8  التوازن: هذا التوازن الذي يتماشى مع طبيعة الإسلام نفسه، إذ أن المسلم متوازن في شخصيته، لا يغلب جانب المادة على جانب الروح، وكذلك الأدب يتطلب هذا التوازن، ويحث عليه المنطق، وعلى التوازن ينشئ الأديب المسلم أدبا متوازنا من حيث المضمون والصياغة، فلا يغلب جانبا على آخر، فيختل بذلك بناء الأدب، وتنتقض أسسه.

والتوازن في الأدب يعود أساسا إلى التربية: “ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك.

وسيلة تربية وكلمة هادفة تأخذ من العصر وسائله، وتروضها وتتزين بزينة الله، وتتلطف بأشكال المقبول شرعا من أدوات التعبير العصرية كما تلطف مبعوث أصحاب الكهف ليقضي حاجة أصحاب الكهف من سوق كانوا يخشون غائلة أهلها.” 26. والتربية الإيمانية الإحسانية هي أيضا: “صحبة تبلغ أساسا، قدوة تنفذ روحانييته بناء، ثم تطويع العقل والنفس على الاستقامة لله والتعلق القلبي العقلي الكلي برسول الله صلى الله عليه وسلم. وإلا فالكلمة كلام يتكلم، والأدب مؤدب هوائي كما تنفخ نفختك على جمر منطفئ.”27. لأنها كفيلة بجعل الأديب قادرا على التوفيق بين المضمون والشكل، وما مالت كفة إلا رجحت الأخرى ولا خير يرجى من أدب رجحت فيه كفة المضمون على الشكل أو كفة الشكل على المضمون مهما كانت الدواعي والأسباب. يقول د  جابر عصفور: “إن البداية الأولى للتأثير هي تقديم الحقيقة تقديما يبهر المتلقي من ناحية ويبدهه من ناحية أخرى وذلك لا يمكن بالنظم العاري للأفكار بل يتم بضرب بارع من الصياغة”28. واكتمال الأدب الإسلامي: “يرجى يوم يعبئ الطاقات الأدبية بشجاعة وصدق ليقف صفا متراصا خلف الكلمة القرآنية والبلاغ النبوي. وليستعمل الجمالية الأدبية ليبلغ كلمة القرآن وحديث الوحي، لا يلوي على بنيات الطرائق الفنية فيتسرب منه المضمون القرآني النبوي.”29.

إن التركيز على المضمون وحده لا يكفي لإنشاء أدب جميل، وقد نعرض عن أدب لا يحترم المواصفات الجمالية كما نجدنا نستكره قول القائل:الليـــل ليل والنهار نهار *** والبغـــل بغل والحمار حمارُ

والديك ديك والدجـاجة مثله *** وكـــــلاهما طير له منقارُ كما نعرض عن أدب يتطرف في الفكرة أو المعنى لدرجة التقريرية، فيكون مواعظ وخطبا ليس الأدب مجالا لها لأن ذلك خروج “من دائرة الفن إلى دائرة أخرى قد تكون الأبحاث أو الموعظة المجردة، وهذه وتلك ساحات يشغلها غير الأديب”30 والمطلوب في الأدب الإسلامي أن يكون متوازنا في شقيه المضمون والشكل. وهذا ما أسماه حازم بتناسب “جهتي المسموعات والمفهومات”31.

وإلى هذا أشار الدكتور محمد أحمد عزب: “فالأدب الإسلامي ينبغي أن يكون معياره الفني مبرءا من عيوب الخطابية والتقريرية وجمود الشكل، ونثرية العبارة وبهوت الصورة، ولكن يحسن ألا يغيب على بال الناقد أنه يجب ألا يطغى الإحساس بالجمال الفني على الفكرة الملتزمة بالخطة الإسلامية، ولقد ضرب عمر رضي الله عنه في قولته المشهورة في نقد شعر زهير بن أبي سلمى مثال التوازن النقدي بين الشكل والمضمون، كان لا يعاضل بين الكلام، ولا يتبع الحوشي، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه”32.

9  الفاعلية والتأثير: وهذه سمة تميز الأدب الإسلامي وهي كذلك شرط فيه ليكون أدبا مبلغا وموصلا لقيم الإسلام العظيمة ومبادئه المثلى. وتكون الفاعلية في حمل المتلقي على تمثل قيم الخير واجتناب عوارض الشر، أي أن هذا الأدب الإسلامي يسعى إلى التخلية والتحلية، عبر دفع الإنسان إلى طرح الخصال المذمومة، واكتساب الخصال المحمودة. وهذه الفاعلية وهذا التأثير مرتبطان بعنصر الإقناع الذي جاء متكاملا في الخطاب القرآني، الذي جمع بين التبشير والإنذار. وبين الوعد والوعيد، وإقامة الحجة ودعوة الإنسان إلى التأمل والتفكير واستعمال عقله قبل القبول والرفض. وهذا ما نجده متجليا في جوامع الكلم في البلاغة النبوية.

بالصدق وببيان الحقيقة يكون للأدب قوته وفاعليته وتأثيره لأن: “صدق المضمون وبيان الحقيقة هما الكيف الذي به يكسب الأدب الإسلامي قوته ونفوذه وفضيلته ليغزو ضمير الإنسان في عالم التجارة العملاقة.”33.

10 – العالمية: وهذا يرتبط بطبيعة الرسالة المحمدية، إذ هي عالمية، في قوله تعالى: “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا”34، وقوله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”35. فهي رسالة تستهدف الناس جميعا، لا يستثنى من ذلك أحد، دون إكراه مع الاستعداد لتحمل المسؤولية في هذا الاختيار. ولذلك لم يغمض للأولين جفن فراحوا يجوبون الآفاق بحثا عن أرض لم يصلها هذا النداء الرباني إخلاصا لله، وتأدية للأمانة الملقاة على عاتقهم حتى يكون الإعذار بعد التبليغ.

وعالمية الرسالة، تستوجب أن يكون هذا الأدب له من الوسائل ما يستطيع به ولوج المحافل المختلفة، وخرق الحواجز التي تعترضه ليكون قادرا على تبليغ الرسالة، وينافح عن الحق الذي لم يكن ليظهر لولا الجهاد بالكلمة، “وجاهدهم به جهادا كبيرا”36، لتصل كلمة الحق الصادقة إلى كل ربع وبطن ومكان. وليتحقق موعود النبي صلى الله عليه وسلم بوصول الإسلام إلى كل بيت مدر ووبر في هذا العالم.

في الختم:وبعد هذا جهد المقل، وهذه محاولة محتشمة، لا تدعي الإحاطة، ولكنها تستفز العقل والهمم لركوب متن البحث، وقاطرة التقصي لتحصل الفائدة ويعم الذكر وتظهر الحقائق، وليستوي الأدب الإسلامي على سوقه فينفتح المجال وتطرق الأقلام أبوابا ظلت إلى حين مغلقة، فها هو النداء للكشف عن جواهر الفكر والإبداع والفنون الموصلة إلى باب الله المفتوح دائما، فأنعم به فعل في زمن المطرقة والتدكيك.

والصلاة السلام الأتمان الأكملان على رسول الرحمة والخير والشفاعة، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

والحمد لله رب العالمين.

————————–

26 عبد السلام ياسين – المنظومة الوعظية.

27 نفسه.

28 ذ  جابر عصفور، مفهوم الشعر في التراث النقدي والبلاغي  دار التنوير  بيروت  ط: 2

 1983 م  ص: 46.

29- الأستاذ عبد السلام ياسين- المنظومة الوعظية.

30- د  نجيب الكيلاني  مدخل إلى الأدب الإسلامي ص: 103.

31 حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء  تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن خوجة  دار الغرب الإسلامي  بيروت  1981  ص: 286.

32- د – محمد أحمد عزب عن البطل والبطولة من المنظور الإسلامي مجلة الأمة العدد 43-السنة الرابعة-رجب 1404ه ص: 34  35.

33 عبد السلام ياسين – المنظومة الوعظية.

34 سورة سبأ  الآية: 28.

35 سورة الأنبياء  الآية: 107.

36 سورة الفرقان  الآية: 52.