الملاحظة البارزة فيما يتعلق بالقانون الانتخابي لانتخابات 7 شتنبر 2007 هي أنه نفس القانون الانتخابي السابق، أي الذي جرت على أساسه انتخابات 2002 مع بعض التغييرات المحدودة جدا.

ففي الانتخابات التشريعية لسنة 2002 أُدخلت تعديلات هامة على القانون الانتخابي، أي على مدونة الانتخابات التي صدرت سنة 1997، وعلى القانونين التنظيميين لمجلس النواب ومجلس المستشارين، وكان لتلك التعديلات، بالإضافة إلى قانون المراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية والمراسيم والقرارات التطبيقية المرتبطة بمختلف العمليات الانتخابية، أثر واضح على مسار انتخابات 2002، وسيستمر هذا الأثر على انتخابات 2007. في أي اتجاه كان ذلك التأثير؟ هل في الاتجاه الإيجابي أم السلبي؟ بتعبير آخر، هل كان في اتجاه إحداث القطيعة مع الممارسات الانتخابية السابقة؟ أم في اتجاه تكريسها؟ أم كان يجمع بين القطيعة والاستمرارية؟

هذا ما يمكن الإجابة عنه بعد التطرق إلى أربعة محاور وهي:

أولا- الإطار العام للقانون الانتخابي.

ثانيا- مستجدات الإطار القانوني في انتخابات 2002.

ثالثا- مستجدات الإطار القانوني في انتخابات 2007.

رابعا- تقييم عام للقانون الانتخابي.

أولا- الإطار العام للقانون الانتخابيالقانون، كل قانون، هو وسيلة وليس هدفا، لذلك فالقانون، بصفة عامة، ينضبط لتوجهات واختيارات سياسية، لكن فرق بين قانون ينضبط لاختيارات وتوجهات تشاركية تعبر عن مختلف قوى الشعب، وقانون ينضبط لتوجهات واختيارات صيغت بشكل انفرادي أو نخبوي أو مملاة من فوق.

القانون الانتخابي لسنة 2002 أطّرته عناصر محلية يمكن إجمالها في التصويت بـ”نعم” على دستور 1996 من قبل أحزاب المعارضة، باستثناء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وبعض القوى السياسية التي لا تعترف بالحقل السياسي الرسمي، والمشاركة في انتخابات 1997 وما نتج عنها مما سمي بحكومة “التناوب التوافقي”، ووصول محمد السادس إلى المُلك خلفا لأبيه الراحل الحسن الثاني. وكان أهم ما ميز مرحلة ما قبل 2002 توافق بين المعارضة السابقة والمؤسسة الملكية، وكان من أهداف ذلك التوافق ضمان انتقال الحكم من الملك الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس في جو من الاستقرار، ومواجهة بعض التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت تهدد المغرب بالسكتة القلبية حسب تعبير الملك الحسن الثاني.

لكن الهدف غير المعلن، والذي كان له تأثير واضح على طبيعة ذلك التوافق ومساره، هو الحد من طموح الإسلاميين، الذين أصبحوا يحتلون مواقع متقدمة، بحيث تأكدت قوتهم التنظيمية والجماهيرية في أكثر من مناسبة.

هذا الهدف الأخير سيفتل في الاستراتيجية الدولية التي رسمتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 شتنبر 2001، والتي رفعت لها شعار “محاربة الإرهاب”، وحددت لها أبعادا عسكرية وسياسية واقتصادية وقانونية، وكان من نتائجها فيما يتعلق بموضوع الانتخابات الحرص على توسيع المشاركة وضبط النتائج.

انتخابات بمشاركة واسعة ونتائج مضبوطة، هذا ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية، وهذا ما تعمل على تحقيقه الأنظمة العربية سعيا لكسب الثقة الدولية، وتجاوزا للتناقضات الداخلية.

ففي مشاركة المواطنين في الانتخابات، وما تفرزه من مؤسسات، دعم لشرعية الأنظمة السياسية، وحصار لمظاهر التطرف والإرهاب، بحيث كلما فُسح المجال أمام التعبير السياسي بأشكال حضارية، ابتعد الناس عن التعبير بأشكال عنيفة، وكلما توسعت المشاركة السياسية كلما تقلصت مظاهر الانغلاق والتهميش والإقصاء التي تقود الناس إلى العنف والتطرف.

لكن هذه المشاركة الواسعة في الانتخابات لا ينبغي أن تفرز نتائجا غير محمودة العواقب، بحيث تنتج عنها حكومات مخالفة للاختيارات والتوجهات المرسومة، لذلك كان الضبط القبلي للمسار الانتخابي مسألة ضرورية، والقانون الانتخابي هو الوسيلة الأساس لهذا الضبط.

المطلوب من القانون الانتخابي وضع ضوابط وفرامل تضبط المسار والنتائج، وتغني عن التدخل المباشر في الانتخابات، لأن التزوير المباشر ينتج عنه في آخر المطاف عزوف وضعف في المشاركة، الأمر الذي ينافي الوصفة الانتخابية المطلوبة.

فتعديلات القانون الانتخابي في 2002 و2007 لا تخرج عن هذا الإطار العام، ولعل هذا ما سيتضح بعد الحديث عن تلك التعديلات.

ثانيا- مستجدات القانون الانتخابي في 2002التعديلات التي أدخلت في 2002 لم تشمل كل القانون الانتخابي، بل إن مساحة المستجدات، على الأقل كميا، كانت صغيرة بالمقارنة مع مساحة الاستمرارية، أي استمرار قواعد القانون الانتخابي لسنة 1997 وما قبل1997.

فما الذي استجدّ وما الذي لم يستجد في 2002؟

1- مستجد جوهري

كان المستجد الجوهري في 2002 هو نمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي عوض الاقتراع الأحادي الإسمي في دورة واحدة. لا يهم في هذا المقال الحديث عن الفرق التقني بين النمطين، ولكن من المهم جدا الإشارة إلى بعض الملابسات التي حكمت هذا التغيير.

لقد تم التسويق لهذا النمط الجديد بأنه يساهم إلى حد كبير في القضاء على بعض مظاهر الفساد الانتخابي، وأنه النمط الأضمن لتحقيق النزاهة، وهي مبررات تبقى ضعيفة بالنظر إلى حقيقتين اثنتين:

أولهما: أن دولا ديمقراطية تستعمل نمط الاقتراع الإسمي في دورة واحدة دون أن يتسبب ذلك في الإضرار من قريب أو بعيد بشفافية الانتخابات ونزاهتها، نذكر في هذا الصدد المملكة المتحدة.

ثانيها: أن المغرب طبّق الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي في الانتخابات التشريعية غير المباشرة، أي في انتخابات ثلث البرلمان، وفيما بعد في انتخابات مجلس المستشارين، دون أن يحدّ ذلك من الفساد الانتخابي.

فنمط الاقتراع ليس له علاقة مباشرة بنزاهة أو فساد الانتخابات، وإنما تحدّده توجهات ترتبط بقضايا أخرى من مثل نوع العلاقة بين الناخبين والمنتخبين، نوع المنظومة الحزبية وشكل الحكومة المرغوب فيها … لكن إذا كانت تلك المبررات الرسمية واهية فما هي يا ترى المبررات الحقيقية وراء اختيار نمط الاقتراع بالتمثيل النسبي؟

يمكن تحديد تلك المبررات في رغبة وهاجس، أما الرغبة فقد تحدث عنها وزير الداخلية آنذاك السيد إدريس جطو أمام لجنة الداخلية واللامركزية والبنيات الأساسية، وهي توسيع المشاركة من خلال إشعار الناخب بنوع من التجديد في القوانين الانتخابية وتقوية دور الأحزاب السياسية، وهذه رغبة مشروعة لكنها بالنظر إلى السياق الدستوري والسياسي لانتخابات 2002 لم تكن مدعمة بشروط تحقيقها، لأن العوامل التي أنتجت الأزمة السياسية، والتي تجلّت أساسا في عزوف المواطنين وضعف الأحزاب السياسية، هي أكبر من أن يتم تجاوزها بمجرد إعادة النظر في نمط الاقتراع. أما الهاجس فهو، بكل وضوح، محاصرة الإسلاميين، لأن نمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي يشتت أصوات الناخبين بين مختلف الأحزاب السياسية، وبالتالي لا يسمح بتشكيل أغلبية حكومية منسجمة، وفي هذا تقليص مهم لدور الإسلاميين المشاركين في الانتخابات، بحيث لا يمكنهم، بالنظر إلى نمط الاقتراع، تحقيق أغلبية مطلقة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاقتراع اللائحي يفرض شروطا، تكاد تكون تعجيزية، لترشيح المستقلين. فبالإضافة إلى تشكيل لائحة، وفق برنامج انتخابي، وبيان مصدر التمويل، فقد نصّ القانون على جمع التوقيعات، بحيث يطلب محليا توقيع 80 ناخبا و20 منتخبا عن كل مقعد، أما وطنيا فالمطلوب جمع 500 توقيع لمنتخبين ينتمون على الأقل إلى نصف عدد جهات المملكة، أي 8 جهات، على أن لا يقل عدد الموقعين عن 5% في كل جهة. وفي هذا الأمر ضبط للإسلاميين غير المشاركين في اللعبة الانتخابية حتى لا تتكرر تجربة بعض البلدان ويفوز الإسلاميون، أو يحصلوا على عدد مهم من المقاعد في الانتخابات من خلال لوائح مستقلة، كما حدث في مصر مثلا.

2- مستجدات جزئية

بالإضافة إلى ذلك التعديل الجوهري، فقد أدخلت على القانون الانتخابي في 2002 عدة تعديلات جزئية، لا يمكن إلا أن نتفق حول أهميتها، بغض النظر عن سياقها العام، من تلك المستجدات مثلا:

– عدم أهلية أعضاء مجلس المستشارين للترشيح لمجلس النواب.

– تعويض الألوان بالرموز، وإن كان يعاب عليها ضعف إيحائها وعدم جدّتها.

– الرفع من عدد أماكن الإعلانات الانتخابية.

– التصويت بورقة فريدة عوض أوراق متعددة.

– تشديد العقوبات المرتبطة بالفساد الانتخابي، وإن كان المشرّع جعل من الأعمال المُجَرمة المشمولة بالعقاب الدعوة إلى الإمساك عن التصويت، وتناول ذلك بعبارات فضفاضة في المادتين 56 و57 من مدونة الانتخابات، مما يؤكد حضور الهاجس الأمني، حتى في لحظة الانتخابات، التي يسمح فيها عادة بحرية أكثر.

– شرط القراءة والكتابة في رئيس وأعضاء مكتب التصويت.

– إلزامية وضع المداد غير القابل للمحو بسرعة.

– رفع مبلغ الضمان من 2000 درهم إلى 5000 درهم.

– عدم إمكانية ترشيح رؤساء المؤسسات العمومية ومسيري شركات المساهمة التي تملك الدولة أكثر من 30% من رأسمالها في الدوائر التي تقع داخل النفوذ الترابي الذي يزاولون فيه مهامّهم، أو زاولوا فيه مهامّهم منذ أقل من سنة.

هذه المستجدات وغيرها رغم إيجابيتها الواضحة ظلت محكومة بإطار دستوري يحتفظ بالمكانة الشكلية والثانوية للانتخابات في النسق السياسي العام، وبإطار قانوني تحكمه توجهات خاطئة ويحافظ في كثير من الأحيان على ثغرات القانون الانتخابي السابق.

3- استمرار الثغرات القانونية السابقة

يمكن إجمال هذه الثغرات فيما يلي:

أ- هيمنة وزارة الداخلية على كل العمليات الانتخابية تقريبا، فالعامل هو المشرف على التسجيل في اللوائح الانتخابية، وهو الذي يعين رئيس وأعضاء مكتب التصويت…

ب- الاكتفاء بالمراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية مما يتيح إمكانية التلاعب بالتصويت، من خلال التصويت ببطائق وهمية وبطائق للأموات…

ج- استمرار وضع التقطيع الانتخابي بمرسوم وليس بقانون أو قرار لهيئة مستقلة، كما هو معمول به في بعض البلدان (استراليا، كندا، المملكة المتحدة..)، وحفاظه على نفس مناطق النفوذ، واتسامه بعدم التوازن، وعدم الانسجام التام مع نمط الاقتراع الجديد.

د- عدم التنصيص القانوني على دور ملاحظي المجتمع المدني في مراقبة الانتخابات.