المقاومة في العراق: ما لها وما عليها

أولا: إنجازات المقاومة.

استطاعت المقاومة في العراق، والحمد لله، خلال فترة وجيزة من الزمن تحقيق إنجازات كبيرة رغم بساطة الوسائل وقلة الإمكانيات ومباغتة الزمن فقد كان السقوط السريع للنظام البعثي بداية مسلسل المفاجآت المدهشة‏،‏ ليس لأن أحدا لم يتوقع أن ينتصر الجيش العراقي على قوات التحالف‏،‏ ولكن لأن لا أحد توقع أن يكون السقوط بتلك السهولة الفاضحة‏.‏ وكما سقط النظام بمنتهى السهولة‏،‏ فإن المقاومة ظهرت بمنتهى السرعة‏،‏ وهذا غالبا ما يخلف ارتباكا قد تترتب عنه أخطاء في البداية. ولذلك تنبأ الكثيرون، منذ البداية، بأن مهمة الأمريكان لن تكون سهلة والطريق أمامهم لن يكون مفروشا بالورود. هذا ما تنبأ به “كينيث إم. بولاك” Kenneth M.Pollack الباحث في معهد “بروكينجز” المعروف بعلاقاته الوثيقة بصناع القرار الأمريكيين “نعم.. سقط صدام؛ ولكن الحرب لم تنته بعد فما زال أمام قوات التحالف مهام أخرى”

تمكنت المقاومة من تحويل العراق إلى مستنقع ومقبرة للأمريكان، وتمكنت من تكسير هيبة البعبع الأمريكي، وتكبيده خسارات جمة بلغت أكثر من 3402 جندي أمريكي قتيل منذ بداية الغزو، أما عدد الجرحى فأكثر من ثلاثين ألفًا، أما الكلفة المادية للحرب ففاقت ال500 مليار دولار. ولقد كشف كلينتون عمق معاناتهم الاقتصادية بقوله : “كل يوم من أيام السنة تذهب حكومتنا إلى السوق لتقترض مالا من دول أخرى لتمويل حرب العراق وأفغانستان وكاترينا. ولم نفعل ذلك من قبل أبدا، لم يحدث في تاريخ جمهوريتنا أن مولنا صراعات خارجية أو تدخلات عسكرية بالاقتراض من دول أخرى. إننا نعتمد على اليابان والصين والمملكة المتحدة والسعودية وكوريا بشكل أساسي لإقراضنا أموالا كل يوم من أيام السنة لنواجه عجزنا. لا أعتقد أن ذلك شيئا معقولا”.

فاتورة احتلال العراق، إذن، كانت باهظة لم يكن ينتظرها الأمريكان أبداً. هذا ناهيك عن الخسارة السياسية والإعلامية من قبيل فشل الحزب الجمهوري في الانتخابات التشريعية وسيطرة الديموقراطيين على الكونغرس بمجلسيه، وصدور تقرير بيكر – هاملتون، الداعي إلى إعادة النظر في الاستراتيجية التي اعتمدت في العراق والمنطقة، وسلوك طريق الحوار مع كل من سورية وإيران، من أجل إيجاد طريقة للانسحاب من العراق بأقل الخسائر، وبما يضمن الحفاظ على مصالح أمريكا الحيوية في المنطقة.

ولتأكيد ما سبق، نعرض هنا آراء عدد من الخبراء في واشنطن ممن كان لهم، ولا يزال، أدوار وعلاقات هامة بالعراق قبل الغزو وبعده.

تقول مارينا أوتواي Marina Ottaway، زميلة برنامج الديمقراطية، وحكم القانون بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي بواشنطن: “نحن لا نسير في طريق تحقيق النصر في العراق، ونحن لم نخسر الحرب في الوقت ذاته”

أما نير روسين Nir Rosen، زميل الدراسات الخارجية بالمؤسسة الأمريكية الجديدة، والذي يعمل صحفيا مستقلا وغطى الكثير من الأحداث الهامة في العراق فيقول: “إدارة بوش خسرت الحرب في العراق بعدما انتصرت على الجيش العراقي بسهولة”

وفي نفس السياق يقول مايكل أوهلنان Michael O Hanlon زميل الدراسات الخارجية والاستراتيجية بمعهد بروكينغز بواشنطن: “من غير المعقول القول إننا نكسب الحرب في العراق، فهذا لن يتوافق.. نحن الآن متورطون فيما يمكن تسميته وضعا شديد الصعوبة فيه الكثير من العنف”.

ضغط شعبي أمريكي يتنامى يوماً بعد يوم ويستغله الحزب الآخر، أي الديمقراطيون، لحمل إدارة بوش على الانسحاب أو جدولة الانسحاب من العراق ووقف الحرب، وقد تجسد هذا الضغط بأشكال متنوعة كالتظاهرات الجماهيرية الجبارة التي اندلعت في كبرى المدن الأمريكية في الذكرى الرابعة للغزو الأمريكي للعراق، وتفاقم حالة الاستياء والتذمر والغضب بين الناس لاسيما أهالي وعائلات الجنود الموجودين على أرض المعركة ويواجهون خطر الموت في كل لحظة. الخوف هو الشعور الطاغي على نفوس الأمريكيين فالجنود العائدون إلى مدنهم في أمريكا مصابون بأمراض نفسية خطيرة وتنتشر بينهم حالات الانتحار الدائم والتعرض للكوابيس، إلى جانب حالة الأرق والذعر المستمرة التي يعبرون عنها في رسائلهم رغم تعرضها للرقابة الشديدة وتعريض أصحابها للتوبيخ والتهديد المبطن لهم ولعائلاتهم، فضلاً عن معاناة الجنود المعوقين المصابين بعاهات وجروح خطيرة وأعضاء مقطوعة نتيجة تعرضهم لتفجر عبوة ناسفة أو قصف لعرباتهم، والذين واجهوا الإهمال بعد عودتهم لبلادهم حيث حاول العديد منهم كسر جدار الصمت الذي يلفهم رسمياً ويمنعهم من كشف الحقائق بتهمة الخيانة وعدم الانضباط والإخلاص وانعدام الوطنية، بل وحتى من عاد منهم سالماً من الناحية الجسدية فإنه معطوب من الناحية النفسية ويبحث عن سلاحه عند سماعه لأي ضجيج أو فرقعة، ومنهم من أصابته حالات من الصرع والهذيان والبارانويا ويتحدث بعصبية ويقود سيارته بسرعة جنونية كما لو أنه يريد أن يهرب من وحش أو خطر داهم يتربص به.

الخلاصة أن أمريكا فشلت في إحكام قبضتها على العراق، وغرقت في وحوله، وباتت عرضة لحرب استنزاف شرسة تخوضها ضدها المقاومة العراقية.

استطاعت المقاومة في العراق أن تحقق كل هذه المكاسب في زمن قصير وبإمكانيات بسيطة وأمام عدو يحسب له ألف حساب. وبغض النظر عن الخسائر الأمريكية الباهظة في الأرواح، والمعدات، والأموال، والجهود، فإن قيمة المقاومة لا تحسب بعدد أفرادها، ولا بكمّ الخسائر الذي توقعه بعدوها، ولا بالمعدات التي تتوفر عليها، بل تحسب بالقدر الذي تجبر عدوها على تخصيصه من الموارد والقوى والأعصاب والانشغال..

ومن هذا المنظور، فإن المقاومة العراقية حققت إنجازات باهرة، يشهد لها التخبط الأميركي، وتشهد لها التشققات والتصدعات التي تجلت علناً في الجدران الأميركية. ولن يجدي أمريكا نفعاً تبديل القادة، أو تغيير الخطط والأدوات، ولا ضخ الأموال الجديدة، ولا غير ذلك من الخطوات. لا بديل عن الانسحاب الفوري وغير المشروط.

ثانيا: تشويه المقاومة

أمام إنجازات كهذه كان لا بد لقوى الاحتلال أن تلعب بما تأتى لها من مكر وخديعة لتشويه المقاومة والعمل على عزلها عن محيطها، فوظفت آلتها الدعائية وعملاءها وأقلامها المأجورة، وعملت على الترويج إلى أن ما يحدث في العراق ليس مقاومة بل عمليات إرهابية يقوم بها تنظيم القاعدة ومن يقاوم المحتل من العراقيين، وتشويه صورة كل فصائل المقاومة بتعميم أخطاء البعض على الكل لزعزعة ثقة الرأي العام برموز المقاومة والتشكيك فيها وفي نواياها، وبث سموم الفرقة والانقسام بين فصائلها وبين أبناء البلد الواحد بعد أن كانوا في تعايش آمن ومستقر قبل قدوم الاحتلال.

1- قتل المدنيين: ولم تقتصر على ذلك، بل قامت في لحظات كثيرة بتوجيه ضربات ضد المدنيين العراقيين وتحميل المقاومة مسؤولية ذلك، أو تشجيع من يقوم بها والسكوت عنه، ومما يبرر هذا فشل القوات الأمريكية في اعتقال المخططين والمنفذين لهذه العمليات.

والجزء الثاني من خطتها هو العمل على بث الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة، بحيث يظهر أن الشيعة يعملون على ضرب السنة، والعكس، ويدخل المحتل الأميركي كطرف يسعى إلى التهدئة وحماية الاستقرار. ومن أجل ذلك عمد الاحتلال إلى تشكيل فرق خاصة مهمتها القيام بسلسلة من عمليات التفجير والقتل على الهوية وإطلاق قذائف الهاون على تجمعات الناس، والإقدام على مهاجمة مواطنين وقتلهم ونصب الحواجز لسيارات مدنية والاعتداء على المواطنين فيها، وتفجير السيارات المفخخة في الأسواق، وبث الشائعات التي تظهر أن هذا الطرف العراقي هو الذي أقدم على هذه الأفعال، وكان أكثر الأمور استفزازاً وخبثاً إقدام الاحتلال الأمريكي على ترتيب عملية إعدام صدام حسين بطريقة تخدم مخططه لإحداث الفتنة وإذكائها. وهذا يعيد إلى الذهن عملية إسقاط تمثال صدام، بعد سقوط بغداد، لإظهار ترحيب الشعب العراقي بالجنود الأمريكيين.

عمد الأمريكان إلى أخس الوسائل لتحقيق هدفهم فقد تحدث (جون هيلاري) مدير السياسات والحملات لمنظمة “وور اون وونت” عن استعانة أمريكا وبريطانيا ب48 ألف جندي مرتزقة غير خاضعين لأي قانون يحاسبهم على انتهاكاتهم التي يقومون بها في العراق وعلى رأس الشركات التي تمد المحتل بهؤلاء المرتزقة شركة “بلاك ووتر” المرتبطة بفرسان مالطا في العراق الذين أصبحوا يشكلون الجيش النظامي الثاني من ناحية العدة والعدد بعد الجيش الأمريكي في العراق، وساهم في ذلك قرار أصدره الحاكم المدني السابق للعراق “بول بريمر” بتاريخ 27-6-2004 يمنح الشركات الأمنية حرية العمل في العراق، كما منحها حصانة قضائية ضد ملاحقة القانون العراقي لها الذي وضعه فيلدمان الصهيوني. ومن بين تلك الشركات شركات صهيونية ينتشر عملاؤها في السجون العراقية، خاصة أبو غريب، مهمتهم نزع الاعترافات من المعتقلين بكافة وسائل التعذيب دون أن يخضع أي منهم لأي محاسبة قانونية.

خلق الاحتلال الأمريكي بنية ووضع سياسات تسبب الخلاف والشقاق. ففي بلد مفقر مزقته الحرب، وضع في المناصب آلاف المتعاونين الذين يستند موقعهم وامتيازاتهم المستمرة إلى عراق مقسَّم ومحتل وجريح.‏

ثمة مصدر آخر للعنف وعدم الاستقرار هو وجود 16 وكالة استخبارات سرية أمريكية على الأقل، مع عملائها وأجنداتها، تعمل في العراق. ويوجد الآن 100.000 متعاقد يعملون لصالح الولايات المتحدة في العراق، ويعمل 30.000 إلى 50.000 منهم في “الأمن” (واشنطن بوست في 5 كانون الأول 2006). وهؤلاء كلهم بنادق مأجورة. إضافة إلى هؤلاء يوجد موظفون متورطون ينتمون إلى الموساد الإسرائيلي والقوات الخاصة التابعة لبلدان أخرى.‏

2-الفتنة الطائفية: تعلن أمريكا، كذبا،ً تأييدها لعراق موحد، ولكن تعميق الانقسامات بين العراقيين يكشف زيف ادعاءاتها، حيث عمدت إلى تفتيت وحدة العراق على أسس طائفية، وعملت على تقسيمه إلى ثلاث دويلات وفق الخطوط الطائفية والإثنية، واعتمدت المحاصصة الطائفية، وخلقت أجواء متشنجة بين الشيعة والسنة.‏

3- الاحتلال أصل المشكلة: الاحتلال الأمريكي مسؤول عن العنف في العراق اليوم، ومسؤول عن الفتنة الطائفية هناك. وحتما لو انسحب ستتغير العلاقات بين كل مكونات الشعب العراقي نحو الأفضل.

ثالثا: تقييم للمقاومة في العراق.

ما تقدم الحديث عنه من إنجازات للمقاومة، ومن مخططات لتشويه صورتها لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات على سلوكات بعض فصائلها- ولا نعمم لأن في التعميم ظلم وحيف- التي تضعف مردودية العمل المقاوم وتخدش في نقائه وتشوش على صفائه. ولا نحتاج إلى التأكيد على أن الهدف من إبداء هذه الملاحظات هو الغيرة على المقاومة والحرص على تصويب أدائها بما يجعلها حالة مجتمعية تتمتع برضى كل فئات المجتمع.

1. الفتنة الطائفية: سلوك لا يمكن أن يكون إلا مضراً لعمل المقاومة خاصة حين يصبح القتل على الهوية والانتماء طابعا عاما، يتحول بسبب ردود الأفعال إلى اقتتال داخلي يريح المحتل ويضعف المقاومة ويفقدها التعاطف الشعبي ويشوه نبل رسالتها. لا بد من التنبه إلى خطورة التعبئة المذهبية في العراق والمنطقة العربية كلها، فليست كل الطائفة الشيعية مع أمريكا، كما ليست كل الطائفة السنية ضد أمريكا، والصحيح أن هناك من الشيعة والسنة من يدعمون ويؤيدون الاحتلال الأمريكي ويستندون إليه لتحقيق مآربهم الخاصة، وهناك وسط السنة والشيعة من يقاتلون الاحتلال الأمريكي ويرفضون مشاريعه ومخططاته.

2. قتل المدنيين: وذلك من خلال استهداف أماكن تجمع المدنيين (أسواق، دور عبادة، مدارس، مستشفيات…) سواء عبر تلغيمها أو ما شابه ذلك. إن أفعالا كهذه لا يمكن قبولها لأن قتل المدنيين تلعنه شرائع السماء ومواثيق الأرض، ولذلك قال الله عز وجل “مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ” (المائدة : 32 )، وضرب المدنيين يهلك رأسمال البلاد وهو الإنسان، والمقاومة هدفها الإنسان وليس الأرض فقط، فما جدوى تحرير أرض بعد إبادة سكانها، وما جدوى وطن محرر يعيش فيه المواطن في حالة خوف ورعب مرافق له طيلة حياته.

إن من يقوم بهذه العمليات جماعات لا تميز بين المحتل وغيره وتفتقد للوضوح في الرؤية لأنها فقدت البوصلة الموجهة وصارت لا تستثني حتى المختلفين معها في النهج، ولو كانوا مدنيين.

3. ضرب المنشآت: وخاصة المنشآت التي ينتفع منها العراقيون والتي يتضررون من زوالها كالمدارس والمستشفيات، وكذا استهداف دور العبادة وعدد من المرافق العامة. هي سلوكات تؤثر على فعل المقاومة وتلقي بظلال الفتنة على البلاد فيختلط الحق بالباطل والخير بالشر فتتداخل الأمور على الناس فإذا بهم يفضلون حاكما مستبداً أو محتلا ظالماً يضمنون معه استقراراً وأمنا على مقاومة تأتي على الأخضر واليابس. من المستفيد من تدمير منشآت البلاد؟

إن ضرب البنيات التحتية للعراق وتدمير مرافقها العامة لا يستفيد منه إلا المحتل ولذلك نجده أطلق 110.000 غارة جوية في عام 1991، مستهدفاً تدمير المنشآت الحيوية للبلاد لتجويع الشعب وتقطيع أوصال البلاد.

تخريب البنية التحتية وتحطيم الدولة ونهب الثروة الطبيعية لا يخدم إلا المحتل ويضر بالعراقيين.

وختاما

لا يسعنا، في الختام، إلا التأكيد على خيار المقاومة باعتباره الأنجع لتحرير الأرض والإنسان وحفظ السيادة. ونصر المقاومة متوقف على:

1- نجاحها في كسب قوى ومناطق جديدة، أو تحييدها ومنعها من التعاون مع الاحتلال.

2- تغليب خطابها الوحدوي على عناصر التجزّؤ والانقسام الطائفي، والعرقي، والجغرافي.

3- تنسيق عمل فصائلها بهدف التكامل والتعاون.

4- قد تكون هناك خلافات في الرأي والتكتيكات على أرضية مواجهة الاحتلال، وعلى جميع فصائل المقاومة إدراك ألاعيب المحتل لضرب العراقيين بعضهم ببعض.

إذا ما نجحت في هذا، فإن هزيمة الاحتلال الأميركي مؤكدة ، بأسرع ما يمكن، وبأقل الخسائر.

أدت المقاومة دوراً مهماً، حيث أربكت المحتل، وأظهرت عجزه عن السيطرة التامة وضمان الاستفراد بالعراق، وما على فصائلها إلا أن تحس بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها. وسبيل ذلك الحرص على تميزها عن العصابات الإجرامية وفرق الموت التي تستغل حالة الفتنة لتعيث في الأرض فسادا وإفسادا.