تقديـمتكتسي غزوة تبوك قيمتها من كونها آخر غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طبيعة العدو، إذ لأول مرة يواجه المسلمون جيشا نظاميا متمثلا في أعتى قوة عسكرية في العالم وقتها، ومن توقيتها سواء على مستوى الزمان، حيث كان الوقت صيفا حارا، أو على مستوى الحالة الاقتصادية العامة للمسلمين والتي لم تؤهلهم لتجهيز جيش قوامه ثلاثون ألف جندي يخوض معركة استغرقت خمسين يوما ذهابا وإيابا، وعسكرة بتبوك.

سياق الغزوةيعود السبب الرئيس لهذه المواجهة العسكرية لواقعة مقتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي إلى عظيم بصرى، على يد شرحبيل بن عمرو الغساني الموالي للروم، فبعث وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت في مواجهة عسكرية مع الروم في موقعة مؤتة، مواجهة وإن لم تحسم عسكريا لأي طرف، إلا أنها اعتبرت تطاولا على هيبة الروم، تقتضي ردا عنيفا في شكل تأديب لهذه القوة الناشئة في المنطقة، يحفظ للروم هيبتهم واعتبارهم بين قبائل العرب المتاخمة للإمبراطورية الرومانية. لذلك راح الروم يتهيأون لهجوم كاسح على المسلمين، ولم يكن خبر بهذه الخطورة ليخفى على المسلمين الذين أخذوا الأمر مأخذ الجد، “حتى كان الخوف يتسورهم كل حين، لا يسمعون صوتا غير معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان”(الرحيق المختوم ص:395).

الاستعداد للمواجهةبالنسبة للروم لم يكلفهم الاستعداد للمعركة جهدا كبيرا، بالنظر إلى طبيعة النظام القيصري العسكري، فالقوة العسكرية رأسماله، بها بسط نفوذه وفرض سيطرته على ما حول الشام من قبائل عربية، وقد حشد جيشا عرمرما من أربعين ألف جندي وبإمكانيات مادية هائلة، ناهيك عن الخبرة الواسعة في الحروب ودرايته بالخصوصيات الطبيعية للمنطقة؛ وعلى النقيض من ذلك كله، كان المسلمون في سنة جدب وحر شديدين، فتهمّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ به الأمر أن اعتزل زوجاته وهجرهن شهرا، حتى ظن الصحابة أنه طلقهن.

اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرار الحاسم بالمواجهة، وتفاديا لتكرار ما تعرض إليه المسلمون من عناء خلال غزوة الأحزاب، عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مواجهة الروم أبعد ما يكون عن المدينة المنورة خاصة، وديار المسلمين عامة، يقول صاحب الرحيق المختوم: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف كل ذلك جيدا، ولذلك قرر القيام ـمع ما كان فيه من العسرة والشدةـ بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم، ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى ديار الإسلام”(ص:397)؛ وهذا تأكيد لقرار نبوي سبق أن اتخذه مباشرة بعد اندحار جيوش الأحزاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم”.

ولما لم يكن ببيت مال المسلمين ما يكفي لتجهيز الجيش، نادى منادي الجهاد وفتح باب جمع الأموال والمؤن، فتسابق المسلمون أغنياؤهم وفقراؤهم، نساؤهم ورجالهم في البذل، وبقدر ما كانت الاستجابة تلقائية ومدهشة لم ترق لتأمين حاجيات أكبر جيش إسلامي وقتذاك.

ولم يكن شح الإمكانيات المادية وحده عقبة تواجه المسلمين، بل كان هناك ما هو أدهى وأخطر متمثلا في الطابور الخامس ـ على حد تعبير الشهيد سيد قطب ـ حيث انتعش نشاط المنافقين في المدينة وما حولها، وراحوا يتربصون ـ كالعادة ـ بالمسلمين الدوائر، من خلال واجهتين:تثبيط عزيمة المسلمين على المواجهة بالتركيز على توقيت المعركة غير المناسب: “وقالوا: لا تنفـروا في الحر” (براءة،الآية:82)، والتهويل من شأن جيش الروم الذي لا يقهر. أما الواجهة الثانية فالتخطيط للتآمر على المسلمين ونقل أخبارهم أولا بأول، وكشف قدراتهم العسكرية، وتسهيلا لعمليات التنسيق بين المنافقين أسسوا مسجد الضرار، ودعوا الرسول عليه الصلاة والسلام لتدشينه والصلاة فيه، ولم يفعل لكثرة انشغالاته بالمعركة الفاصلة ضد الروم.

خروج المسلمين إلى تبوكفي رجب من السنة التاسعة خرج المسلمون بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم ليواجهوا في معركة فاصلة أضخم قوة عسكرية على وجه الأرض، متحدّين حر القيظ وقلة ذات اليد؛ “بل كانت قلة شديدة بالنسبة إلى الزاد والمراكب، فكان ثمانية عشر رجلا يتعقبون بعيرا واحدا، وربما أكلوا أوراق الأشجار حتى تورمت شفاههم، واضطروا إلى ذبح العير ـ مع قلتها ـ ليشربوا ما في كروشها من الماء، ولذلك سمي الجيش جيش العسرة”(الرحيق المختوم، ص:398).

“وكفى الله المؤمنين القتال”بعد خمسة عشر يوما من المسير لم تخلُ من معجزات نبوية، يسوقها الكريم المنان في مثل هذه الظروف العصيبة لتثبيت المؤمنين ورفع معنوياتهم، أشرف جيش المسلمين على تبوك، وفيه عسكروا استعدادا للقاء الروم، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا، فعبأ وبشر وحض على خير الدنيا والآخرة، فارتفعت المعنويات، وشحذت الهمم، فكان المسلمون في الموعد لصناعة ملحة يتحدث بها التاريخ.

أما الروم فما أن سمعوا بزحف المسلمين وتصميمهم على الحرب حتى تفرقوا وعادوا القهقرى، وقد آثروا الانسحاب على المواجهة، لتسوق الأقدار الإلهية للمسلمين نصرا مؤزرا، كان له عظيم الأثر في قبائل العرب المتاخمة لحدود الرومان، فسارعوا لمصالحة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوقيع معاهدات الصلح ودفع الجزية للمسلمين.والله أكبر، نصر جنده، وأخزى عدوه، “ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله” (سورة الروم، الآية:3).

وبعد عشرين يوما في تبوك أخذ فيها الجيش قسطا وافرا ومستحقا من الراحة، قفل المسلمون عائدين إلى المدينة مظفرين منصورين فرحين بفضل الله تعالى عليهم، أما المنافقون والمتخلفون عن الجهاد، فلا تكاد تسعهم الأرض بما رحبت.

بعض دروس وعبر غزوة تبوكغزوة تبوك حبلى بالعبر والدروس، بل لم تخل من إشارات لطيفة المسلمون اليوم أحوج ما يكونون لتمثلها والاسترشاد بها، وهذه من أهداف مدارسة السيرة النبوية، ومن هذه الدروس والعظات:

1. غزوة تبوك وقبلها غزوة بدر تم تخليدهما والتأريخ لهما بسورتين من القرآن”براءة” بالنسبة لتبوك، و”الأنفال” بالنسبة لبدر، وفي هذا تأكيد على أهميتهما في تاريخ الدعوة الإسلامية، ومن الموافقات العجيبة أن تكون بدر أول غزوة يُمَكن فيها للمسلمين على مستوى العرب، وتبوك آخر غزوة يُمَكن فيها للمسلمين على المستوى الإقليمي وترشيحهم لقيادة العالم، علما أن سورة الأنفال جاءت ترتيبا مباشرة بعد سورة براءة في المصحف الكريم.

أطرت سورة “براءة” الغزوة، فحددت سياقها وتبعاتها داخليا، إذ كان الانخراط فيها مالا ونفسا مؤشرا على صحة الإيمان، والتخلف عنها مغمزا في الإيمان وعلامة نفاق، وخارجيا أدت إلى مراجعة علاقات المسلمين مع مجموعة من الأطراف بما يتناسب وما تقتضيه المرحلة من حسم في مواثيق لم يف أصحابها بهـا، وغدت تشوش على استشـراف أهداف أبعد تبليغا لدين الله للعالمين، وليس عبثا ـأستغفر الله تعالى ـ أن تحدد السورة ضوابط المعاهدات بعيد الغزوة على قاعدة: “فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم”(سورة براءة،الآية:7).

2. فصلت السورة في أحوال المسلمين ونفسياتهم، إذ كانت الغزوة محكا وتمحيصا لحقيقة الإيمان، فعددت أصنافا من المسلمين، وبينت مآلهم دنيا وآخرة، وميزت بين المؤمنين الصادقين دون أن تغفل من حبسهم عذر الفاقة، الذين قال في حقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على المدينة قافلا من تبوك:”إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر” قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة.”؛ “وكشفت الغطاء عن فتن المنافقين، باعتبار خطرهم الداهم على الإسلام والمسلمين، وفضحت أساليب نفاقهم، وتخذيلهم للمؤمنين، حتى لم تدع لهم سترا إلا هتكته”(صفوة التفاسير، الجزء الأول، ص:519).

وهذا التمييز ضروري قياسا للقوة الحقيقية للمسلمين وعدم الانخداع بالبعد الكمي الذي لا يعول عليه في اللحظات الحاسمة، وهنا تبرز قيمة التربية الإيمانية، التي حددت السورة معالمها الكبرى: “التائبون العابـدون الحامـدون السائحـون الراكعـون الساجـدون الآمرون بالمعروف والناهـون عن المنكر والحافظـون لحدود الله، وبشر المؤمنين” (سورة براءة، الآية:113)، وهو أكثر ضرورة لكشف الفئات المتآمرة على مشروع الأمة، وقد دققت السورة في خصائص ذوي القلوب المريضة بالنفاق، فليس أخطر على الأمة من هذه الفئات، لأنها تحارب المشروع من الداخل وتشكك فيه، لهذا اقتضت مشيئة الله تعالى أن لا يكون المنافقون ضمن الجيش، يقول سبحانه في حقهم: “ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين” (سورة براءة، الآيتان:46 و47).

3. مثل توقيت غزوة تبوك تحديا كبيرا، فقد كان الوقت صيفا حارا، وتمار المدينة طابت وأينعت، والنفس تفضل أن تخلد للراحة، تطلب الظلال والماء البارد، وهذا كان سببا في تخلف الكثير من الناس عن الغزوة وعلى رأسهم المنافقون متذرعين بمبرر الحر الشديد:”وقالوا: لا تنفروا في الحر.” (براءة، الآية:82)، وهذا هو حال العزائم الضعيفة تسوف الأعمال، وتفوت الفرص، وما أشبه هذا الموقف بمواقف المخلدين للهو والراحة غداة الغزو الإسرائيلي الغاشم على لبنان في صيف 2006، حجتهم أن المقاومة الإسلامية في لبنان أفسدت عليهم موسم الاصطياف من جهة، وغامرت بالدخول في حرب غير متكافئة مع جيش لا يقهر. ووعيا منه صلى الله عليه وسلم بخطورة الموقف سلك ف