خطرت لي هذه الفكرة الآملة، أو الحالمة بالأحرى، وأنا أتابع الفوز الكبير لحزب العدالة والتنمية بالانتخابات التشريعية التركية واكتساحه قبة البرلمان من جديد، بقيادة رجل السياسة والدولة “طيب رجب أردوغان”.

وتساءلت: هل بالإمكان أن يظهر “أردوغان” مغربي في أفق الاستحقاق التشريعي المقبل؟ وهل يتوفر الشرط الذاتي في القيادات السياسية المغربية والشرط الموضوعي في المجال السياسي لمثل هذا الظهور؟.

أردوغان والقيادات السياسية المغربية.. مفارقة !!

ما بين قائد العدالة والتنمية في بلاد العلمانية والقادة السياسيين في الأحزاب المغربية بون شاسع، ومسافة أخلاقية وفكرية وسياسية تصعب معها المقارنة إن لم تستحيل، وبالطبع فالقاعدة المغربية قد يكون لها استثناء. وهذه بعض أوجه المقارنة/المفارقة:

* رجل الشارع البسيط: إن أول مفارقة بين “طيب رجب أردوغان” وزعماؤنا السياسيون هو أنه ابن الشعب ورجل المجتمع البسيط، الذي يعايش مواطنيه وينظر لهم على هذا الأساس طوال العام ولا يرى فيهم فقط “صوتا انتخابيا” في لحظة زمنية عابرة كما هم ساستنا.

الرجل لم يمنعه تولي رئاسة الوزراء منذ عام 2003، مثلا من أن يفطر رفقة زوجته أغلب أيام رمضان مع الأسر الفقيرة مواساة وتقربا، ولم يدفعه موقعه القيادي إلى تغيير محل سكنه البسيط ليصبح قصرا فاخرا لا يعرف مكانه ويستحيل حتى الوصول إليه. أما القادة المغاربة فلا نراهم عيانا إلا أثناء الحملة، أما بعدها فسلام على الوعود والإنجازات، ويا ليت الأمر تعلق بالأمين العام أو القيادات الوطنية بل إن فيروس الاختفاء شمل حتى قياداتها المحلية والمنتخبين المحليين.

وليتضح الفارق الصارخ بين “أردوغان” قائد الحزب ورئيس الوزراء المواطن وبين الزعامات السياسية المستعلية في أبراجها البعيدة عن هموم الوطن، فقط أذكر أنه ومنذ مطلع 2006 أتاحت رئاسة الوزراء خطا هاتفيا مجانيا للأتراك لبث الشكاوى والاقتراحات. أما المغاربة فلا يعرفون إلا أرقام 19 و15 و… لطلب النجدة المتأخرة دوما.

* رجل المشروع المخلص: بغض النظر عن اختلاف الكثيرين معه في تقديره لاستحقاقات المرحلة وتقديره للزمن السياسي الذي يعيش فيه العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية والمنشق عن حزب الفضيلة، يحسب للرجل إخلاصه لمبادئه ومشروعه. فرغم إمساك المؤسسة العسكرية بعصا الانقلاب وتلويحها بها كلما تخطى الحزب العلمانية المقدسة أو تجاوز النظرية الكمالية المتطرفة، فإن “أردوغان” لا يخفي مرجعيته الإسلامية ولا يفتأ يذكر بها وينتصر لها استراتيجيا. المهم أن الرجل مخلص لمشروعه سواء اختلف معه حزب السعادة الإسلامي وانتقده بشدة أو توجست منه الأحزاب العلمانية والقومية.

عندنا الإخلاص يكون للكراسي والمصالح، والتحالف ينبني على الامتيازات والموقع، فقد مات المبدأ ودفن المشروع ووئدت القيم الإيديولوجية والمشاريع السياسية والبرامج الانتخابية. وأعدم في المغرب رجل المشروع المخلص وولى زمن أحزاب الإيديولوجيا، إذ بمقدور كل الأحزاب أن تتحالف مع جميع الأحزاب!! خاصة عندما يعين الملك الحكومة الموقرة لتشمل ألوان الطيف جميعا ولا اعتراض حتى على الأشعة فوق البنفسجية. في بلادي حنكة الأحزاب السياسية تقتضي الوصول إلى الكرسي والحفاظ عليه حتى ولو كان عبر التحالف مع الشيطان !!.

* رجل السياسة اليومي: يشهد التركيون لرئيس وزارئهم حركية غريبة وطاقة قوية في خدمة البلد، حتى قيل بأنه ينهك رفاقه ويتعب مرافقيه. فهو يتنقل بشكل شبه يومي بين محافظات تركيا الـ 81 في همة ونشاط هائلين.

هذه الطاقة الخلاقة على العمل اليومي جعلت من “أردوغان” رئيس بلدية ناجح على مدى 4 سنوات، حيث انتشل مدينة إستانبول من الإفلاس، وحل الكثير من مشكلاتها الحياتية (انقطاع الكهرباء والمياه وتفشي القذارة)، وأصبحت المدينة في عهده واحة خضراء بسبب مشاريع التشجير الكبيرة التي نفذها.

مثل هذه الفاعلية حققت للرجل وحزبه فوزا ساحقا في 69 محافظة من محافظات تركيا الـ 81، ليرفع بذلك “العدالة والتنمية” حصيلته من أصوات الناخبين إلى 46.66% بما يزيد على 12% عن انتخابات عام 2002، محرزا 340 مقعدا في البرلمان.

في المغرب يسعى الزعماء إلى الحصيلة والنتيجة دون عمل قاعدي تحتي ودون خدمة شعبية، فالأزبال مترامية في كل مكان، والجريمة منتشرة في الأحياء، والعطالة في كل زقاق، ولا أحد من أحزابنا اعتبر الأمر مسؤولية سياسية تدخل في اختصاصه من خلال مجالس المدينة التي يوجد في تمثيليتها.

الأحزاب المغربية تريد أن تجيد الخطاب السياسي وتعيش في السجال الفكري والجدال الثقافي فقط، وليتها تجيد ذلك، أما التدبير اليومي لحياة المواطن ومعانقة همومه ومعايشة أحواله والتخفيف عن كل ذلك بتدابير يومية وإجراءات سريعة، فهذا الحلم الذي لا يتحقق إلا في المحافظات التي يديرها العدالة والتنمية في تركيا. فمن منكم شهد “أردوغان” مغربي ينزل يوميا ليدبر حركة الموطنين الاجتماعية والاقتصادية؟

* رجل الكاريزما المؤسساتي: يجمع المراقبون للوضع التركي أن “رجب أردوغان” يتميز بشخصية قوية وكاريزما عالية ومؤهلات قيادية متميزة، وهو وسط كل هذا رجل مؤسسات لم يلغ هياكل حزبه بل حافظ عليها وبث فيها روح الحيوية والجدة. وأذَكِّر هنا بعجالة ببعض اللمحات الفارقة.

أعلن الرجل أثناء الحملة الانتخابية عن تنحيه من رئاسة الحزب في حال هزيمة “العدالة والتنمية” في الانتخابات، وهذا حس قيادي عال في تحمل المسؤولية. وللأمانة يمكن القول أن هذه الخطوة قد تكون شبه عامة في البلاد الديمقراطية وعند التنظيمات التي تحترم نفسها، فهذا زعيم الحزب الديمقراطي، وريث حزب الطريق القويم، “محمد أغار” يقدم استقالته لأن حزبه حصل فقط على 5.41% من أصوات الناخبين.

أيضا أقدم حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات على ضخ دماء جديدة، حيث قام بتغيير ما يقرب من نصف نوابه في البرلمان، ثم قدم الحزب عددا لا بأس به من المرشحات، لتحقق 26 سيدة منهن التحاقها بالبرلمان وهو ضعف عددهن في البرلمان السابق.

لم تمنع كاريزما الرجل من الحفاظ على عمل مؤسسات الحزب وتجديد هياكله، عندنا لا القائد عنده كاريزما ولا الحزب له منعة الاستلاب. فلا الزعامات تستقيل إن هزمت إذ لا يهزمها إلا الموت، والوجوه لا تتغير إلا بالعراك و”الشُّوهَة” التي يعلم خبرها القريب والبعيد، وما الصراع على مقاعد وكلاء اللوائح التي راجت الأحقية فيها للقرابة والمحسوبية عنا ببعيد. أما المرأة ف”صوتها عورة” إن ابتعدنا عن اللائحة الوطنية و”عقلها ناقص” إن اقتربنا من اللوائح المحلية!!.

مفارقة صعبة حقا ومقومات شخصية وسلوكية وسياسية متمايزة، تجعل الشرط الذاتي في القيادة الحزبية المغربية غير متوفر، لأن عقليتها السياسية لم تتشرب القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية والآليات الديمقراطية، مما يستحيل معه أن نرى أردوغانا مغربيا في الانتخابات المقبلة.

أصولية تركيا ومخزنية المغرب.. تفوق !!

ثان مانع من موانع استنساخ “أردوغان” ليكون رئيسا لوزراء المغرب، هو اختلاف المجال السياسي والإطار العام بين تركيا “الكمالية” والمغرب الممخزن.

تميزت تركيا المعاصرة بعلمانية متطرفة، حين ألغى مؤسسها كمال أتاتورك ما أسماه “مقدس الدين” ووأد “الخلافة” العثمانية ليقيم مقدسا جديدا اسمه العلمانية الأتاتوركية. وأصبحت العلمانية من ثوابت تركيا الجديدة، وأضحت من مرتكزاتها الأصيلة التي لا يمكن تجاوزها أو المساس. وأبعد الدين تماما عن الحياة العامة وحورب أهله وقيمه وأخلاقه.

ولعل الانقلابات التي قام بها العسكر، الحامي العتيد للعلمانية الكمالية، أكثر من مرة، وحله لحزب الرفاه ثم الفضيلة وحضره على أربكان العمل السياسي وتوجسه من العدالة والتنمية، خير معبر على مدى أصولية علمانية تركية واستماتتها في الدفاع عن تطرفها.

على الرغم من هذه الخاصية الأكثر بروزا في تركيا الحديثة، يقر المراقبون بأن إستانبول تسمح بهامش من “الديمقراطية المقيدة”، أي أن اللائيكية هناك تسمح بمنظومة من الحريات والحقوق الضرورية. وهو غير المتوفر في كثير من النظم السياسية في البلاد “الإسلامية” المؤسسة على استبداد لا نفس معه للديمقراطية.

في المغرب حيث نظام الحكم المخزني وحيث النظام السياسي الشمولي، تتفوق الأصولية المخزنية على نظيرتها الأتاتوركية ليس على مستوى مساحة العمل السياسي بل وحتى على مستوى الأساس الإيديولوجي أيضا.

وأذكر، في سياق التجربة الانتخابية في البلدين، ببعض نقاط “تفوق” المخزن المغربي على علمانية تركيا المتطرفة:

* مشاريع مغايرة: في بلاد الأتراك يستطيع بعض الأحزاب والقوى السياسية أن يتبنى إيديولوجية مغايرة في جوهرها لطبيعة النظام السياسي ومباينة في عمقها للأسس التي يرتكز عليها، خاصة إن كانت هذه القوى ذكية في تصريف موقفها وحسبت للمرحلة حسابها.

إن كان الاختلاف قائما حول دقة حسابات العدالة والتنمية في تقديره للمرحلة السياسية التي تعيشها تركيا وتعاطيه مع ميزان القوى المهيمن، فإن كثيرون يقرون بإسلامية الحزب المناقضة تماما لعلمانية النظام، وكثيرون أيضا يرون فيه صوت الإسلام الذي لم يخبو في المجتمع وارتفع مدويا في السياسة، وهذا كله غير مقبول ويخالف جذريا مشروع أتاتورك العلماني.

في المغرب أصولية النظام السياسي أكبر وأقوى من نظام تركيا السياسي، إذ لا يستطيع أي مكون أن يحمل مشروعا مناقضا لطبيعة النظام وبنية المخزن ويكون مسموحا له بالفكر ومشروعا له بالحركة.

وإن وجد هذا المكون فلا يمكنه أن يتحرك في المجال السياسي الرسمي كما في تركيا، التي يتدخل جيشها على هذا المستوى لإيقاف الحزب “المتمرد”.

“إسلامية” الحاكم في المغرب أكثر أصولية من علمانية الحاكم في تركيا، إذ في الأولى التمسح ب”الدين المقدس” و”النص القاطع” ومن تم لا مجال للنقاش في “القطعيات” أما في الثانية فكيفما كان الحال هو “اجتهاد بشري” لا يلبث أن يثور عليه الشعب وينبذه المجتمع، وهذا ما يحصل فعلا.

* برامج مختلفة: في تركيا يسمح “هامش الديمقراطية” باختلاف البرامج الانتخابية، فالبرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية يباين مقترحات باقي الأحزاب علمانية كانت أو قومية أو إسلامية أو كردية، فيعيش الناخب التركي ثراءً في البرامح وتعددا في المقاربات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن تم يكون للتنافس معنى وللاختيار حقيقة.

أما في ظل النظام المخزني- وبالنظر إلى الخاصية التي أشرنا إليها سابقا: رفض أي مشروع مغاير ومخالف- فالبرامج الانتخابية واحدة لا خلاف بينها ومقترحاتها نفسها، ومن تم فسرقة هذا الحزب لبرنامج ذاك وارد وممكن حتى وإن كان، مثلا، الأول “ليبراليا” والثاني “اشتراكيا”.

ومن تم فالناخب ليس له أساس منطقي يختار في ضوئه بين البرامج المتنافسة (أغلبها مثلا سيوفر مئات الآلاف من مناصب الشغل، دون بيان الكيف !!)، كما أن المحلل السياسي ليس في حاجة إلى التدقيق في الفروق والتمايزات بينها مادامت أوراقا معدة للحملة الانتخابية ليس إلا، أما البرنامج الحقيقي الذي يتبارى الجميع في التنادي له والتسابق لخدمته فهو برنامج الملك ومحيط الملك.

* حكومة منسجمة: عشية انتخابات 22 يوليوز 2007 أدرك أردوغان أن بمقدوره تشكيل حكومة منسجمة خالصة من حزبه، وهو الذي روج في حملته الانتخابية لضرورة الحفاظ على الاستقرار السياسي لاستكمال المشاريع التي فتحتها حكومته السابقة.

يستطيع حزب ما في ظل علمانية أصولية في تركيا أن يفوز بالأغلبية المطلقة ويشكل حكومته المنسجمة، ولعل هذا هو المعنى الأصلي لعملية الانتخاب “التناوب على السلطة وممارستها”.

في ظل نظام مخزني، لا يستطيع حزب سياسي مغربي كيفما كانت قوته الجماهيرية وقدرته الإقناعية وإجرائيته البرنامجية أن يحقق أغلبية مطلقة، بل وحتى نسبية. ليس فقط لأن نمط الاقتراع يمنع ذلك أو عقلية الناخب تحول دون ذلك، ولكن لأن الإرادة السياسية للحاكم الفعلي للبد تريد برلمانا مفصلا على مقاس البلقنة، ومن تم فالحكومة تتكون على أساس التحالفات المشوَّهة الجامعة بين أحزاب أقصى اليمين وأقصى اليسار، إذ في المغرب انتهى التصنيف السياسي منذ زمن.

وللإنصاف فلا ضير من أن تكون الحكومة كذلك، ما دامت لجنة من اللجان ومؤسسة تقنية للاستشارة وديكورا “جميلا” يؤثث المشهد، وما دامت السلطة الحقيقية في المغرب لا يمكن العبور إليها عن طريق صناديق الاقتراع.

في تركيا يستطيع “طيب رجب أردوغان” أن يتبنى مشروعا مخالفا لجوهر النظام العلماني، ويمكن أن يصوغ برنامجا متمايزا عن برامج باقي القوى، ومن تم يتسنى له أن يشكل حكومة منسجمة مالكة لسلطة حقيقية، أما في المغرب فلا يستطيع ذلك.

في المغرب لا نستطيع استنساخ، حتى، تجربة “الديمقراطية المقيدة”، لأن أصوليتنا المخزنية المغربية أكثر أصولية وأشد تطرفا من العلمانية الكمالية التركية.

عفوا أردوغان.. لا مكان لك في المغرب، لأن عقلية القيادة الحزبية لم تتعود بعد على الممارسة السياسية الحقيقية، ولأن انتخاباتنا الوهمية لا يمكنها أن تفرز رجل سلطة حقيقي.

وعذرا للقارئ على هذه المقارنة التي لا تستقيم إلا في الخيال أما في الواقع فتستحيل، إذ لا قياس مع وجود الفارق.