ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده، انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق:

المتكلمون: وهم يدَّعون أنـهم أهل الرأي والنظر. والباطنية: وهم يزعمون أنـهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم. والفلاسفة: وهم يزعمون أنـهم أهل المنطق والبرهان. والصوفية: وهم يدعون أنـهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة.

فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذَّ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته، ومن شرط المقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب، وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف، إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة.

فابتدرت لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هذه الفرق، مبتدئاً بعلم الكلام. ومثنياً بطريق الفلسفة، ومثلثاً بتعلم الباطنية، ومربعاً بطريق الصوفية.

عِلْمُ الكَلاَم: مَقْصُوده وحَاصِلهثم إني ابتدأت بعلم الكلام، فحصَّلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علماً وافياً بمقصوده، غير وافٍ بمقصودي؛ وإنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة. فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فلهجوا بـها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها. فأنشأ الله تعالى طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة، على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ علم الكلام وأهله. ولقد قام طائفة منهم بما ندبـهم الله تعالى إليه، فأحسنوا الذب عن السنة، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة؛ ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها: إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار. وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلّماتهم. وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات أصلاً، فلم يكن الكلام في حقي كافياً، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً. نعم، لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذبّ عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها. ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحق بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق؛ ولا أبعدُ أن يكون قد حصل ذلك لغيري، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ولكن حصولاً مشوباً بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات.

والغرض الآن حكاية حالي، لا الإنكار على من استشفى به، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر بـه آخر.