_ الحداثية الأدبية لماذا؟

صحيح أن أوجه الحداثية متعددة ومختلفة، وصحيح أيضا أنها طالت كل جوانب الحياة بدءا بنظام الحكم وانتهاء بأدق خصوصيات حياة الإنسان، غير أنها تبقى في كل الأحوال مشتقة من منبع فكري وحضاري واحد، فتكون علاقتها بهذا المنبع أشبه ما تكون بعلاقة فروع الشجرة بالجذع الذي يلم شمل هذه الفروع، بل بالمنبت الذي فيه نبتت، ومنه انبثقت، لذلك لا نستغرب وجود بصمات اللائكية واللادينية والعقلانية والرؤية التجريبية حاضرة بشكل أو بآخر في كل ثمار الحداثية الغربية أدبا وعلما وتكنولوجيا وفكرا وفلسفة & ورغم تكامل وتداخل كل هذه “التمظهرات”، فإنني أعتبر أن الحداثية الأدبية تكتسي أهمية خاصة ومتميزة، لأنها مسؤولة أكبر من غيرها على تصوير أعمق خلجات وأصدق مشاعر وأحاسيس الإنسان، كما أنها قادرة على التقاط أدق تفاصيل حياة المرء في كل الفضاءات الاجتماعية التي تجمعه بالآخرين سواء داخل الأسرة، أو في ميدان عمله، كما أنها تتجاوز الواقع المدرك بالحواس لتسبح في عالم الخيال، فتستطيع بهذه القدرة التخيّلية تجاوز ما هو كائن، والدعوة إلى ما تعتبره الأفضل والأحسن، وغير خاف أنها تحتوي البعد الفكري _ الفلسفي وتتجاوزه، لأن كل المدارس والاتجاهات الأدبية إنما تكون في نهاية المطاف تعبيرا عن فلسفات واتجاهات فكرية وفلسفية معينة.

ويكتسب الحديث عن “الحداثة الأدبية الإسلامية ” مشروعيته انطلاقا مما يصطلح الدكتور طه عبد الرحمن على تسميته بآليات”التنسيب” و”التعديد” و”التمكين”(2)، ذلك أن الأولى تقتضي أن تكون لكل أمة الحداثة التي تنسب إليها نسبة، فللغرب حداثته الخاصة به المنبثقة من معطياته الحضارية، والمنسجمة مع خصوصياته الفكرية والعقدية والشعورية والاجتماعية … من ثمة يجب أن تكون لأمة الإسلام حداثتها المناسبة لخصوصياتها العقدية والثقافية والحضارية والفكرية … والثانية تسمح بالحديث عن “حداثات” متعددة لا عن حداثة واحدة، ومن شأن ذلك أن نصير أمام حداثة أولى وثانية وثالثة … وهكذا دواليك ” إذا وجد [الإنسان العربي المسلم] أن الحداثة الأولى فشلت، يمكن أن يبدع حداثة جديدة، ليست من صلب الحداثة ذاتها، أما الثالثة فتفترض أن تكون الحداثة أمرا ” ممكنا ” لا ” قدرا منزلا “، ذلك أنه إذا حدث أن تكلم المفكر العربي عن أمر ” الحداثة “، مثلا، فإنه “ليس من الضروري أن يأتي حديثه عنها على الوجه الذي أتي به عند المنقول عنه [الغرب]، فيجوز أن يستحدث بصددها قيما ومعاني توجه خروجنا من التخلف من غير أن تكون هذه القيم والمعاني هي التي أخرجت الغرب إلى الحداثة، ولا أن يكون معمولا بها في مجتمعاتهم”، ولأن الأمة الإسلامية تختلف منطلقا ومسارا وأهدافا وغايات عن الغرب، وجب أن تكون لنا حداثتنا الأدبية الخاصة بنا، حداثية تراعي خصوصيات الإسلام لا باعتباره عقيدة تهم علاقة الفرد بربه فقط كما هو الشأن بالنسبة للمسيحية الكنسية، بل باعتباره دستورا كاملا متكاملا، وباعتباره مشروعا أحاط بكل جوانب حياة الفرد منذ ما قبل الميلاد إلى ما بعد الوفاة، حياة برزخية وبعثا وحشرا وحسابا وعقابا أو جزاء … مرورا بمحطات النمو المختلفة طفولة فشبابا فكهولة فشيخوخة، كما أنه قدم تصوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع الذي ينشده … فشكل بذلك خطابا شاملا متكاملا ومتوازنا، ومراعيا لأدق خصوصيات المرء باعتباره عبدا مؤتمنا ومسؤولا أمام الله عز وجل.

وفي ظل واقع التبعية والتخلف العلمي والتكنولوجي الذي تعيشه أمة الإسلام اليوم، بحيث إنها تكتفي باستهلاك ما ينتجه الغرب، مما حولها إلى أسواق استهلاكية واسعة، فإن مسؤولية تصحيح المسار، وإيقاظ الضمير المسلم، وإعادة الثقة في قيم الإسلام وثوابته مسؤولية لن يتحملها إلا الغُرّ المحجّلون أصحاب الأيادي المتوضئة ممن آمنوا بدور الكلمة المضيئة الطاهرة التقية الورعة في التغيير، إنهم رجال الأدب، الذين سيعزفون على وتر البعد الجمالي، مادامت ظروف اللحظة الحضارية الحرجة التي تعيشها الأمة لا تسمح لها بفرض ذاتها على مستوى البعد الجلالي.

من أين سنبدأ إذا؟ من كشف حقيقة الحداثيين من أبناء جلدتنا الذين سخروا أنفسهم للدفاع عن الغرب، فشككوا في ثوابت الأمة وقيمها، وتهجموا على المقدسات، وسخروا منها؟ أم سنبدأ من حيث يجب أن نبدأ، ندعوهم للنبش في مصادر ومنابع الحداثية الغربية (تاريخا، وفكرا، وثقافة، وحضارة) لعلهم يرجعون عن غيهم وضلالهم، ويغيرون نظّارات الإعجاب التي يرتدونها وهم يقرؤون لأساتذتهم الغربيين؟ أم سنصحح المفاهيم، ونوضح الفروق العميقة بين الغرب وبين الإسلام؟ أم سنكون مضطرين لنعيش ثلاثة عشر سنة من الدعوة إلى نفس ما دعا إليه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: “أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”؟ هل أصبح الناس يفهمون معنى ” لا إله إلا الله ” كما كان يفهمها أبو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة، أم أننا أصبحنا غرباء عن اللغة العربية وصرنا أمام أجيال تردد كلاما لا تفهم منه شيئا؟ مهام صعبة، ثقيلة، تنتظر الصادقين من رجال الدعوة، ممن اختار جهاد الكلمة السابحة في بحر الأدب ليكون من الغرباء الذين استحقوا ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم: ” طوبى للغرباء ” …

نعم ” طوبى للغرباء ” …

طوبى لمن عضّ على الحق بنواجذه، لم تنل من يقينه الأغلفة الملونة، ولا الكلمات الرنانة، ولا الحفلات الصاخبة، ولا مؤتمرات توزيع جوائز نوبل …

طوبى لمن ظل متشبثا بقرآن ربه، وبسنة نبيه، ولم يحفل بجعجعة “المجعجعين”، ولا بكلام المستهترين، ولا بغمزات الساخرين المستهترين … طوبى لهم وحسن مآب…!!

4 _ أسس ومرتكزات الحداثة الأدبية الإسلامية:

إن توظيف مصطلح ” الحداثة ” يبقى أمرا مفروضا علينا، لأننا لم نَصُغْ بعد مفهوما نابعا من ذاتنا الحضارية والفكرية والتاريخية، ثم لأننا ملزمون بالتواصل مع المتغربين من بني جلدتنا ومع الآخر، انطلاقا من كون هذا الآخر وصل في إطار صيرورته التاريخية والحضارية إلى مرحلة الحداثة، بل إنه تجاوزها وأصبح يعيش مرحلة ما بعد الحداثة التي بدأت في الخمسينات أو منذ الثلاثينيات من القرن العشرين ” ويبدو أن هذا يتزامن مع انتقال المجتمع الغربي من تقنية الصناعات الثقيلة إلى الصناعات الدقيقة، أي انتقاله من مجتمع الحداثة إلى مجتمع ما بعد الحداثة في حالة التفريق بين المصطلحين. “(1) .

غير أن توظيف المصطلح نفسه لا يعني بتاتا أن ندور في فلك الثقافة والحضارة الغربيتين، وأن ننسى خصوصياتنا العقدية والحضارية والفكرية والثقافية، لذلك فإنني أتصور أن حداثتنا الأدبية الإسلامية لابد أن تقوم على أسس ومرتكزات عدة:

أ _ ” فاعلم أنه لا إله إلا الله ”

أولى القواعد وأهمها على الإطلاق توحيد الله عز وجل، لن يستحق إنتاجنا الأدبي صفة الإسلامية إن لم ينطلق من هذا المبدإ، وإن لم يقف في وجه الإنتاجات والتيارات الأدبية الهدامة القائمة على الوثنية الموروثة عن الأدب اليوناني والأدب الروماني … أدباؤنا ملزمون بتمثل معاني هذه العبارة شعرا ومسرحا وقصة ورواية … ملزمون أيضا بشرحها لأجيال غارقة في دنيا الفسق واللذة والهوى، أجيال وقفت رطانة اللغات الأعجمية سدا منيعا بينها وبين لغة القرآن، فلم تعد قادرة على فهم، بله تذوق، هذه اللغة المعجزة الجميلة …

مطلوب من أدب الصحوة الإسلامية أن يجدد فهم ” لا إله إلا الله “، وأن يرسخها في قلوب الناشئة من أبناء المسلمين، وأن يستحضرها في كل وقت وحين، إذ عليه مدار الأمر كله، كان المسلمون “عندما يتلقونها بعباراتهم القرآنية الجليلة، يتفاعلون معها تفاعلا عجيبا، إذ يتحولون بسرعة، وبعمق كبير من بشر عاديين، مرتبطين بعلائق التراب، إلى خلائق سماوية تنافس الملائكة في السماء! وما هم إلا بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق! ولذلك حقق الله بهم المعجزات في الحضارة والتاريخ. “(2) … ما أشبه اليوم بالبارحة، حول الكعبة كان لكل قبيلة صنم، فبلغ عدد الأصنام ثلاثمائة وستين صنما… أما اليوم فقد تضاعف عدد الأصنام، تغيرت الأسماء والأشكال والألوان، ولكن الجوهر لم يتغير: ضلال وتيه وغفلة عن ذكر الله…

ب _ ” يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك “

الإبداع الأدبي في المنظور الإسلامي ليس ترفا، ينتجه من يشاء كيفما اتُّفق ويتوجه به إلى جمهور المتلقين للتسلية وتزجية الوقت، بل هو رسالة نبيلة سامية، أشبه ما تكون برسائل الأنبياء عليهم السلام، بل إنها امتداد لتلكم الرسائل، واستمرار لها…

لن يستحق أدب الصحوة الإسلامية صفة ” الحداثية ” إلا إذا اقتفى أثر الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا إذا سار أصحابه في موكب المجددين الذين ” يبعثهم ” الله تعالى على رأس كل مائة سنة لتجديد أمر الدين… رسالة الأدب الحق أن يفتح الآذان الصم لسماع الآذان في كل لحظة يذكرها في كل وقت وحين بضرورة تجديد العهد مع رب السماء والأرض وما بينهما، أن يزيح الغبش عن العيون العمي لكي تتأمل خلق الله المذهل المعجز … أن يصقل القلوب التي اسودّت من كثرة الذنوب والمعاصي والغفلة عن الله تعالى، فيدعوها للاغتسال بمياه الاستغفار والتوبة والإنابة والأوبة … رسالة الأدب هي التبليغ عن الله وعن رسوله الأكرم صلى اله عليه وسلم…

قال الله عز وجل: “هذا بلاغ للناس ” ( إبراهيم/ 54 ).

قال الله عز وجل: “بلاغ، فهل يهلك إلا القوم الفاسقون” (الأحقاف/ 34).

وقال: ” وما علينا إلا البلاغ المبين” ( يس/ 16 ).

وقال: ” فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ” (الرعد/41 ).

وقال: ” أبلغكم رسالات ربي ” (الأعراف/61 ).

حملة الأقلام المبدعة ملزمون بالبلاغ عن الله عز وجل وعن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم للناس أجمعين، إنقاذا لمن سقط منهم في مستنقع الأهواء والغوايات والضلالات…وتحذيرا للآخرين من مغبة الانخداع بالأضواء البراقة الخادعة التي تخفي الكثير من البشاعة والفسق والضياع والفجور ….حملة الأقلام ملزمون بتبليغ الرسالة، رسالة طاعة الله عز وجل، تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، السعي الحثيث لنيل رضاه ودخول جنته والنظر إلى وجهه الكريم، ملزمون بتذكير الإنسان في كل وقت وأوان بالموت وسكراته، بالقبر وظلماته، بالحشر وأهواله، بالصراط وشداته… مواضيع يعتبرها الأديب الحداثي اللائكي الليبرالي ظلاما وخرابا ومضيعة للوقت، ويعتبرها الحداثي الشيوعي هروبا سلبيا من الواقع، ويربأ بها السلفي المتشدد عن أن تُتَنَاوَلَ في قالب أدبي شعرا أو سردا أو مسرحا … إنه ” لا خير في أدب يجول في عرْصة الدنيا وعُرْسها يداعب أهواء الناس وتداعبه، يثير مشاعر الناس وتثيره، يؤجج مشاعر الناس وتؤججه غافلا مغفلا عن المآل، عاجزا مثبطا لعزمات الرجال. ” (1) ، بل لا خير فيه إن هو لم يزايل الآداب الدوابية السادرة في دنيا الغفلة والإعراض عن الله عز وجل، المتمسكة بفتات الحياة الدنيا وزينتها، الغارقة في دنيا الشهوة واللذة والهوى… الأديب الإسلامي ملزم بأن “يبلغ الإنسان ببلاغ القرآن، ولغة القرآن، وبيان النبوة، بشارة أن الإنسان مخلوق لغاية، ميت غدا، مبعوث محاسب مجازى في يوم لا ريب فيه”(2)

ج _(الرحمن، علّم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان)

يصعب وصف القرآن الكريم بأنه “إبداع أدبي”، كما يستحيل إخضاعه لمناهج النقد البشري النسبية القاصرة، غير أنه يبقى بالنسبة للأديب الإسلامي القدوة والمثل الأعلى… ولما كان هذا القرآن من الوضوح والبيان بحيث كان كفار قريش يتهيبون من سماعه، لأنه أُنْزِلَ بلغتهم، فكان يهز الواحد منهم من الأعماق، ليغير في لحظات نظرته لنفسه وللآخرين وللكون أجمع، وجب أن يكون أدب الحداثية الإسلامية واضحا بينا، مؤهلا للوصول إلى قلوب الناس وعقولهم على السواء، متجنبا ما وقعت فيه الإبداعات اللاهثة وراء سراب الحداثة الغربية من غموض وإبهام تجد مبرراتها في مختلف الفلسفات (الرومانسية والرمزية والدادية والسريالية) التي تشكل بالنسبة لها الأصل والمرجع …