سؤال: هناك سؤال يفرض نفسه في أول لقاء، كيف كانت بداية الأستاذ منير الجوري مع الفن؟

جواب: بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة على رسول الله الأمين. ابتدأت علاقتي بمجال الفن منذ طفولتي سواء داخل عائلتي أو من خلال مشاركتي في الأنشطة الفنية المدرسية قبل أن أتلقى دروسا في الموسيقى بدار الشباب لكن لمدة قصيرة اتجهت بعدها، وبتوجيه من أحد الأساتذة، إلى مجال المسرح بنفس الدار حيث أتيح لي اللقاء المباشر بمجموعة من المتخصصين استفدت من تجربتهم من خلال مشاركتي إلى جانبهم في أعمال مسرحية وحضوري للعديد من الملتقيات الوطنية. وفي السنين الأخيرة توجهت إلى التأطير والدراسة والكتابة في مجال الفنون بشكل عام.

سؤال: ما تقييمكم لنظرة أبناء الصحوة الإسلامية للفن عموما؟

جواب: ما زال الكثير من مساحات الفن لم تغط بشكل كبير سواء من الناحية الفكرية أو الإبداعية والسبب في ذلك يرجع إلى ترسبات تاريخية غلفت الفن عموما بسياج من الاتهام المبدئي للفضاء الفني ولمرتاديه، وعليه نجد أن أبناء الصحوة يتعاملون مع بعض الأجناس الفنية بكثير من الحذر والتريث كمن يلتمس طريقه وسط عتمة الليل الدامس، وهو أمر له ما يبرره إذا استحضرنا المنزلقات الأخلاقية التي تحيط بالموضوع. لكن بالمقابل لا بد من الاقتحام لبناء ذوق جديد وتصور جديد ومفهوم جديد ورأي جديد يكون مقنعا ومحببا، وهي مهمة ليست سهلة لكنها ضرورية، والنجاح فيها يحتاج إلى مساحة من الاجتهاد الفقهي المؤصل والفهم الفني الناضج الذي يسمح بالغوص في تفصيلات أعمق تمكن الحركة الفنية الإسلامية من أدوات أقوى لتسجيل حضور أكثر تأثيرا في الساحة الفنية.

سؤال: “فضاء الفن يحتاج إلى حذر شديد نظرا للخيط الرفيع الذي يفصل بين الخير فيه والشر” جملة وردت في إحدى كتاباتك جعلتني أفكر فيها مليا، هل من توضيح حتى تعم الفائدة؟

جواب: غالبا ما يتهم الفنان بأوصاف قدحية تمس بالخصوص الجانب الأخلاقي، ويجد هذا الاتهام أدلته في واقع نعرف جميعا حقيقته. إلا أني أعتقد أن العيب ليس في الفنان وإنما في الوسط الفني الذي يجبر العاملين فيه على الامتثال لأعراف وقواعد وآليات اشتغال يتحكم فيها دعاة الفلسفات الفنية المنحلة وشركات الإنتاج المهيمنة. وليس في هذا الكلام إعفاء للفنان من مسؤوليته الفردية، إذ أنه محاسب على ضبط إيقاعه بما لا يطمس هويته وبما لا يدفعه للهروب والاعتزال التام. ومن أجل ذلك لا بد من التوغل برفق مصحوب بالتواضع والرجاء الدائم في الله حتى يوفقه إلى تمييز الخبيث عن الطيب.

سؤال: “الفنون في خدمة قضايا أمة” شعار طرحتموه مؤخرا، كيف يمكن أن يكون الفن حاملا لهذه القضايا؟

جواب: لا يمكن أبدا أن نفصل الفن عن الحياة، لذلك ظل الفن وسيلة للتعبير عن آلام وآمال الشعوب والحضارات. وباعتبارنا أمة عربية إسلامية لا بد أن يكون فننا في عمق قضايانا المصيرية، صغيرها وكبيرها، وأعتقد أن أم القضايا هي قضيتنا مع الله الذي منها وبها ولها نحن أمة الإسلام نعيش، ثم بعدها تأتي القضايا الاجتماعية والسياسية والجمالية والعاطفية وهذا ما يعطي للفن بعده الوظيفي دون الإخلال ببعده الجمالي.

سؤال: المرأة والفن ومن ضمنه المسرح: هل من خصوصية؟

جواب: خصوصية المرأة تقابل خصوصية الرجل، حيث خص الله عز وجل كلاّ منهما بما يميزه عن الآخر وبما يحقق التوازن في الكون والحياة، فإذا كانت هذه هي الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها فإن على الفن أن يعكس ذلك بشكل موضوعي وواقعي وألا نتجاوز ذلك بمسميات أخرى. إلا أن هذه الخصوصية لا تلغي حق المشاركة والإبداع في مجال الفنون وإنما ينحصر دورها في توظيف الرجل والمرأة في أدوار تعكس مميزات كل منهما دون مبالغة أو ابتذال.

سؤال: بين الغناء والمسرح: هل من مشترك؟

جواب: الغناء والمسرح يشتركان في كونهما فنين، بمعنى أنهما وسيلة للتعبير عن حال ووجدان الفنان بطريقة جميلة، وهما بذلك يشكلان وعاء يحمل رسالة الفنان إلى الناس. ويختلفان في طريقة التناول والتعبير وفي الوسائل التي يوظفها كل منهما ومدى تأثيره. ففي الوقت الذي تعتمد فنون الدراما عموما ومنها المسرح على تأثير الصورة أي التأثير من خلال العين أكثر، نجد أن الغناء يستعمل السمع كوسيلة للتأثير في الذكاء الجمالي. ولكل وسيلة قوتها وتأثيرها الذي لا يقل أهمية عن تأثير الأخرى.

سؤال: الملاحظ أن هناك تركيزا كبير على الأغنية (الأنشودة) لدى المهتمين بشأن الفن “الإسلامي” مقارنة مع المسرح، وهو ما يعكسه حجم التطور الذي عرفته “الأنشودة” على الأقل من ناحية الوسائل والجمهور والأفكار.

جواب: لا أرى أنه من الحكمة مقارنة حركية مجالي الغناء والمسرح ومحاسبة أحدهما بنفس معايير محاسبة الآخر، لأن هناك معالم مختلفة لتقويم أداء كل منهما، سواء من حيث الإمكانيات المادية والزمنية والإبداعية فضلا عن مجالات التصريف ومتطلبات اللقاء مع الجمهور، ومن المؤكد في هذا السياق أن المسرح يكلف أكثر ويتطلب مجهودا أوفر وهو ما يقف عائقا أمام انتشاره في صفوف الصحوة الإسلامية. يمكن أن يضاف إلى هذا ما يعيشه المسرح بشكل عام من تضييق بسبب سيطرة ثقافة الصورة الإلكترونية وما توفره من متعة وإشباع من خلال خدع الصوت والصورة التي تطورت بشكل رهيب في السنين الأخيرة مقابل مسرح ظل وفيا لمجابهة المتفرج بحقيقة نفسه بشكل طبيعي أقرب إلى الواقع في أبعاده الزمانية والمكانية. والإنسان بطبعه لا يقبل الحقيقة كاملة فيهرب إلى حقيقة خادعة يجدها بعيدا عن المسرح.

سؤال: مسرح “إسلامي” احترافي: ما عوائق وجوده؟

جواب: عندما نتحدث عن الاحتراف فنحن بالضرورة نستحضر الإمكانيات المادية والدعائية والإعلامية وفضاءات العرض وغيرها من الأمور التي لم تجد مكانتها الحقيقية في العمل الإسلامي بسبب إغفالها أو بسبب التضييق الذي يمارس على كل فن له صلة بالمرجعية الإسلامية من طرف الأنظمة الحاكمة أو اللوبيات التي تتحكم في دواليب الفن. أعتقد أن هذا تحدّ كبير ينضاف إليه سببان ذاتيان، يتعلق الأول بالنظرة الانحباسية للعديد من المحسوبين على الصف الإسلامي للمسرح، وأيضا لمسألة الإبداع والتعبير الفني في هذا المجال والذي يتطلب منا التجديد في فقهنا وفي حاجياتنا الجمالية وطريقة تناولها.

سؤال: ما يحتاجه المسرح من نصوص وديكور وأزياء وإخراج..إلخ، لابد وأنه يحتاج إلى طاقات “مبدعة” هل من رسالة توجهونها للشباب بهذا الخصوص؟

جواب: الإبداع ملكة وعطاء من الكريم الوهاب، وجب توظيفها لما يخدم الهدف الأسمى من الحياة، يقول تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” لذلك على الشاب المبدع أن يتعلم كيف يعبد الله تعالى ويتقرب منه ويسلك إليه طلبا لرضاه بتوظيف ملكاته الإبداعية في أي مجال من مجالات الحياة.

ولكي نكون محسنين في عبادتنا علينا أن نكون محسنين في إبداعنا، أولا من حيث الغاية والنية التي يجب أن تكون خالصة لوجه الله الكريم، ثانيا من حيث المضامين والأشكال التي يجب أن تتناسب مع الغاية، ثالثا من حيث الإتقان الجمالي الذي يتحصل بالبحث والدراسة والتكوين المستمر والاستفادة من الموروث الإنساني بما لا يضر بأصولنا.أسماء وتعليق:سؤال: بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله:

جواب: عابد زاهد وأديب رقيق وداعية حكيم.

سؤال: يوسف بن تاشفين رحمه الله:

جواب: قائد عظيم ومجاهد صادق وعابد مخلص.

سؤال: الشاعر محمد العربي أبو حزم:

جواب: فنان مبدع ومجاهد صابر وأخ حبيب.كلمة أخيرةجواب: أشكر الأخ محب على تفانيه في خدمة هذا الفن وأشكر القائمين على موقع “إنشادكم” وأسأل الله أن يكون لكلماتي أثر طيب في نفوس القراء والفنانين خاصة وأن تكون لهم دافعا لمزيد من الصبر والثبات على طريق الجهاد الفني، أسأل الله تعالى التوفيق للجميع. والصلاة والسلام على رسولنا الأمين.