شهد المغرب منذ بداية الستينات مجموعة من المحطات الانتخابية، سواء التشريعية أو الجماعية، وجهت لها انتقادات شديدة سواء من قبل منظميها، أو المتنافسين فيها، أو المشاركين، أو المقاطعين، أو العازفين، أو الملاحظين والمتتبعين.

وباستقراء لمجموع هذه الانتقادات نجدها انصبت حول أمرين: نزاهتها والجدوى منها.

ففيما يرتبط بالنزاهة هناك إجماع من قبل كل المعنيين بهذه الانتخابات، سواء السلطات أو الأحزاب أو المواطنين، على أن كل المحطات الانتخابية التي مرت منذ 1963 إلى 2002 لم تكن نزيهة 100% وإن كان اعتراف السلطات يأتي دائما متأخرا، وبالضبط عند اقتراب الانتخابات الموالية حيث تنزل بكل ثقلها وبوعد على تجاوز زلات الانتخابات السابقة.

أما فيما يخص الجدوى فهذا نقاش ظل مفتوحا ولم يغلق بعد، حيث يلاحظ أن الانتخابات في المغرب تفتقد لأدنى الشروط اللازمة لعقد انتخابات ذات مصداقية. والسبب في ذلك، ببساطة، أن الانتخابات كما تعارفت عليها الأمم تنتمي إلى بيئة ديمقراطية بما تعنيه من (سيادة الشعب  فصل السلط – تلازم السلطة والمسؤولية والمحاسبة – حرية التنظيم والتعبير  التداول على السلطة& ) بينما البيئة السياسية السائدة في المغرب استبدادية تقوم على مبدإ الاحتكار: احتكار السلطة والثروة والمعلومة، وعلى أن الحقوق هبة ومنحة من الحاكم يتفضل بها على رعيته كيف ومتى يشاء.

ولذلك فإجراء الانتخابات في المغرب هو بمثابة من يزرع نباتا في أرض قاحلة، أو في تربة لا تلائم ذلك النوع من النبات.

يدفعنا ما سبق إلى طرح السؤال. لماذا إذن تجرى الانتخابات في المغرب؟

باستقراء للتصريحات والخطب والبرامج في مختلف المحطات الانتخابية السابقة نستنتج أن للانتخابات في المغرب وظائف محددة نحصرها في:

1- إضفاء الشرعية على النظام السياسي السائد.

2- إضعاف الأحزاب السياسية وتحميلها مسؤولية الفشل والإخفاق وجعلها في المواجهة مع الشعب.

3- تحسين صورة المغرب أمام الرأي العام الدولي والظهور بمظهر الدولة الديمقراطية التي تحترم إرادة شعبها وتتوفر على مؤسسات منتخبة طمعا في قروض أو في ترتيب متقدم وسط المنتظم الدولي.

4- امتصاص الغضب الشعبي بحيث تصبح الانتخابات مسكّنا يدوم مفعوله ست سنوات أو أكثر حسب شعور المتحكم في زمن الدورة الانتخابية التي لا يبقى تحديد تاريخها سرا من أسرار الدولة ومفاجأة للجميع، وتصبح أيضا منشطا للحياة السياسية تنتعش فيها الطموحات وتكثر الانتظارات.

قد يعتبر البعض هذا الكلام /الاستنتاجات مبالغة في التشاؤم، وقد يعتبره البعض الآخر حكما قاسيا على تجربة ما زالت في طور البناء بحكم أن المغرب ما زال يعيش لحظة “انتقال ديمقراطي”، وأن انتخابات 2007 ستكون أفضل من سابقاتها بحكم عدد الأحزاب المشاركة فيها، وخاصة لأول مرة، وبحكم الإطار القانوني المنظم لها، وهو متطور بالمقارنة مع ما سبق، وبحكم الظروف التي تجري فيها، سواء الوطنية أو الدولية.

وهنا أجدني مضطرا إلى التركيز على بديهية واحدة أعتقد بأن التفصيل فيها مغن عن الدخول في جدال عقيم. لماذا الانتخابات؟

الانتخابات، في أبسط تعريفاتها، محطة دورية منتظمة يسترجع فيها الشعب سيادته فيعاقب أو يكافئ من كان انتخبه في دورة انتخابية سابقة ومكنه من السلطة لتدبير أمور البلاد والعباد. هي إذن دورة للمحاسبة.

ولذلك لا يمكن تصور انتخابات بدون ثلاث ركائز:

1- تجسيد إرادة الشعب.

2- التداول على السلطة.

3- التعددية السياسية.

فما هي نسبة حضور هذه الركائز والأسس في انتخابات مغربنا؟

أولا: تجسيد إرادة الشعب

لكي تجسد الانتخابات إرادة الشعب لا بد أن تتحلى بشرطين هما: النزاهة والانفتاح على كل الاحتمالات.

لا تجسد الانتخابات في المغرب إرادة الشعب لسببين:

1- عزوف الشعب عن المشاركة: فإذا عرفنا حجم الكتلة الناخبة، وعدد المسجلين منهم في اللوائح الانتخابية، وعدد المشاركين من النسبة العامة للمسجلين، وعدد البطائق الملغاة، وحذفنا نسبة المصوتين تحت تأثير الإكراه أو الإغراء سنجد أن عدد المصوتين لا يتجاوز 20 %من الكتلة الناخبة الحقيقية، ولذلك فإنها انتخابات لا تجسد إرادة الشعب لأنه ببساطة لا يشارك فيها وغير معني بنتائجها.

وهنا نذكّر بآخر انتخابات شهدتها تركيا وبلغت نسبة المشاركة فيها أكثر من 81% رغم أنها كانت مفاجئة وفي توقيت غير مناسب حيث قطع المواطنون عطلتهم الصيفية للإدلاء بصوتهم في انتخابات يحسّون بجدوى مشاركتهم فيها وبأن صوتهم هو الحاسم في نتائجها وما يترتب عنها.

2- التحكم القبلي والبعدي في النتائج: حيث تتدخل الإدارة في العملية الانتخابية طيلة كل المراحل (التسجيل في اللوائح، التقطيع، التصويت، الفرز، إعلان النتائج) لتفرز الانتخابات خريطة سياسية على مقاس السلطة وليس وفق إرادة الشعب. وهذه بعض الأمثلة:

أ- في مرحلة التسجيل: عدم تعميم بطاقة التعريف الوطنية واعتبارها بطاقة الناخب مما يجعل مسألة إثبات الهوية مدخلا للتزوير، ناهيك عن استغلال بطائق الناخبين الذين لا يستلمونها للتصويت من قبل أشخاص مسخرين لذلك.

ب-في مرحلة التقطيع الانتخابي: يصبح هذا التقطيع مدخلا للتلاعب بالخريطة السياسية لأنه لا يخضع لاعتبارات موضوعية ولا لتوازن بين المناطق من حيث الكثافة السكانية أو المساحة الجغرافية أو الخصائص التاريخية أو الإثنية أو طبيعة المنطقة (حضرية أو قروية)

ج- في مرحلة التصويت: حيث يتم الضغط على المواطنين من قبل المقدمين والشيوخ للمشاركة مقابل الحصول على وثائقهم الإدارية…

د- في مرحلة إعلان النتائج: حيث يتم نفخ نسبة المشاركة، أو لا يعلن عن النتائج التفصيلية كما حدث في انتخابات 2002.

هـ- نمط الاقتراع: حيث يستعمل كوسيلة للتحكم في نسبة تمثيل كل حزب على حدى، ويصبح أداة للبلقنة وإضعاف الأحزاب.

ثانيا: التداول على السلطة

غاية الانتخابات أن تفرز برلمانا تمثيليا يتولى وظيفتي المراقبة والتشريع، وحكومة تضع السياسة العامة وتنفذها من خلال إدارة موضوعة تحت تصرفها ورهن إشارتها.

لكن الانتخابات في المغرب تنتج للأسف:

1- برلمانا ضعيفا بحكم البلقنة السياسية لا يمكنه تشكيل أغلبية إلا من خلال تحالفات هشة وهجينة لا تخضع لمنطق، وهو ما يجعلها تحت رحمة حرس السلطة.

2- برلمانا فاقدا لمهامه: أو هو في أحسن الأحوال غرفة تسجيل إن لم نقل سركا للتهريج كما سماه الحسن الثاني ذات مرة.

3- برلمانا لا يملك قراره بيده: حيث للملك حلّه في أي وقت (ف27) وخطاب الملك أمامه لا يخضع لنقاش (ف28).

كما تنتج حكومة ضعيفة ومشتتة فاقدة للمشروعية الشعبية وبدون اختصاصات حقيقية لأن الفصل 24 يتيح للملك أن يعين الوزير الأول من خارج الأحزاب وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، والجزء المهم من الحقائب الوزارية سيادية ومحرّمة على ممثلي الأحزاب، والمجالات الأساسية والملفات الحساسة يتم تفويتها لمؤسسات موازية غير منتخبة بعيدة عن الحكومة، إضافة إلى أن هذه الحكومة لا تصنع السياسة العامة (ف61)، وأن الإدارة غير موضوعة رهن إشارتها حيث هناك جيش من الموظفين السامين (مديرو المؤسسات العامة، السفراء، الأجهزة الأمنية، كتاب في الوزارات…) لا يخضع لسلطات الحكومة.

ثالثا: التعددية السياسية

الركيزة الثالثة لانتخابات ذات مصداقية هي التنافسية، ولا يمكن تصورها في غياب تعددية سياسية حقيقية ونوعية.

وهي مفقودة في المغرب لأن التعددية الحزبية في المغربية مليئة بالأعطاب التي يمكن ذكر بعضها:

1- تعددية حزبية عددية وكمية: لا تستوعب كل الرؤى الموجودة في المجتمع، ولا تخضع لمعايير قانونية واضحة ولا لضوابط موضوعية معروفة ولكنها تخضع لمزاج السلطة ورجالاتها.

2- تعددية غير متكافئة: يحظى فيها المقربون من السلطة بامتيازات بينما يحرم فيها المخالفون للسلطة من أبسط الحقوق.

3- تعددية احتقارية للأحزاب: فالدستور في فصله الثالث ينزل الأحزاب في منزلة الجماعات المحلية والنقابات والغرف المهنية، ويحصر وظيفتها في تأطير وتنظيم وتمثيل المواطنين وليس الوصول إلى السلطة وممارستها!!! كما أن المادة الثانية من قانون الأحزاب تحصر وظيفة الحزب في المشاركة في تدبير الشؤون العامة، ونسيت الإشارة إلى الشريك أو الشركاء الآخرين. من هو؟ ما هو حجم مشاركته؟ وحجم مسؤوليته؟ كيف يشارك؟ مجال مشاركته ؟ أسئلة مغيبة والجواب عنها يتلقاه المشاركون في اللعبة بالتدريج ويتعايشون معه، ولذلك تفقد الأحزاب المشاركة هويتها مع مرور الزمن فتتنازل عن مبادئها، وتطبّع مع الفساد وتصبح مدافعة عنه، وتخضع للضغط وتبرره، وتفقد مصداقيتها وتعطيها للمخزن، وتصنع اليأس وتعممه وسط فئات عريضة من الشعب.

وأخيرا:

مما سبق يتضح أن الانتخابات في المغرب تفتقد لأهم الركائز والأسس، ولا تشكل إلا محطة لتبذير المال العام، ومناسبة لتوريط الأحزاب وتبرئة المتحكم في السلطة، ودورة عادية تبدأ بالوعود والانتظارات وتنتهي بتبادل التهم وترقب دورة أخرى.

لذلك فالمدخل الانتخابي ليس كفيلا بإصلاح أحوال البلاد والعباد وعلينا البحث عن مدخل، أو مداخل أخرى، يمكنها تغيير ميزان القوى لفائدة الشعب.

تنبيه: لا أحتاج أن أذكر بأن هذه الانتقادات والملاحظات ليست حول مبدإ الانتخابات، أي أننا لا نرفض مبدئيا الانتخابات كشكل لانتقال السلطة وامتلاك شرعية ممارستها. فالانتخابات هي أحسن طريقة لذلك وهي التي تجنب البلاد الفوضى وليس هنا مكان التأصيل لذلك ولا يكفي الوقت ولا تتسع المساحة وليس هذا هدف هذا المقال.