لَطـالما مَـنَّى المغاربة أنفسهم بوطن لا تُهضم فيه حقوقهم ولا يستغفلهم فيه كل من تَسَمَّى مسؤولا أو راعيا. وطنٌ لا يضحك فيه المُتَحاذِقون على ذقونهم، فيشترون منهم الوطن كلّـه بوعودٍ مكتوبة على الهواء بمدادٍ من ماء. وطنٌ يَعْمُرُه شبابُـه بدَل أن يفـروا منه فـرارهم من مطعون…وطنٌ لا تكون ملاعب أطفاله المزابل، ومساكن فُقرائه المراحيض. وطنٌ يُميز فيه المرء بين المخافر والمسالخ، بين المشافي والمقابر. وطنٌ لا تُقبل فيه قسمة ضيزى. وطـنٌ بـدون لصـوص…

لستُ أقصد باللصوص أولئك الذين يتسللون إلى الحافلات يفـتشون جيـوب إخوانهم في القهر من أبناء وبنات الشعب. ولا أولئك الذين يَـزُورون أسْطح البيوت بين الفينة والأخرى، ليُـرِيحُـوا مواطنا أو مواطنة من جَوربٍ قديم أو قميص قد أحاله العَرق الممزوج بدخان المُواصلات إلى خِرقةٍ بالية. شَتَّانَ بين هؤلاء المساكين وأولئك الذين استأمنهم الشعب على أمواله فخـانوه وفَـقَّـرُوه. و شَتَّانَ بين الفُـتاتِ الذي يلقطه هؤلاء والملايين التي ينهبها أولئك. إن حديثنا هو عن “”اللصوص المحترمين””، أولئك الذين بَـزُّوا غيرهم من لصوص الأمم وفاقوهم في سِعة الحيلة وقوة الفكرة وإبداع أشكال جديدة للسرقة ما كانت لتَخْطُـر لسِوَاهم على البال…

أصحابنا قد وَتَـرُوا المغرب أعظم التِّـرَة، وأمعنـوا في التَّعَـدِّي على أرزاق أبنائه وبناته. لم يتركوا سبيلا يُودِي إلى النَّيْـل من جيوبـهم إلا سلَكوه، ولا نَصْلا يُهَوِّشـون به عليهم إلا اخْتَرَطوه. وإنهم لعاجزون فاشلون في كل ما يعود على البلاد بالرخاء، ولم يُـرَ مثل دأبهم في الكيد لاستنزاف خيراتها. فلِلَّهِ الأمر مِن قَبل ومن بَعد وحسبنا الله ونعم الوكيل. لنتـأمل بعض النماذج، ولكم أن تضحكوا أو تبكوا فالأمر سِيَان. إذ لن يُجْدِي البكاء على ما ضاع وكثرة الهم تضحك على أي حال…

في المغرب يمكن أن تسرق الملايير وتَفِـَّر إلى كندا أو سويسرا… دون أن ينبس مسؤول ببنت شَفَة، بَلْهَ أن تصدُر مذكرة بحث للأنتربول بحقك أو يطالب قاضٍ برأسك. بـل ويمكن أن تعود لبلدك “”الحبيب”” بعد سنوات وقد يُزَين صدرك بوسام لما “”أسديته له من خدمات””…وفي المغرب، يمكنك أن تضحك على ذقون مئات الشباب و تنهب ملاليمهم و””تْـَبـَّيعْهُـم لَـْعجَل”” مُـوهما إياهم بـ””النجـاة”” وتتسبب في انتحار بعضهم من شدة الإحساس بالضيم والقهر…ثم تُـَرقَّى لتصير لصا بحقيبة…عفوا، وزيرا بحقيبة…

في المغرب وحده يُكافَئ “”خُـدَّام الدولة الأوفياء”” بالإعفاء الضريبي وجدولة الديون لمقاولاتهم التي “”انشغلوا عنها برعاية مصالح الشعب””، كما هو شأن الوزير “”بائع الأحذية””. وقد تُفَوَّت لهم الأراضي مجانا أو بِعُشرِ عُشرِ ثمنها الحقيقي ثم لا يجرؤ نائب واحد من “”نواب الأمة”” على الاعتراض بل حتى على ذكر اسم اللص في قُبـة “”البـار لامان”” (كما يسميه بعض الظرفاء). ولا يستحي أحدهم بعد ذلك أن يَسْـتَجْدِيَ أصواتنـا لكي يعيد الكَرَّةَ ويستمر وباقي العصابة في استحْمـاِرنا!! لو كان لأحد منهم مقدار ذَرة من كرامة لَشَنـق نفسه ألف مرة على أعتاب مجلس الـ… قبل أن تنكشف عورة عجزهم وقلة حيلتهم أمام من زمام الأمر بيدهم حقيقةً.

في المغرب يُصوت النواب على الزيادة في تعويضاتهم وأجورهم بسرعة البرق. ثم لينظر أحدكم أيَّ أخـٍذ وردٍ وجـذبٍ وشـدٍّ وجـزرٍ ومـدٍّ صَحِبَ التصديق على قانونٍ عليلٍ، يُلزم كل مسؤول بالتصريح بممتلكاته قبل أن يُوَلَّى مسؤوليته. تلكؤا في تبنيه كأنما يساقون إلى الموت وهم كارهون!…وفي المغرب وحده تُسْرق امتحانات الباكالوريا وتُسَرَّب أسئلة المباريات دون أن يُقَال مسؤول واحد…وعندنا فقط تُـنهب من صندوق التقـاعد 115 مليار درهم (وهي عِـدل ثلثي الدَّين الخارجي حين الإعلان عن الفضيحة) و…لا يحدث شيء!! وفي هذا البلد المساكين أهله، اللصوص مُسَيِّـروه، يَهِـلُّ من قد استُـوْزِر مرتين من التلفاز ليدَّعي بصَلَفٍ أنه “”على باب الله”” وأنه خرج من الوزارة كما دخل، فقيرا مُعدمًا، مع أن كذبه ظاهر للعيان، حتى أن بعضا ممن حضر لم يتمالك نفسه أن ابتسم ابتسامة ذات مغزى، كأنه يقول لسيادته :””آرْبـَطْ أسَّــي…!””

هذا غَيضٌ من فَيضِ فضائح استغـلال النفوذ وهدر المال العام، وإلا فإن ما عرفه المغرب خلال الخمسين سنة الأخيرة والعقد الأخير بشكل خاص لو تم جمعه وتدوينه لجاء مصنفا ضخما ولفاق في غرابته وطرافته ما دونه الأقدمون من أخبار اللصوص وقطاع الطرق. ولو سمع به كبار المخرجين و الكُتَّـاب في هوليود لكان مصدر إلهام لهم ولأبدعـوا سيناريوهات أفـلامٍ أكثر حبكة من العَـرَّاب وكـازابلانكا…وماتريكس حتى!

إن المرء لَـُيسَائِـلُ نفسه إزاء هذا الوضع المُـثير للغثيان: ما جدوى المؤسسات والأجهزة التي تستهلك ضرائب المواطنين دون أن تؤدي واجبها في المراقبة والمحاسبة؟! أما البرلمان، فأعضاؤه في سبات. و””اليقظى”” منهم قد انخرطوا في مؤامرة صمت مُريبة، فلا تكاد تسمع لهم همسا. وأما الحكومة فهي من محيط الملك بمنزلة العُـدَّةِ من الصانع وقِطع الغيار من الآلة في أحسن الأحوال. وأما القضاء فحسبُك أن تجد قاضيا متورطا في كل قضية من قضايا الفساد التي تطفوا على بِرْكةِ فضائح المخزن الآسِنَة بين الفينة والأخرى. فإلى من يلجأ المغاربة ومن يَـذُبُّ عنهم ويحمي أموالهم وأعراضهم إن كانت “”مؤسساتهم”” دِيكورًا تختفي وراءه ديكتاتورية مُقَـنَّعـَة، تُعَتم على جرائم “”الشُّطَّـار”” وتُـقَـاسمهم الغنـائم من وراء سِتـار؟

إن المخزن بلا ريب هو “”اللص الأول”” الذي يستقوي به باقي اللصوص…هو الذي سرق أول ما سرق من المغاربة حريتهم في اختيار نمط حكمهم وتحديد من يحمل أعباءهم ورعاية شؤونهم، المخزن الذي أوكل نفسه مهمة حفظ خزائنهـم دون أن يُـرِيَهـم من نفسه هِمَّةً وقوة فيما سوى تبذير المال العام، فَتَجَـرَّأ بذلك كل لص على أموال الشعب. وقد قالوا قـديما:

إذا كان رب البيت للـُّدفِّ ضاربًا —– فشِيمة أهـل البيت الرقـص!

إذا كان الأصل، وهو الحكم، فاسدا… فـمن الطبيعي أن يعتبر كل لص مَنصبه رِيعًا والميزانية التي يُسَيِّـر بقرةً حلوبا يمتص ضِرْعها دون حسيب أو رقيب. ولا يُـلامُ مواطن على هذا الاعتبار أيضا في أن يرى كل موظف سامٍ وكل مسؤول لصا إلى أن يثبت العكس…