ثالثا- مستجدات القانون الانتخابي في 2007

التعديلات التي أدخلت على القانون الانتخابي تحضيرا لانتخابات 7 شتنبر 2007 محدودة جدا بالمقارنة مع تعديلات 2002، إلى درجة يمكن التأكيد معها  كما سبقت الإشارة- أن انتخابات 2007 ستظل محكومة بنفس الإطار القانوني لانتخابات 2002، مما يعني الرغبة في استنساخ نفس المسار الانتخابي، وتحقيق نفس التأثير على الخريطة الحزبية والسياسية بصفة عامة. ولعل هذا الاختيار ناتج عن السياق العام، الدولي والمحلي، الذي يؤكد وصفة “انتخابات بمشاركة واسعة ونتائج مضبوطة”، ففوز حزب العدالة والتنمية بـ42 مقعدا في انتخابات 2002 رغم عدم ترشيحه في كل الدوائر، أكد أن السماح بهامش من النزاهة قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، إذا لم يكن هناك ضبط قانوني مسبق، ولعل هذا ما جعل الوزير الأول إدريس جطو يطمئن رجال الأعمال الفرنسيين بقوله أن نمط الاقتراع المعمول به في المغرب لا يسمح بتحقيق أغلبية مطلقة لحزب العدالة والتنمية، وأن الأغلبية الحكومية ستستمر هي نفسها تقريبا. وأحداث 16 ماي 2003 أكدت ضرورة انخراط المغرب في إستراتيجية “مكافحة الإرهاب”، وما يستتبعها من وصفات سياسية وانتخابية، ومشاكل الخيار العسكري في العراق وأفغانستان أظهرت للولايات المتحدة ضرورة التأكيد على الخيار السياسي، وفوز حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة بينت أن الانتخابات غير المضبوطة النتائج مرفوضة بالمطلق عند المجتمع الدولي، وإن اقتضى الحال الانقلاب ليس فقط على السياسة وإنما أيضا على القانون، ولعل ضرورة الضبط هي ما أملت على محمود عباس بعد أزمة غزة المطالبة بانتخابات وفق الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي…

هو نفس الإطار العام إذن، لنفس الانتخابات، ليس فقط على المستوى القانوني، وإنما أيضا على مستوى المسار والنتائج والإفرازات.

المستجدات القانونية لانتخابات 7 شتنبر تمثلت في بعض التعديلات المرتبطة بمدونة الانتخابات (القانون 23.06)، وبالقانون التنظيمي لمجلس النواب (القانون 22.06)، والقانون المرتبط بالمراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية (القانون 24.06)، والمراسيم والقرارات التطبيقية لتلك القوانين، والمرتبطة بمختلف العمليات الانتخابية.

وإذا كانت أغلب تلك التعديلات شكلية، فيمكن إبراز أهمها على الشكل الآتي:

أ- رفع العتبة من 3% إلى 6%، بحيث يكون اقتسام المقاعد على أساس الحصول على 6% فما فوق من الأصوات، ولا يمكن للائحة لم تحصل على تلك العتبة أن تحرز أي مقعد.

ب- تمكين المهاجرين من التسجيل في اللوائح وتمكينهم من حقهم في الترشيح، لكن من خلال دوائر على التراب الوطني، وليس من خلال دوائر تحدث لهذا الغرض في المهجر.

ت- رفع عدد الدوائر، وفق التقطيع الانتخابي الجديد، من 91 دائرة إلى 95. وفي هذا بعض التناقض، فمباشرة بعد انتخابات 2002 ارتفعت أصوات تطالب بتقليص عدد الدوائر، ليرتفع عدد المقاعد المتنافس عليها في كل دائرة، وذلك انسجاما مع نمط الاقتراع اللائحي. إلا أن العكس هو الذي حصل، الأمر الذي يجعل نمط الاقتراع الحالي من حيث الجوهر أقرب إلى نمط الاقتراع الإسمي.

ث- تقدم واضح فيما يتعلق بتنظيم استفادة الأحزاب السياسية من الوسائل السمعية البصرية في حملاتها الانتخابية إلا أن من أهم الملاحظات في هذا الصدد اعتماد معيار التمثيلية البرلمانية، مما يصب في تكريس نفس الوضعية السياسية والحزبية، ويتنافى مع مبدإ المساواة بين الفرقاء السياسيين التي أكد عليها المجلس الدستوري في بعض قراراته.

والمفارقة الواضحة التي حكمت السياق القانوني للانتخابات المقبلة تمثلت في محاولة تغيير المادة 20 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، لتشمل قيودا من أجل الترشيح بالنسبة للأحزاب التي حصلت على أقل من 3% من الأصوات في انتخابات 2002.

لقد ألغى المجلس الدستوري هذا التعديل، لكن ذلك لا ينفي التناقض الصارخ الذي وقعت فيه الأغلبية الحكومية، والتي ذهبت إلى مخالفة صريحة للدستور، بمبرر محاربة البلقنة السياسية، ألم يكن من الأولى، انسجاما مع هذا المبرر، إعادة النظر في نمط الاقتراع؟

رابعا: تقييم عام للإطار القانوني للانتخابات

وضعت بعض المنظمات الدولية، منها الأمم المتحدة، بعض المعايير لتقييم الإطار القانوني للانتخابات، أهمها:

– ضمان برلمان تمثيلي؛

– ضمان حكومة فاعلة ومسؤولة؛

– تعزيز التماسك المجتمعي؛

– تعزيز المعارضة البرلمانية؛

– تسهيل ممارسة العملية الانتخابية؛

الشرط الدستوري ضروري لتحقيق هذه المعايير، وهو شرط عليه كثير من الملاحظات في الحالة المغربية، لكن الذي يهمنا في هذا المقام هو الشرط القانوني، فنزاهة الانتخابات ضرورة ملحة لضمان برلمان تمثيلي، إلا أن القانون الانتخابي الحالي، رغم اعتماده الضبط المقنن، أبقى على ما يمكن أن يمس في الصميم مسألة النزاهة، وذلك من خلال هيمنة وزارة الداخلية على كل العمليات الانتخابية، وعدم التنصيص قانونا على دور الملاحظين المدنيين في مراقبة الانتخابات. والحكومة الفاعلة والمسؤولة ترتبط إلى حد كبير بنمط الاقتراع المعمول به، فالاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي تكون نتيجته في كثير من الأحيان مشاركة عدة أحزاب في الحكومة، مما يؤثر على انسجامها وفعاليتها. عكس نمط الاقتراع الأحادي الاسمي في دورتين الذي يفرز أغلبية حكومية واضحة من جهة. ومن جهة أخرى يساهم في تعزيز التماسك المجتمعي من خلال منظومة حزبية قوية تقوم على الثنائية الحزبية أو الثنائية القطبية. قد يكون للاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي دور أهم في تعزيز التماسك داخل المجتمعات التي مرت بحروب أهلية، أو تتنازعها ولاءات عرقية أو إثنية، إلا أن هذا لا ينطبق بأي حال من الأحوال على المجتمع المغربي.

وقد أبانت التجربة السابقة أن النظام الانتخابي المعمول به في المغرب لم يساهم في تعزيز المعارضة البرلمانية، بل على العكس من ذلك ساهم في إضعافها، وذلك من خلال مشاركة عدة أحزاب في الحكومة وإفراغها لموقع المعارضة. وتأكد هذا الضعف حين وضعت بعض الأحزاب في المعارضة سقفا معينا لمعارضتها. أما فيما يتعلق بتسهيل ممارسة العملية الانتخابية، فإن نظام الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي يعد من أعقد الأنظمة الانتخابية، ومع ذلك يتم تطبيقه في المغرب، الذي يعرف نسبا عالية من الأميين وأنصاف المتعلمين.

صفوة القول أن إعادة النظر في النظام الانتخابي مسألة ضرورية لتحقيق انتخابات بمفهومها المتعارف عليه ديمقراطيا. لكن ذلك لا يقف عند الحدود القانونية، بل يتجاوزها إلى منطلقات دستورية، ستظل في جميع الأحوال غائبة ما لم يتغير ميزان القوى، وتصبح المعادلة في صالح الشعب، ومطالب الشعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.