كلام في كلام:مرت حتى الآن على الانتخابات التشريعية الأخيرة قرابة خمس سنين، وقد كانت بداية تلك الحملة الانتخابية  كما هي الآن- مستعرة بالوعود، حافلة بالخطب و”البرامج” عديدة البنود، تروم رفع الجور عن المظلوم والمنبوذ، وترمم ما انخرق في سالف العهود، تزيل الغشاوة عن العباد، وتمحو ما ظهر من الفساد، وتنقي أرجاء البلاد، مما لحقها من الكرب والكساد، تطعم ما جاع من الأكباد، وتكسو ما عري من الأجساد، وتشغل العاطل من الأولاد، أما عن التنمية فذلك أول السداد، وبغية المراد، وله في برامج “الأحزاب” كل العتاد والأصل والعماد.

أما حقوق النساء فقل فيها ما تشاء، فهن أصل في البناء، وللرجال أنداد أكفاء، وتشغيلهن يرفع الأعباء، ومقاعدهن في البرلمان سواء بسواء، وإدماجهن في المجتمع طب ودواء، وفي إصلاح المدونة للأمة شفاء.

وإذا سألت عن حقوق الإنسان، فذلك أمر لا يطاله النسيان، فهل ترى للتنمية من أركان، إذا لم تكن هي أساس البنيان، وقد أوصينا بها منذ زمان، وأشرنا لها بالبنان، وقلنا إن تحقيقها يضمن الأمان.

ولا تسأل في مرامينا عن الشباب، فهم الأهل والأصحاب، ولهم نفتح الأبواب، وسنجعل لهم أوسع الرحاب، وسندلل لهم كل الصعاب، وسنشغل طبعا كل الطلاب.

أما عن الإدارة ودعوى التخليق، فما أحد سوانا له يطيق، ونحن لمثل هذا نليق، وبرنامجنا فيه سوي حقيق، واسأل مرشحي أحزابنا في العهد السحيق، ولا نسألكم أي تعليق، بل يكفينا ما اعتدنا من كثرة التصفيق.

وقولنا في النهب وأكل أموال الشعب، فذاك منتهى السخف والعيب، وسنداوي الأمة منه بلا ريب، ونتابع في الحال كل جيب، وسنضرب على يد كل مرتش رهيب، حتى يرعوي ويستجيب.

أما التكوين والتربية والتعليم، فسيكون نصيب الشعب منه التعميم، وهذا منا عزم وتصميم، وسنغير منه القوانين والمراسيم، ليستجيب للحادثات والتعاليم، فننير به الدرب القويم، ولمقرراته سنفيض عليكم من التقاسيم، حتى يستوفي منه الشعب بالتنعيم.

ولن ننسى الطب ولا المرضى، فعن أحوال المستشفيات لا نرضى، وسنزيل منها الفوضى، وبالمجانية سوف تحظى، ومن الأدوية سنزيد العرض.

وسنحرك عجلة الاقتصاد، ونبيع شركات البلاد، لمن يضمن لنا السداد، فيزداد للخزينة الحصاد، فنقلل من النفقات والإمداد، وذاك أمر لا يفهمه جل العباد، فصبرا حتى تروا حسن القياد.

ولا عليك من الإسكان والإعمار، فلكل مواطن الحق في الدار، ليضمن لنفسه الأمن والاستقرار، ولدور الصفيح الدمار، فهي قلق على الزوار، من السياح و التجار، وقروض الأبناك للعقار، زهيدة ليس فيها من أضرار.

وها قد أتينا إلى الأمن والداخلية، فسنمسك بتلك اليد الباغية، وسنحاسب منها كل جبار طاغية، وسنزيل منها الهراوات الناهية، ونجعلها للشعب أمنا ورفاهية، فلا تحدثنا عن الأيام الخالية، فسنعوض من تضرر بأموال كافية.

وليس من سياستنا التجويع، ولا القهر ولا الترويع، بل سنضمن الأمن للجميع، ونتبع سياسة السيد المنيع، فنضمن التجديد والتنويع، ولا تحدثنا عن الدين الوديع، فليس له في سياستنا تطويع، وإن كنا نصلي ونركع ونطيع.

هذا برنامجنا والسلام، والله يحفظنا من أهل الكلام، ويديم لنا الشعب الهمام.

وينفضح الكلام:تلك ما عبرت عنه الأفواه من مرشحينا الحداق، وفاضت به الأوراق أيام السباق، وجالت في الأرجاء به مختلف الأبواق، وما تركت سوقا من الأسواق، إلا وشدت فيه الخناق، حتى تم لها الوفاق.

وبعد مرور الأيام، وتوالي السنين والأعوام، ظهرت سياسة الأقوام، وانقضت منها الأوهام، وبان فيها العوز والأثام، وكثرت منها الأسقام، وتوالت الأرقام، المدوية بالخزي والآلام، الفاضحة لسياسة الكلام.

فلا الفقر قد انمحى، ولا التعليم قد ارتقى، ولا الفساد قد انتهى، ولا البغي قد انقضى.

فجل في الآفاق، وانظر حال العباد مع الأرزاق، وكم كثرت عليهم المشاق، وحالة الكساد في الأسواق، وتدني مستوى الأخلاق.

أما إضرابات الموظفين، والشباب العاطلين، والمسرحين من المستخدمين، فأنت تسمعها كل حين، وترى هراوات القامعين، تستهدفهم ولا تلين، وتؤز الشاجبين.

وأما مشكل الاقتصاد، فانظر حالة الكساد، وكثرة الاعتماد على عطايا الأسياد، وغلاء الأسعار والمواد، الذي أنهك العباد، وفتت منهم الأكباد.

ومقررات التعليم، قد أصابها الخلل العميم، وسار الفهم لمحتوياتها عديم، ودعوى الإصلاح منها سقيم.

وصارت أيامنا كلها مهرجانات، وأفلاما ومنتديات، وموسيقى للصوفيات، وإعلامنا يروي الحكايات، بالأشعار والمقامات، ويخفى الويلات.

أما المستشفيات والمحاكم والإدارات، فتكفيك منها الإشارات، ككثرة التماطلات، وقلة أداء الحاجات، إلا لمن يبدي المساهمات، ويفهم لغة الحركات.

ولا نريد أن نطيل الكلام، بما تفعله خفافيش الظلام، من تدليس في الأحكام، وتشميع وأختام، تريد تركيع الأنام، وإخضاعهم للحكام.

ألا يكفي ما يجري، حتى يفهم الشعب ويدري، أن المقاعد تغري، وأن رفع الجمود في تكاثف الجهود، وصدق العهود، ومعرفة الودود، والله علينا يجود، بجنات الخلود.

لا نريد أن ننتقص من بلدنا حاشا لله، ولكن آلامه تصيب الأكباد، وتحز في النفوس، وإعراض الأسياد عما يصيب العباد من الكروب يترك الحسرة في القلوب، وانشغال الناس عن رب العباد يزيد في الأشجان و الأحزان، ويبقي في الأمة الآلام الجسام.

والله نسأل أن يتفضل علينا بالفضل ويرجعنا إلى الأصل دين الله الفصل والحمد لله رب العالمين.