الممارسة الناجعة للسياسة في كل المجتمعات ترتكز على بعض الأسس الهامة، في مقدمتها وجود ذاكرة سياسية حية ونشيطة، تربط الماضي بالحاضر، والحاضر بالمستقبل، ووجود قاعدة صلبة من المبادئ، على أساسها، وليس بعيدا منها، ومن داخلها وليس خارجها، تكون المرونة الضرورية في أي عمل سياسي.

الذاكرة السياسية تحفظ للمبادئ صلابتها ونصاعتها، والوفاء للمبادئ يحفظ للذاكرة السياسية حيويتها ونشاطها، وعلى العكس من ذلك اختلال الذاكرة يؤدي، عاجلا أم آجلا، إلى اندثار المبادئ، والتنكر لهذه الأخيرة يجعل السياسة خبط عشواء لا استقرار لها ولا قرار.

مناسبة هذا الكلام أن المتتبع للعمل السياسي بالمغرب سرعان ما يسترعي انتباهه التراجع المستمر عن المبادئ، فكثير من المبادئ التي ناضلت من أجلها الحركة الوطنية ليست هي التي تحققت بعد الاستقلال، والمبادئ التي ناضلت من أجلها المعارضة في الستينات والسبعينات ليست هي نفسها في التسعينات وعند بداية الألفية الثالثة.

ومما يسترعي الانتباه أيضا اعتماد التاريخ السياسي في المغرب على مقولات للتعبئة والتهييج في لحظات معينة، حتى إذا انقضت تلك اللحظات انقضت معها المقولات، أو انقلبت هذه الأخيرة إلى ضدها. إنها ذاكرة سياسية سمتها القطيعة والتجزيء وليس التراكم والربط. إنه اختلال كبير في الذاكرة، بل إنه فقدان الذاكرة.

على سبيل المثال، في عقد التسعينات، قام سجال كبير، وسال مداد كثير، حول ما سمي آنذاك بـ”التناوب التوافقي”، نُظمت ندوات، ونُشرت كتب ودراسات في الموضوع، وبدا التمايز والتعارض بين نظرتين مختلفتين.

نظرة تدعمها الإرادة الملكية، تدعي أن “التناوب التوافقي” مفتاح قفل المغرب، وأنه الرؤية التي تؤسس لمستقبل سياسي مشرق، وتخلص المغرب من أزماته المتعددة، وتفتح آفاقا واعدة في اتجاه ترسيخ الديمقراطية، وتكريس العدالة والكرامة.

وإذا كان التناوب عند علماء السياسة يعني: “انتقال السلطة من أغلبية لأخرى حسب قواعد دستورية محددة” أو بتعبير آخر “حلول المعارضة محل الأغلبية، والاستخلاف في قيادة الدولة بين قوى سياسية متعارضة أو ذات توجهات مختلفة”، فإن العديد من أصحاب وجهة النظر الأولى كانوا واضحين منذ البداية، وكانوا يؤكدون أن التناوب، الذي فشلت محاولته الأولى سنة 1993 ومحاولته الثانية سنة 1995 وأصبح واقعا- حسب نظرتهم الخاصة- بعد تعيين حكومة اليوسفي في 14 مارس 1998، يستجيب للخصوصية المغربية، وأنه تنفيذ لإرادة ملكية، وليس إفرازا لصناديق الاقتراع، وأنه محكوم بالنسق السياسي العام، الذي سمته تمركز السلطة في يد الملك.

كانوا واعين كل الوعي بذلك، لكنهم كانوا يحاولون إقناع أنفسهم، وإقناع الآخرين، أن “التناوب التوافقي” ما هو إلا خطوة من أجل تحقيق تناوب حقيقي.

ولكثرة ما كذبوا على أنفسهم صدّقوا الكذبة، وساهم في ذلك ضغط الواقع، فتنظيماتهم الحزبية عرفت اختلالات غير مسبوقة على جميع المستويات، وصوتهم المعارض أصبحت تمجّه الأسماع، لأنه لم يحقق شيئا، ولأن الناس أضحت في حاجة إلى الخطوة وليس إلى الخطبة. هذا في الوقت الذي تنامى فيه “البعبع” الإسلامي، الذي كان يخوفهم به البصري.

أما النظرة الثانية ففحواها أن ما أسس على باطل لا ينتج إلا باطلا، وأن الشرط الأساس لنجاح التناوب هو إعادة النظر في القواعد التي تحكم النسق السياسي والدستوري.

وكان أصحاب وجهة النظر هذه يؤكدون أن التناوب السياسي يكون على السلطة، وهذا غير متوفر في الحالة المغربية، لأن السلطة الحقيقية بيد الملك، وأن التداول لا يكون بقرار من أعلى، وإنما يكون نتيجة طبيعية لصناديق الاقتراع، وأن الحكومة التي يُفترض أن تتمخض عن التناوب يجب أن تكون قوية ومنسجمة ومسؤولة، وكلها صفات غير متاحة في ظل النسق السياسي والدستوري بالمغرب.

رغم أهمية ذلك النقاش يمكن أن نقول الآن أنه كان على الهامش، لأن الاختيار حسمته مرة أخرى المؤسسة الملكية، ليس بسبب قوتها، ولكن بسبب ضعف باقي الفاعلين السياسيين، فبعد مرور حوالي عقد من الزمن على تعيين حكومة اليوسفي يتأكد مرة أخرى التراجع عن المبادئ، وضعف الذاكرة السياسية، بل فقدانها، فمن من السياسيين الذين شاركوا في نقاش تلك المرحلة يتحدث اليوم عن التناوب السياسي؟ وأين هي مقولة “تناوب توافقي” من أجل تناوب حقيقي؟

التناوب في معجم “Le Robert Micro” يعني: “تعاقب على السلطة بين أغلبية ومعارضة في نظام برلماني”. فهناك تعاقب، وهذا التعاقب يكون على السلطة، وليس على خدمة من بيدهم السلطة. وهناك أغلبية ومعارضة، ومن خلال تجارب بعض الدول يتبين أن التناوب السياسي، سواء كان مطلقا كما هو الحال في النموذج البريطاني، أو نسبيا كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، أو تناوب بالوساطة كما يحدث في ألمانيا، فإنه يستوجب وجود ثنائية حزبية أو على الأقل ثنائية قطبية، وهذا ما كان يتحدث عنه الملك الراحل الحسن الثاني في بداية التسعينات كثيرا. وهناك نظام برلماني، أي وجود برلمان يتمتع بسلطة حقيقية، ويقوم، في استقلالية تامة، بوظيفته التشريعية والرقابية، وعنه تنبثق الحكومة التي تكون مسؤولة أمامه مسؤولية تامة.

أين المغرب من كل هذا؟ في مرحلة “التناوب التوافقي” كان غياب تلك المقومات مستساغا لأننا كنا  حسب القوم- في مرحلة انتقالية؟ لكن الآن أين هي تلك المقومات؟ أو على الأقل هل يسير المغرب في اتجاه تحقيقها؟

في انتخابات 2002 هللوا كثيرا للنزاهة، وأجمعوا على ذلك، وفي حقيقة الأمر لم يكن إجماعهم إلا على التعتيم، لأن انتخابات 2002 هي الأخرى كانت مشوبة بالعديد من الشوائب، التي تطعن في شفافية صناديق الاقتراع. هللوا للنزاهة لكنهم قبلوا الانقلاب الهادئ على مقولة التناوب، فمن جهة أولى لم ينطلقوا من إصلاح دستوري يعيد الاعتبار للمؤسسات ويحدد السلط ويوضحها في الاتجاه الذي يحد من الانفراد بالقرار السياسي، ومن جهة ثانية وافقوا على نمط الاقتراع النسبي الذي لا يصب، بأي حال من الأحوال، في اتجاه تحقيق ثنائية حزبية أو قطبية، بل على العكس من ذلك يساهم في البلقنة السياسية، ومن جهة ثالثة قبلوا بوزير أول من خارج الأغلبية البرلمانية، ومن جهة رابعة شاركوا في حكومة من عدة أحزاب، لا يربطها رابط إيديولوجي أو برنامجي.

والآن في خضم الاستعداد لانتخابات 2007 نلحظ المزيد من الاغتيال للذاكرة السياسية، والمزيد من الانقلاب على مقولة التسعينات، فهذه الأيام ينتشر نوع من “الإرهاب السياسي” مفاده أن خلاص المغرب يتمثل في استمرار الوضع السياسي الحالي، وأن الأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية،لابد أن تكون هي المشاركة غدا، لأن أي مس بذلك سيتسبب في وقف “أوراش الإصلاح”، وسيكون، لا قدر الله، “انتكاسة خطيرة”، وسيتيح الفرصة “لأحزاب متطرفة”، ثم إن الأحزاب العتيدة في الحكومة وجدت البرنامج الملكي مطابقا لبرنامجها، ومن تم ليس من الضروري تغييرها! وكأن القوم يقولون بلسان حالهم أن الحكومة الحالية أصبحت من المقدسات!! وأن مبدأ استمرار الدول تحول حسب الخصوصية المغربية إلى استمرار الحكومات، وأن التناوب لا يعني التعاقب، وإنما يعني أن تصل المعارضة السابقة إلى الحكومة  وليس الحكم- لتسد المنافذ على كل من يمكنه أن ينافسها، وإن اقتضى الحال تقديم مشروع حكومي يضع شروطا تعجيزية لمشاركة الأحزاب الجديدة في الانتخابات، والعمل بكل الوسائل على حصار قوى سياسية، وإن كان لا شأن لها باللعبة الانتخابية، كما هو الحال مع العدل والإحسان، وتجنيد أبواق سياسية ومدنية للحديث عن إنجازات الأرقام، التي لا ولن تخفي إخفاقات الواقع.