“تنعم” مجتمعاتنا العربية منذ سالف العهود بما لم يكن للمجتمعات الأخرى وما لم تدركه ولم تبلغه بفضل مزية أبقتها بين الشعوب، ذلك أنها تحكمها قيادات “حكيمة” تتولى جل قضايا المجتمع، فهي التي تباشر كل الأمور وترعاها وتسهر عليها، وهي التي تتولى مصالح “الشعب” وترسم له التوجهات وتضبطه، وهي التي تتفضل فتسوس، قولها الفصل وحكمها العدل وقراراتها مصل، تتقدم حين يتأخر الكل، وتواجه الملمات بحزم وتدافع عن المكتسبات وتحفظ البلاد وترعى مصالح العباد، عقلها للأمة سدد وحنكتها منها المدد، فبقاؤها أمن وحكمها مزية وفضل وعطاؤها جود ومنّ والدعاء لها واجب على الكل، كيف لا وهي القيادات الرشيدة “الحكيمة”.

حكيمة هي بما لها من نسب شريف ومنبت عريق وجذر في المكانة عميق، محفوظة بحفظ الدين ومرعاة الجانب من رب العالمين.

حكيمة بما سلف لها في الماضي من سبق في العطاء، وجهاد وقول بناء، وحضور في المنتديات ومراكز القرار، وشهادات وأدوار، ومساهمات في رفع الجور والظلم عن بني الإنسان، وبما أشارت به من تلميحات وتوجيهات في العهد القديم، وبما لها من أوسمة ونياشين تشهد لها بالفعل الجميل.

حكيمة بما تفيض على شعوبها من سابغ عطفها وعنايتها المولوية الكريمة، وما تتفضل به من كريم رعايتها على أبنائها ورعاياها الوفية، وبما تجود به من مكرمات عالية، وما تقدمه الأعتاب الشريفة الحانية، فتنعم الشعوب وتتحاب القلوب وتنتفي العيوب وينتصر المغلوب ويفرج كرب المكروب وهذا لـ “الأمة” هو المطلوب.

حكيمة هي بما لها من عقل حكيم وقول رزين ورأي سديد فإن قالت فعن حكمة وإن حكمت فعن بصيرة وإن قدمت فبفضل ومزية وإن أخرت فعن تأن وروية وإن سكتت فعن إرادة مخفية وغاية جلية.

حكيمة بما تتفضل به على إداراتها بتزكية مولوية واختيارات عالية وتدابير وتوجيهات سامية، تجعل عمالها الأوفياء صلحاء نزهاء، تدابيرهم ترفع البلاء وتجلب النماء وتمنح للبلاد السبق والفوز والبقاء، وتؤمن المكتسبات وتوفر الخيرات وتعطي المثل والقدوة لمن لا يزال في سبات، فإذا الشعب قد تنعم والخير قد تعمّم والظلم قد تصرّم والنماء قد بان ورضى القادة زاد عما كان.

حكيمة بما لها من جولات في أرجاء البلاد وتفقد للمسالك والدور والأندية والأسواق، ترفع عن الفقير عوزه، وعن المظلوم شدته، وتستر للعاري عورته، وتضمن للجائع لقمته، وتهب للمريض من “أموالها” حصته، وللشريد مسكنه، تشق الطرق والفجاج، وتبني المستشفيات للعلاج، وتمد الجسور وتزيل منها الاعوجاج، وتنشئ الأندية للشباب، ودور الأطفال رحاب لكل معوز من الطلاب، وتمد القنوات بالمياه للشراب، وبالكهرباء للإنارة رفع الصعاب.

حكيمة هي بما وحدت في الأمة من قضايا وآراء وما جمعت من شتات وما ألفت بين مختلف اللهجات وما رسخت من مبادئ الصفاء بين مختلف الديانات فجعلتهم سواء، واعتنت بمن كان منهم في قلة وخفاء، وضمنت لهم المنتديات في الأرجاء.

حكيمة هي بما جعلت لنا من عديد المناسبات لتطل علينا بالخطابات وتذكرنا بالمنجزات وترسم القرارات وتستقبل الهتافات، فتنعم على السجناء وذوي الحاجات، وتوشح أهل الخبرات، وتتنعم علينا بالعطاءات وسابغ الظهائر والتزكيات، فيزيد الله في الخيرات.

أبقى الله لنا “حكمة” القيادات وحفظها بما حفظ به الآيات، وسلمت لها العائلات والأحفاد والبنات وجعلهم الله سندا وعونا وبركات.