ومن المسجد تنطلق الفضائل، وتتوحد الجهود. قبلة واحدة، وقرآن واحد، وإرادة متعاونة، وعبء مشترك. خمس صلوات تجمع، وجمعة وخطبة، ونظام لا يتقوقع في الذات الخاصة، وسريان الدعوة من الأقرب إلى الأقرب.

في المسجد يعقد لواء الجهاد، ومن قدسيته وجامعيته يكتسب الميثاق قدسية وجامعية.

والصدق الصدق. والعلم العلم بما لك وما عليك، وما لنا وما علينا مما يقربنا إلى الله زلفى.

عالم آخر غير عالم يعتبر الشك المنهجي فضيلة، ويتخذ الأنانية دينا، ويدور في فلك الاستقرار على القانون الوضعي المؤسس على أن لا إله ولا آخرة ولا خوف ولا رجاء إلا من عجزك عن انتزاع حقك أو قدرتك على فرض إرادتك.

من المسجد يخرج المومنون وقد عقد كل واحد مع الله عقدا، ووثقوا فيما بينهم ميثاقا. يخرجون وليلهم ليل المومنين، ونهارهم نهارهم، وعهدهم عهدهم، وأخوتهم أخوتهم، وكلمتهم صدق، واتفاقهم عزم، وشوراهم دين، وقيادتهم مشتقة من طاعة الله ورسوله.

مع المومنين تحرث الصدق تحصد الصدق. ومن يستثمر الشك لا يربح إلا الشك مضاعفة غلاته. اضرب الشك في الشك يخرج لك الكفر ولواحقه.

﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون. لهم ما يشاؤون عند ربهم. ذلك جزاء المحسنين﴾ (سورة الزمر، الآية : 32).

يخرج المومنون من المسجد متعاقدين مع الله، متواثقين فيما بينهم، متعاهدين نصا ووجوبا على تحرير الإنسان، وتكريم الإنسان، وتحبيب الإسلام إلى الإنسان.

ويخرجون باللواء المعقود والميثاق المعهود ليعالجوا ما زُحزح المسلمون عن مواقعهم، وما نسوا من تلاوة كتابهم، وما ضيعوا من تزكية نبيهم، وتعليم والدهم صلى الله عليه وسلم.

يخرجون لِلَمِّ شعث، وجمع شمل، وإعداد قوة، وتربية أجيال. تربية أجيال القوة والأمانة والجهاد، تحمل آلام العالم وآماله، وتحتضن الإنسان برفق الداعي وبذل من يقدم لآخرته ويرجو بِبِرِّ خلق الله جميعا رحمة الله والقرب من الله.