجل مناهضة التطرف والإرهاب

بقلم: نورالدين الملاخ – [email protected]

صدر بيان موقع من طرف أحزاب الأغلبية الحالية:

حزب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،

الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية والتجمع الوطني

للأحرار من أجل “مناهضة التطرف والإرهاب”،

وذلك بصياغة استراتيجية موحدة للتفعيل الأمثل

لمخطط حماية المكتسبات الوطنية والديمقراطية من

الإرهاب، بجميع مظاهره وأشكاله في نطاق

الصلاحيات المقررة في الدستور والقانون.

استراتيجية تفتح أربع واجهات:

الواجهة الدفاعية، الواجهة الحوارية، الواجهة الاحتوائية والواجهة الإعلامية.

أ- التنظير الفكري والسياسي ضد الإرهاب بجميع مظاهره.

ب- دعم المكتسبات الديمقراطية بخلق نقاش سياسي عميق حول ترشيد التعددية السياسية في أفق تقوية الممارسة الديمقراطية وضمان الحق في الاختلاف.

ج- رسم خطة فعالة لتثقيف وتأطير المواطنين في مواجهة الفكر المتطرف الذي يستغل الدين لأهداف سياسية بتكوين الأحزاب والجمعيات على أساس ديني.

د- اتخاذ تدابير فكرية وإعلامية عملية ممنهجة ومكثفة لتعزيز ثقافة التسامح والحوار والاعتدال في المجتمع.

ملاحظات أساسية

أخيرا استفاقت الهيئات السياسية المغربية على واقع يعرف مخاضا عسيرا، لا يضمن لنخبها ومنتخبيها مواقع الريادة من نتائج صناديق الاقتراع.

أخيرا اعترفت القيادات الحزبية المغربية بوجود من ينافسها في الساحة السياسية والجمعوية.

وأخيرا انتبهت أحزاب الأغلبية إلى ضرورة جمع كلمتها وتوضيح أهدافها وأولويات العمل السياسي والتنظيم الجمعوي، بعدما اكتشفت شيخوخة هياكلها وفراغ صفوفها من الشباب.

من أجل ذلك، ورغم هذا الاعتراف -على مضد-، اجتمعت أحزاب الأغلبية وفكر خبراؤها وقياديوها، ثم رسموا مخططا لحماية “المكتسبات الوطنية والديمقراطية”، فأصدروا بيانا يوضح الأهداف ويختار الرفاق ويصنف الأعداء الفعليين والوهميين.

مشروع جعل خصوم الأمس أصدقاء. ظروف جديدة وحدت مرامي الشركاء وأنستهم خصامهم. خطوة ناجعة لحل الخصام القديم والتطاحن البعيد لتذيبه في تنافس محموم على الكراسي والأصوات والمناصب معلنة سلما محابيا، وولاء مفتعلا، وحربا ضد كل من تغنى بغير “ليلى” قيس ومن والاه.

سؤال مشروع

رسالة أحزاب الأغلبية، لماذا الآن ولمن الرسالة؟

التوقيت

يأتي إصدار هذا البيان يوم 6 غشت2007، شهرا قبل انتخابات شتنبر2007.

والكل يعلم أهمية هذه الانتخابات بالنسبة للأحزاب الوطنية. فهي قبل كل شيء صراع  ولا أقول تنافس- على الموقع السياسي في رقعة المشهد السياسي المغربي، كما تقتضيه قواعد اللعبة الديمقراطية من أجل اكتساب رهان سلطة.

فالسلطة في المغرب مستويات:

سلطة سياسية: الهيئات السياسية تعمل جاهدة خلال موسم الانتخابات، وتوظف كل الخطابات في اللعبة السياسية من أجل استمالة الناخبين نحو دائرتها قصد الرفع من أعداد أصوات المواطنين لصالح كراسيها، وذلك بإعلان برامج براقة أثبت التاريخ والجغرافية عدم تحققها.

سلطة فكرية: بفرض مرجعيات على حساب أخرى، من خلال الانخراط في المنظومة العالمية الموجهة للاستراتيجيات المحلية لرسم نمط محدد لمشروع مجتمعي مرغوب فيه. فالنخبة المثقفة تسعى لترسيخ مفاهيم مجتمعية معينة، وذلك بالتحفيز والنداء بضرورة الانخراط في المجتمع المدني مفهوما وممارسة.

سلطة مؤسساتية: الهيمنة على جميع مؤسسات المجتمع المدني، اللسان الناطق بهموم وطموح أفراد المجتمع. وإقصاء كل صوت نبرته تخالف السلطة المهيمنة. فالمخزن يستعمل المجتمع المدني لازمة من أجل الرفع من قيمة المؤشرات المعتمدة في تصنيف الدول وفق معايير إدارة الحكم الرشيد؛ الذي يستند على ثلاثة أبعاد عريضة: المشاركة وسيادة القانون والشفافية والمساءلة.

سلطة إعلامية: إشاعة الخبر أو الحدث أو الظاهرة أو…، بالشكل والأسلوب الذي يستعدي طرفا على حساب آخر.

السياق

بعد 11 شتنبر2001؛ كثيرة هي المصطلحات التي أضيفت في القواميس السياسية والاجتماعية والثقافية. كثيرة هي المفردات والعناوين التي أصبحت لازمة في خطابات السياسيين وكتابات الأكاديميين. لكن واحدة هي التصنيفات التي تصنف الدول والشعوب والأفراد: دول شمال جنوب بدل دول شرق وغرب وفق المؤشرات الاقتصادية، شعوب متحضرة وأخرى متخلفة وفق مؤشرات عديدة من بينها المؤشرات المعرفية. أفراد متفتحون وأفراد متزمتون وفق التقارير الاستخباراتية الدولية والإقليمية والمحلية.

وفي مغربنا الحبيب، لا تخلو قواميسنا أيضا من مصطلحات مرادفة من قبيل “الإرهاب، القوى الظلامية، التزمت، التعصب…”، بعد أحداث 16 ماي المؤلمة، وتفجيرات الدار البيضاء الأخيرة، التي تنسب بشكل أو بآخر “للفكر الديني”، والدين الإسلامي براء منها.

أحداث مستنكرة بالطبع ومرفوضة، شرعا وعرفا… لكنها أحداث توظف توظيفا سياسويا من طرف النخبة السياسية بهدف:

إلصاق كل جريمة بالدين، بدعوى أنه مصدر “الفكر التكفيري أو المنحرف الذي يسعى من خلاله مستنبتوه والمروجون له إلى زرع بذور ثقافة الإقصاء والتشكيك المعمم في النوايا، ويذكي نوازع الكراهية والرفض والتبرم من الآخرين” -حسب بيان الأغلبية الحزبية بالمغرب-.

إقصاء كل من يحمل مشروعا مجتمعيا له مرجعية دينية “الذي يستغل الدين لأهداف سياسية بتكوين الأحزاب والجمعيات على أساس ديني”.

حصار كل جمعية ينتمي أعضاؤها للحركة الإسلامية.

تجاهل كل نداء ينادي للحوار والإخاء على قاعدة ميثاق وطني، كما تقدمت به جماعة العدل والإحسان على لسان أمينها العام الأستاذ عبد الواحد المتوكل بتاريخ 10 دجنبر2006، وذلك بنهج أسلوب الاستباق ب “خلق نقاش سياسي عميق حول ترشيد التعددية السياسية في أفق تقوية الممارسة الديمقراطية وضمان الحق في الاختلاف”.

إدارة الحكم الرشيد

ما موقع المغرب فيه؟؟

كثر الحديث عن الحكم الرشيد؛ إذ نجده واردا في خطابات النخبة المثقفة، والكلام المفتاح للهيئات السياسية، والعملة الصعبة التي تتعامل بها الدول في الاستراتيجيات السياسية.

أصبح المغرب اليوم يعيش واقعا محموما، إثر تفاقم المشاكل السياسية والاقتصادية والفساد الإداري، كما أصبحت تقارير المنظمات الدولية تتحدث عن بروز الصراع والتطاحن وأساليب التزييف والتزوير ومركزية سياسة الترويض… مما اضطر أصحاب القرار ومنظرو مغرب الغد أن يسطروا استراتيجية سياسية بعيدة المدى، من أجل:

الحفاظ على توازن اجتماعي واقتصادي، ولو كان ظرفيا.

الحفاظ على صورة تعكس واقعا ينعم بالديمقراطية والشفافية والمسائلة..، ولو كانت صورة وهمية.

الحفاظ على رقم مؤشر مريح يدل على مدى الانخراط في “إدارة الحكم الرشيد”، ولو كان نسبيا.

نداء جماعة العدل والإحسان لميثاق وطني

تذكير وتذكر

منذ التأسيس، دعت جماعة العدل والإحسان، ومازالت، لضرورة ميثاق جامع يجتمع حوله الفضلاء المغاربة لإخراج المغرب من واقع الأزمة الذي يفرز مظاهر مجتمعية خطيرة، من نظير الهجرة “الحريك”، والتفجيرات ومظاهر الميوعة والتسيب الأخلاقي… مظاهر دخيلة على دين وثقافة وعرف الشعب المغربي، لكن القاسم المشترك بين هذه المظاهر الشاذة والمرفوضة؛ يأس وتدمر وفقر مدقع أو تخمة مفرطة.

الميثاق الوطني؛ توضيح لابد منه:

المصطلحات المتداولة في أدبيات جماعة العدل والإحسان هي مصطلحات قرآنية، ولها مفهوم منهاجي عميق يستند للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

تقابل هذه المصطلحات المنهاجية مصطلحات تستند لمرجعية غربية وبنية مفاهيمية مرتبطة بالموروث الإنساني اللائكي في الفكر والتصور والممارسة، من قبيل: المجتمع المدني، الحضارة، الحداثة…

للمفهوم أهمية قصوى في سبر أغوار أي فكر؛ إذ المفهوم شبكة من المعاني الجزئية تشكل دلالته اللغوية والاصطلاحية، وهو ضروري لأي حوار وتواصل.

والمنهاج النبوي باعتباره الخطة العملية للمشروع المجتمعي الذي تقترحه جماعة العدل والإحسان، فهو نسق عام من المفاهيم الأصلية والتبعية التي تحلل وتشرح تفاصيل ومعالم هذا المشروع التجديدي.

لكن الذي يتغذى على الفكر الإقصائي، لا يرغب في مد جسور التواصل والحوار، بل يعمل على تعميق الفجوة الفكرية بين أطراف المجتمع، ويعمل جاهدا على الترهيب والتخويف والتنفير.

هذا ما يقوم به اليوم المخزن وأذنابه لإطفاء أنوار العدل والإحسان بالاختطاف ومطاردة الأرزاق والمحاكمة وتشميع البيوت ومحاصرة الجمعيات المصنفة  مخزنيا- تابعة لجماعة العدل والإحسان…

أما من يدور في فلك المخزن، من مغربين وممن يأكلون من فتات مأدبة اللئام… يحاولون جاهدين تأصيل الفعل الإجرامي الممنهج والذي لا يستند لا لعرف ولا قانون، بل يؤصلون لفكرة طوبوية المشروع المجتمعي من منظور المنهاج النبوي.

أقول لتلامذة المدرسة اللائكية: إن مشروع العدل والإحسان ليس دونكيشوتيا حالما بالمدينة الفاضلة& بل هو دعوة رحيمة رفيقة بالناس كل الناس لفتح مغالق القلب على موعود الله عز وجل الذي قال في محكم تنزيله: “إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب” وخطى الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي وعد أمته بالتجديد.

حديث تضيق منه صدور.. ولا تستصيغه حناجر..، لذا تلجأ إلى تقيء الخبث من الكلم النثئ، وتضطرب في حركية غير موزونة وترتمي في أحضان شيطان مرد خناس يوسوس لها الوساوس.

كما أقول للفضلاء، لا تعارض ولا تناقض مع مشروع المجتمع المدني الذي تنشدونه فاعلا حاضرا مسائلا ومشاركا…، ومشروع العمران الأخوي الذي تنادي له جماعة العدل والإحسان.

لإزالة اللبس والغموض وكشف الغطاء على أنواع الخطاب والتمييز بين الغث والسمين، لابد من توفر أرضية للحوار، وهو نداء الإخاء للميثاق الوطني الذي أفصحت عنه الأمانة العامة للدائر السياسية لجماعة العدل والإحسان في “مقدس 11” يوم الأحد 10 دجنبر2006. ميثاق وطني يجتمع حوله الصالحون والصالحات وكل الشرفاء الأحرار والفضلاء الأصلاء من أجل مشروع بناء العمران الأخوي.

حول الميثاق:

الميثاق المنشود يضم مجموعة أسس ومبادئ موجهة للعمل والأفراد المساهمين في ترجمتها إلى فعل تطبيقي. كما يتضمن المنطلق والغاية، وعلى أساسه توضع خطوط الممارسة التي يساهم فيها كل الفضلاء.

الميثاق هو المصدر المرجعي للفعل التطبيقي الذي يمكن، بل يجب، أن يتنوع ويختلف، وربما يتناقض. لحل هذا التناقض والاختلاف يرجع إلى المصدر للبحث عن تناسق التنوع في الاجتهاد وفي الممارسة التي يعرفها المشهد السياسي المغربي.

الميثاق هو الاختيار الفلسفي والإيديولوجي الذي يحدد المنطلقات، ويضع الإمكانيات المادية، ويكون الأطر البشرية المكلفة بترجمته إلى الواقع للوصول إلى الغايات المحددة.

يعتبر الميثاق الوطني إوالية إذا ما تم الاتفاق عليها، ولا يصح مراجعتها كل وقت وحين، حتى لا يضطرب العمل ويسقط المشروع. وهو بهذا المعنى اتفاق بين كل المكونات المساهمة في المشروع، ملزما لها. وقد يتعرض الميثاق للمراجعة والتطوير إذا ما حدث تغيير في الواقع أو تطور في الفكر، أو بدت حاجة لتصحيح مساره أو إغناء لمكوناته. لكن بعد التشاور والتفاهم بين كل أطراف المشروع المجتمعي المنشود.