***   لا يحسِبْ الفضلاء الديمقراطيون الأذكياء أننا من الغباء بحيث نعُد التّصديَ للحكم في الظروف الحالية للأمة نزهة مُريحة أو غنْماً يتسابق إليه الإسلاميون السُّذج. الأحوال كارثية بشهادة من نصبوا للكوارث الأثافي وأوقدوا النار وطبخوا العلقم.

فلا مناص للمخلصين من أبناء الأمة وبناتها أن يصيروا إلى تفاهم لمعالجة ما يرثه الأبناء والبنات بعد الطوفان من حطام كارثي.

دعونا في كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” إلى ميثاق إسلامي يدخل فيه الصادقون اقتناعا لأن الإسلام هو الجامع لا الوهم التاريخي المبثوث الذي يحاول الحكام أن يجعلوا منه المقدّس الأعظم.

ما فهمني كثيرون يعيشون الفترة الراهنة منغمسين في الهموم السياسية للساعة، من قبيل التداول على السلطة، وتقوية معارضة برلمانية، والتنديد بالتزييف الانتخابي، والمطالبة بمراجعة الدستور.

لا ينظر المنغمسون إلى ما بعد غد، ولا يتوقعون. لذلك تفوتهم فرصة بناء جسور مع المستقبل. أستغفر الله، بل يفوتهم اتخاذ عهد مع الله. لذلك يأنفون وتأخذهم الحمية أنْ ذَكَرْتُ توبة تجمعنا وإياهم على كلمة سواء. بل رفض بعض كتبتهم رفضا واضحا اللقاء مع أيّ كان على أرضية إسلامية. نلتقي إذاً على ماذا ؟ ويجمعنا ماذا ؟

بعضهم لا يحب ولا يقدر أن ينفصل على مألوف تفكيره الركيك. ونحن عاجزون عن اصطناع خطاب ينحط بالكلمة العربية القرآنية المبينة رأفةً بمن لا يعرفون حقيقة العربية ومجازها، وبلاغتها وبيانها، وأساليب الخطاب العربي الإسلامي.

فاعجَبْ لأبناء أمة واحدة، وقطر واحد، يحتاجون لتراجمة يُفهمون بعضهم ما يقول بعض !

***   إن سأل غيْرُنا : ما يجمع يسارا ويمينا غير الديمقراطية والتعددية الديمقراطية ؟ فنحن نسأل : هل من سبيل في بلاد المسلمين إلى تفاهم وتقارب بين مسلمين لا ينازع أحد منهم أحدا في إسلاميته غيرُ التوبة العامة، غير الميثاق الإسلامي، غير الاستجابة المندمجة لنداء الرب الواحد والقرآن الواحد : ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون﴾.

ميثاق له هيأة قانون يتعامل بمقتضاه نُخَبٌ متشاكسةٌ على السطح. وبحر الرمال الذي يزلزل خطوات الدّخلاء هو الأمة المسلمة السّائرة إلى وحدتها، الزاحفة إلى وَلايَةٍ إيمانية تُدمج النفوس والعقول وتُبرئ الغثاءَ القديمَ التقليديّ، والطارئَ المغَرب، والثائر المستند إلى فكر تهدَّم، من داء الغثائية.

***  إن الأمةَ يا إخواني الفضلاء -وصدقوني أنْ لا سخريّة ولا نفاق في لهجتي- على رأس مُنعَطفٍ تاريخي. وأنتم جزءٌ لا يتجزأ من الأمة. والقفز على حضوركم وكأنكم عدمٌ وهمٌ لا يساوِرُ عقولنا. فلا مناص من التعامل بيننا.

فلا يبقى، إن لم يستجبْ بَعْضكم للكلمة السواء، والتوبة العامة، والميثاق الإسلامي، إلا أن تُعيرونا آذانكم وبعض وقتكم تنتزعونهُ من المهام السياسية المتزاحمة.

إن لم يستجب بعضكم للكلمة السواء ويُشاركْ في بناء ما هدمته الفتنة، فلا أقلّ مِن أن يكونَ ذكيّاً ليقِفَ في الشارع العام موقفا مُشْرِفاً يخوّلُه مشاهدة موكبِ التاريخ مارّا بسَكينةٍ واثقة بالله عز وجل.

أو يكونَ بصيرا بشؤون آخرته، مِمّن يستمعون القول فيتبعون أحسنَه. أحسنُ القوْل ما دلَّك على مصيرك إلى الله، وعلى أقومِ السبُل لتعبدَ الله، وتجاهدَ في سبيل الله جهاداً هو سنَامُ الإسلام، وسنامُ الجهاد -وأستغفر الله- هو إبرامُ ما نقض مِن عُرا الإسلام.

***  متى نعْلنها صريحة صادقة مع الله ومع المسلمين الخاشعين لله ميثاقا إسلاميا يُحَوِّلنا من عهد لعهد، من كذب لصدق، من نفاق لإسلام ؟ متى تقتنعون معنا أن ضوء الشمس هو وحده الكاشف لغياهِب الظلام ؟ متى تقبض ديمقراطيتكم على قلبها لتُباري شورانا في وضَح النهار، على وجه النهار، وعلى ملإ من الناس : تقولون ونقول، ويُدلي الوطنيون منكم، وورثة الوطنية وأدعياء الوطنية، بما عندهم ؟

ونقترح وتقترحون في ساحة يخزَى في حلبتها الكاذبُ والمنافق والدعي والمحترف والمرتشي والخائن، والملحد أولَ شيءٍ.

لا بد من يوم ينادي منادي الصدق أين عقل العاقلين، وخبرة الحاذقين، وساعد العاملين.

ولا بد من وقت، وفُسحة حرية، ويُمَكَّنُ فيه كل ذي اقتراحٍ لَه صدقية من وسائل الإعلام -لا سيما التلفزيون- لصناعة رأي عام، لإعادة صناعة رأي عام، لاستنقاذ الرأي العام من أوهامه التقليدية.

إن أمامنا يومئذ من مخلفات الفساد والإفساد والرشوة والتزوير والظلم مشاكلَ موضوعية تطلب العقل والخبرة والساعد. ويَطلب البدءُ الصحيح في حلها إسنادَ المهماتِ الصعبة للرجال الأكفاء والنساء، ممن لا يساوَمون على ولائهم، ممن لا يبيعون ضمائرهم، ممن لا يرهَنون آخرتهم بدنيا غيرهم.

لا بد من كتابة ميثاق إسلامي بعد مناقشة عميقة طويلة على ملَإ من الأمة، وبعد نقْد صريح صادق لحاضر الناس وماضيهم وكفاءتهم، وعرض الأفكار والاقتراحات والبرامج بين يدي الناس في الصحف والتلفزيون ليحكم الناس على صلاحية من يصلح للناس، وليرفض الناس ما لا يليق بالناس ومن لا يمثل الناس.

مقدمة ضرورية قبل طرح أنفسِنا وأنفسكم في ميزان الانتخابات الحرة النزيهة.

فإن تخطينا هذه الدرجة من توعية الشعب وتنوير الرأي العام، وإطلاق سراح الرأي العام من الأسْر التقليدي، فإنما نستمر في لعبة الخداع.

ميثاق إسلامي يساهم فيه الشعب والكتَل السياسية وضعا ونقاشا ونقدا. يُقصي نفسَهُ من شاء من ساحة المكاشفة والوضوح. ما نحن نحكم ونحاكم ونشنق المخالف. بل دعْه يشنُقْ نفسه بحبل إلحاده ونفاقه، ويزعمْ للأمة أن شيئاً آخر غير طاعة الله ورسوله يَجمعنا.

طاعة الله ورسوله تجمعنا على عمل صالح مشترك نخدم به دنيا أمتنا، وندخره لآخرتنا يوم لقاء الله.

ذلك، أو الانحناء السرمدي أمام قوَى البطش العالمية والأهلية !