إن الانخراط الإيجابي في زمن العولمة يقتضي من بين ما يقتضيه، الانتباه إلى الحمولات الفكرية والمرجعيات الحضارية التي تميز مختلف المفاهيم المتداولة، ذلك أن سعي “الغرب” لبسط سيطرته على كل شعوب العالم لا يقتصر على الجانب المادي العسكري فقط بل يطال كل الجوانب بما فيها جانب الأفكار والقيم، وجانب المصطلحات والمفاهيم، وهذا ما لا يتم الانتباه إليه في الغالب، ويكفي أن نستحضر مفاهيم مثل: “الحرب العالمية الأولى”، و”الحرب العالمية الثانية”، و”عصر الأنوار”، و”عصر الظلمات” أو “القرون الوسطى”… وغيرها من المصطلحات ليتأكد لنا أمر هذا التلبيس المفاهيمي الممارس من طرف الغرب بشكل فيه الكثير من المكر و الخداع و المراوغة، فكل هذه المفاهيم خاصة بالمنظومة الغربية (الأوروبية) تاريخا، وفكرا، وحضارة… ومع ذلك يتم تعميمها على كل الشعوب، وعلى كل الأمم، مما يؤكد أن ما يسمى بـ”العولمة” لا يخرج في نهاية المطاف عن مقولة ” المركزية ” الأوروبية التي دافع عنها كثير من المستشرقين والمفكرين الغربيين.

الأمر نفسه يقال بالنسبة لمصطلح “الحداثة” الذي أسال الكثير من المداد، فقد انطلت الحيلة على كثير من الباحثين والمفكرين من بني جلدتنا، فراحوا يوظفون هذا المفهوم في دراساتهم وأبحاثهم -غير منتبهين إلى خلفيته التاريخية والحضارية- منادين “بضرورة الحداثة والتحديث كطريق وحيد للخروج من المأزق التاريخي، وتحقيق الوثوب الحضاري. متغافلين عن حقيقة أساسية وهي: أن الحداثة الغربية كانت وليدة تطور تاريخي _ اجتماعي، لا يمكننا تجاوزه”(1)، ذلك أن الحداثة في الغرب لم تأت من فراغ بل إنها شكلت نتيجة لصيرورة تاريخية – اجتماعية، وصل إليها بعد اجتياز مرحلة النهضة، ولذلك فلا غرابة أن تظل كل ثمار الحداثة، وكل تمظهراتها العلمية والفكرية والأدبية موسومة بسمات الحضارة الغربية.

لذلك سأعمد إلى توظيف مصطلح “الحداثة” بكثير من الحذر، كما أنني سأقتصر على مناقشة تمظهرتها الأدبية، على اعتبار الأهمية القصوى التي يحظى بها الأدب، كما أنني سأربطها بالمرجعية الإسلامية، محاولا الإجابة عن أسئلة ملحة تفرض نفسها فرضا: لماذا توظيف مصطلح “الحداثة” بالذات دون غيره؟ ما حدود أصالة وموضوعية هذه الصياغة اللغوية؟ لماذا الحديث عن الحداثة الأدبية بالتحديد؟ ما مسوغات ربط الحداثة بالمرجعية الإسلامية؟ هل يحق لنا هذا الربط فعلا؟ أليست الحداثة مولودا غربيا مما يحتم إبقاءه داخل حدود المنظومة القيمية والفكرية الغربية؟ ما هي أسس ومرتكزات هذه الحداثة الأدبية الإسلامية؟ ما الجديد الذي يحمله هذا المشروع؟ هل فيه نفي وإقصاء للآخر، أم أنه يعترف بالآخر ويحتويه ويتفاعل معه؟

1- الإشكال الاصطلاحي: “حداثة” أم “حداثية” أم “مودرنيزم”؟!

الحداثة لغة مشتقة من فعل “حَدُثَ”، “يَحْدُثُ”، “حُدُوثًا”، “وحَدَاثَةً” و: “الحديث نقيض القديم، والحدوث نقيض القُدْمة. حدث الشيء يحدُثُ حدوثا وحداثة، وأحدثه هو، فهو محدث وحديث، وكذلك استحدثه”(1)، ورغم وضوح دلالة الكلمة في المعاجم العربية فإن تحديدها اصطلاحيا يطرح إشكالات نبه إليها الكثير من الباحثين، فالدكتور خضر عريف مثلا يفرق في كتابه (الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة) بين مصطلح الحداثة والتجديد والمعاصرة، ويعتبر أن هذا الاضطراب المصطلحي راجع إلى الخلط بين مصطلح الحداثة (modernism)، والمعاصرة (modernity)، والتحديث (modernization)، وجميع تلك المصطلحات كثيرا ما تترجم إلى “الحداثة”، على الرغم من اختلافها شكلا ومضمونا وفلسفة وممارسة”(3)، ولعل هذا ما جعل الأستاذ عبد العالي مجذوب يرفض هذه الترجمة المتداولة الشائعة، و يحتفظ بنفس المصطلح الأعجمي (modernism) في كتابه (المودرنيزم وصناعة الشعر)، ويبرر ذلك بقوله أن ” الفرق بين كلمة modernisme وكلمة modernité في الصياغة اللفظية، وتبعا لها، في الدلالة المعنوية، هو أوضح من أن يُبين أو يُناقش. واللاحقة “إيزم isme” في الصياغة اللغوية الأجنبية، تفيد الدلالة على المذهبية العقدية، أو السياسية، أو الفلسفية، أو الاقتصادية أو غيرها من المذهبيات، كالماركسية marxisme، والوجودية existentialisme، واليهودية judaisme، والليبرالية libéralisme… إلخ

ويقابل هذه الصياغة الأجنبية في اللغة العربية بناءُ ما يُسمى في علم الصرف بالمصدر الصناعي، ويتم بزيادة ياء مشددة بعدها هاء في آخر الاسم، كالوطنية في الوطن، والإنسانية في الإنسان، والقيصرية في القيصر.

وتطبيقا لهذه القاعدة فإن نقل كلمة modernisme إلى العربية ينبغي أن يكون على مثال المصدر الصناعي من اسم الحداثة، وهو “الحداثية””(4)، ويتضح جليا أن المبررات التي يقدمها الباحث منطقية وموضوعية وعلمية، مما يجعلنا نؤكد أنه يعتبر من السباقين إلى ضرورة المحافظة على المصطلح الأجنبي كما هو (موديرنيزم / modernisme)، أو على الأقل ترجمته ترجمة تراعي خلفيته المذهبية / العقدية، ومرجعيته الحضارية والفلسفية… “الحداثية”.

أما من الناحية الاصطلاحية، فإنه يصعب الإحاطة بمختلف التعريفات التي قدمت لـ”المودرنيزم”، فقد عرفها المعجم الفرنسي (petit robert 1) بأنها “حركة قامت في الوسط النصراني، تطالب بتبني تفسير جديد للمعتقدات والأصول اللاهوتية التقليدية وفق أساليب التأويل الحديث.”(5)، كما عرفت بأنها “اتجاه جديد يشكل ثورة كاملة على كل ما كان، وما هو كائن في المجتمع”(6)، وبأنها “تبني العلم والتكنولوجيا والعقل كآليات وحيدة للتعامل مع الواقع”(7)، و بأنها “حالة أو موقف من الحالة الفكرية أو الثقافية التي تسبق الحالة التالية، وهي لا تخص زمنا معينا أو بيئة معينة. فالإسلام مثلا يمثل حالة حداثة بالنسبة إلى المرحلة التي سبقته من الجاهلية، ومثله الأديان الأخرى، وموقف أوربا في عصر (التنوير) حالة حداثة، لأنه موقف من الكنيسة والإقطاع والدين نفسه…”(8)، إن معيار الصحة والخطأ غير مطروح البتة في هذا التحديد، فالمسألة تتعلق بالزمن أساسا، وكما تختلف الحداثة بتعاقب الأزمنة، فإنها تختلف وتتعدد أيضا باختلاف البيئات والفضاءات، فلكل بيئة حداثتها التي تتميز بخصوصياتها وسماتها المميزة.

2_ “المودرنيزم” البداية والمميزات:

اختلف النقاد والمفكرون الغربيون أنفسهم في تحديد بداية حركة “المودرنيزم” فمنهم من يرجع بدايتها إلى ” عصر النهضة في إيطاليا مع الإصلاح الديني، أو من بداية تطور الظواهر العلمية والرياضية في القرن السابع عشر إلى الثورات السياسية في أواخر القرن الثامن عشر”(9)، ومنهم من يرجعها إلى “ظهور بعض الأعمال البارزة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كأوراق العشب (1855) للوتمان، وأزهار الشر لبودلير، ومدام بوفاري لفلوبير (1857)، وأصل الأنواع لداروين (1875) الذي يعده الناقد الشهير (نور ثروب فراي) بداية للقرن الحديث، أو سنة 1870 وغيرها من التواريخ والأحداث، على نحو يدل على استحالة تحديد بداية الحداثة تحديدا دقيقا”(10)، وهناك من “يمد المفهوم (أوروبيا) من بدايات القرن السادس عشر (1513م) تاريخ ظهور البروتستانتية حتى يومنا الحاضر. وبذلك يشمل المفهوم بين دفتيه ثورة الكنائس ضد الكنائس، اللاهوت المعقلن ضد اللاهوت غير المعقلن، ثورة العلوم الطبيعية في عصر النهضة الأوروبية (كوبرنيكوس _ غاليلو _ نيوتن)، والثورات الفلسفية (هوبز _ بيكون _ ديكارت _ سبينوزا _ كانط) والثورات الصناعية والثورات السياسية)(11).

ويمكن تحديد أهم مميزات المودرنيزم في ثلاثة أصول رئيسة(12):

أولها: اللائكية اللادينية، أي نبذ المرجعيات المطلقة والأحكام الغيبية الإيمانية، وما إلى ذلك، مما يسمونه “متعاليات” ميتافيزيقية.

ثانيها: الإنسان بما هو المركز وقطب المدار: الإنسان / الإله، الإنسان / المطلق المتعالي، الإنسان / الجوهر، الإنسان / السوبرمان، الإنسان / العقل، الذي يصنع حياته، ويطور نمط عيشه، ويضع قوانينه، ويستنبط أخلاقه وشريعته. في جملة، الإنسان الذي هو المبدأ والمعاد.

ثالثها: الرؤية “الطليعية” التجريبية التي لا تؤمن بالمثال السابق، ولا تؤمن بالثبات أو الرجوع أو النظر إلى أصل، أو نموذج، أو مبدأ، أو اعتقاد له وجود قبلي، إنما الأمر تغيير، وتجاوز، وهدم، ونقض مستمر.

——————————————–

(1) _ (الإسلام، الغرب وحوار المستقبل) 47.

(2) _ (لسان العرب) / مادة “حدث”.

(3) _ (الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة) / خضر عريف، نقلا عن: (الحداثة: مفهومها، نشأتها، روادها) مسعد محمد زياد / مقالة منشورة على شبكة الأنترنيت.

(4) _ (الموديرنيزم وصناعة الشعر) 85.

(5) _ , edition, 1984, p 1212 Petit robert 1 نقلا عن: (المودرنيزم وصناعة الشعر) 86.

(6) _ (الحداثة في الأدب المعاصر _ هل انفض سامرها) محمد مصطفى هدارة / مجلة الحرس الوطني / ربيع الآخر 1410 هـ.

(7) _ (الحداثة المنفصلة عن القيمة: الأخلاق والأزياء والرياضة) / عبد الوهاب المسيري / مقالة منشورة على شبكة الأنترنيت.

(8) _ (في مفهوم الحداثة) / د شلتاع عبود / (الأدب الإسلامي) / ع: 33 / 1423 هـ – 2002 م/ ص: 54 _ 55.

(9) _ (الحداثة وبعض العناصر المحدثة في القصيدة العربية المعاصرة) 6.

(10) _ (المودرنيزم وصناعة الشعر) 203.

(11) _ (الإسلام، الغرب وحوار المستقبل) 31

(12) _ (المودرنيزم وصناعة الشعر) 211.