كلنا نتذكر كيف تبجَّح “بوش الأب” غداة انتصاره على العراق في حرب 1991، فقال بلغة تنضح بالزهو وغرور القوة: “.. لقد دفنت إلى الأبد عقدة “فيتنام” في رمال العراق.. ومن الآن فصاعداً لن يجرؤ أحد على تحدي أمريكا”.

بهذه الذهنية شن “بوش الابن” الحرب الثانية على العراق عام 2003، وأغراه النصر السهل والسريع، على بلد أنهكه الحصار طيلة ثلاثة عشر عاماً إجرامية، فتباهى كأبيه ليعلن بداية “القرن الأمريكي الجديد” و “إعادة هيكلة الشرق الأوسط” الذي سيكون فيه العراق نموذجاً للديمقراطية!!

وها قد مرت الآن أربع سنوات فماذا تحقق من الحلم الأمريكي؟

تقديم لابد منه:

خلق الله عز وجل الناس شعوبا وقبائل على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ومعتقداتهم وأجناسهم ليتعارفوا بينهم، واستخلفهم في الأرض ليملؤوها محبة وسلاما وتعاونا على ما يعمرها بالخير، وجعلهم سواسية كأسنان المشط، وأحرارا لا فضل لواحد على الآخر. رسالة عمران وتنمية تقتضي عدم الإفساد في الأرض، وعدم سفك الدماء. قال الله تعالى: “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَك” [البقرة: 30] والحروب مقدمة هذا الفساد. قال عز وجل: “كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا” [المائدة: 64]، الحرب فساد وإفساد.

تلك فطرة الله التي فطر الناس عليها، وذاك قانونه العادل وسنته الكونية التي ارتضاها للناس يسوسون بها أمورهم بما فيه صلاح دنياهم، واستعدادا لآخرتهم. “يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ”. (الشعراء: 88-89).

لكن يأبى البعض إلا تغيير سنة الله في خلقه وخلائقه، فيعمد إلى تعكير هذا الصفاء والنقاء، فيستبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى. يتعالى على خلق الله ويميز بينهم ويتصرف بأنانية، فيملأ الأرض حقدا وعدوانا وحروبا. ويعيث في الأرض فسادا وإفسادا.

هؤلاء يسميهم القرآن الكريم مستكبرون، وأمرنا بمواجهتهم، بل اعتبرنا آثمين إن قصرنا في ذلك أو أحجمنا عنه “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً” (النساء: 97 ).

القاعدة الشرعية، إذن، هي مقاومة كل ظالم مستكبر، فبالمقاومة وحدها ترجع الأمور إلى نصابها “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا” [الحج: 40]. وقاعدة إنسانية أخرى هي “حيثما وجد احتلال وجبت مقاومته”، هي قاعدة التحرر الوطني، فلا جدوى من حياة مهينة، ولا فائدة ترجى من عيشة ذليلة. قال الشاعر:

وإذا لم يكن من الموت بد *** فمن العجز أن تكون جبانا.

الاحتلال والاستبداد شرَّان مطلقان تتقزز منهما النفوس السليمة، وتأباهما العقول الراجحة. ومقاومتهما هي الحل.

غاية هذا البحث أن يسلط الضوء على المقاومة في العراق: أهدافها، وأساليبها، ومجالاتها، والموقف منها، وحصيلتها، وتقييم لتجربتها، واستشراف لآفاقها. ولن يتأتى كل ذلك ما لم نتحدث عن الوجود الأمريكي في العراق، ودواعيه، ومبرراته، وحقيقته.

الوجود الأمريكي في العراق

ما هي حقيقة الوجود الأمريكي في العراق؟ سؤال لطالما تردد على ألسنة العديد من المتتبعين، والجواب عنه يختلف من واحد لآخر بحسب زاوية نظره وموقفه وموقعه مما يجري هناك.

فهناك من يرى في الأمريكان منقذا من نظام مستبد حكم الشعب العراقي سنوات طوال بالقهر فقتل ودمر وشرد، وهناك من يعتبرهم مساعدا ل “قوى الاعتدال” في المنطقة في وجه “محور الشر”. ويترتب عن هذا التحليل، بطبيعة الحال، ترحيب بالوجود الأمريكي، مبدئيا، واستعداد للتعاون معه. وهناك، بالمقابل، من يرى في الأمريكان قوات احتلال واستعمارا جديدا وحركة غازية يجب مقاومتها والتصدي لها.

لماذا هذا الاختلاف، إذن، بين أبناء البلد الواحد والأمة الواحدة؟ ولماذا لم يتحقق الإجماع حول طبيعة الوجود الأمريكي في المنطقة؟

جواب هذه الأسئلة نقرأه في واقع الأمة الكئيب: تمزق وتشتت، أحلاف بعضها ضد بعض، هوة سحيقة بين الحكام والشعوب، هوان على العالمين، رضوخ لشروط وأوامر القوى الكبرى، استسلام لميزان قوى هش يجعلهم كما مهملا يفعل به ولا يفعل…

دخلت أمريكا العراق في أبريل 2003 بمبررات وذرائع معلنة منها: القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، وفك الارتباط بين صدام والقاعدة، ودمقرطة العراق. وحاولت أن تضفي على تدخلها صبغة شرعية وغطاء قانونيا مستغلة ضعف الأمم المتحدة وسيطرتها على دواليب صنع القرار. وها نحن بعد مرور أزيد من أربع سنوات نعاين الحقيقة التي تكذب الادعاءات الأمريكية السالفة، فلحد الساعة لا وجود لأسلحة الدمار الشامل رغم حملات التفتيش المتكررة، وهذا ما أكدته تقارير كثيرة؛ والتحقيقات لم تستطع إثبات علاقة بين صدام والقاعدة؛ ومشروع دمقرطة العراق ما زال حلما بعيد المنال.

وحتى الحرص على إلباس التدخل الأمريكي لباس الشرعية فشل، حيث شهدت الحرب ضد العراق أكبر حركة شعبية معارضة، فالمسيرات المعارضة للحرب أقيمت في أكثر من 600 مدينة في جميع أنحاء العالم شارك فيها عشرات الملايين مما خلق حالة شعبية معارضة فضحت حقيقة النوايا الأمريكية التي قررت، عن سابق إصرار وترصد، غزو العراق لأسباب خفية لم تعلنها أمام الملأ.

وها هي اليوم لم تعد خافية إلا على من يتعمد وضع عصابة على عينيه، حيث اتضح أن هدف التدخل الأمريكي كان هو:

1- الإطاحة بالنظام العراقي المزعج للأمريكان ومصالحهم.

2- تقويض مد المقاومة المتزايد، أو ما تصطلح عليه الولايات المتحدة الأمريكية ب “محور الشر”.

3- دعم الكيان الصهيوني الذي يزداد عزلة يوما بعد يوم.

4- دعم الأنظمة الصديقة الضعيفة والمنبوذة والمفتقدة للشعبية.

5- تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة: فقد صرح لورانس ليندساي في أكتوبر الماضي (2002) حينما كان يشغل منصب مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الاقتصادية، بأن النفط هو الهدف الرئيسي لمساعي الولايات المتحدة لشن هجوم عسكري ضد العراق الذي يملك احتياطيات نفطية هائلة تبلغ أكثر من 112 مليار برميل أو نحو 11% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط. ويحتل المرتبة الثانية عالميا بعد السعودية ويبلغ قدر احتياطيات منطقة بحر قزوين مرتين ونصفا. مع الأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة بالذات ترى أن الاحتياطيات العراقية من النفط تفوق كثيرا ما تعلن عنه بغداد. فقد كان وزير الطاقة الأمريكي الأسبق جون هارنجتون قد أعلن في عام 1987 أن العراق يسبح على بحيرة من النفط، وأن احتياطياته ربما تفوق الاحتياطيات السعودية الضخمة التي تبلغ نحو ربع الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط. أما “معهد بيكر للسياسة العامة” الذي يشرف عليه وزير الخارجية والخزانة الأمريكي الأسبق جيمس بيكر فقد توصل في دراسة أخيرة له إلى أن إحدى النتائج البعيدة المدى لأحداث 11 سبتمبر 2001 هي وعي الولايات المتحدة بضرورة الاتجاه لتكثيف البحث عن مصادر جديدة لوارداتها النفطية. وأنه ما لم يحدث تغيير جذري في سياسة الاستثمار النفطي في العراق، فإنه لن يكون هناك بديل سريع لما تملكه المملكة العربية السعودية من احتياطيات نفطية مؤكدة وهائلة وطاقات إنتاجية واحتياطية كبيرة إذا ما تنامى العداء للولايات المتحدة وحدث أي تحول داخلي في المملكة.

بل الأكثر من هذا وذاك أن الهدف الأمريكي لم يكن طموحه فقط احتلال العراق فقط، رغم أهمية العراق النفطية والاستراتيجية، ولكن كانت الاستراتيجية الأمريكية تهدف إلى السيطرة على كل المنطقة، التي سميت إبان حرب تموز الظالمة على حزب الله “الشرق الأوسط الكبير”، بدءاً بأفغانستان، وآسيا الوسطى المليئة بالقواعد العسكرية الأمريكية، وصولاً إلى العراق وباقي دول الخليج، ثم إلى بلاد الشام ومصر وحتى المغرب. والطموح الأمريكي هو “تغيير النظم” و”الجغرافيا السياسية” معاً في كل هذه المنطقة. وضمان السيطرة التامة عليها بالتنسيق مع الكيان الصهيوني ليعاد ترتيبها بما يحقق المصالح الأميركية الصهيونية الآنية والمرحلية والاستراتيجية. وطريق ذلك السيطرة التامة على النفط والأسواق. لتصبح سوقاً محتكرة للشركات الأمريكية.

هذه الاستراتيجية كانت تسعى إلى تحقيق التغيير، بعد احتلال العراق، في كل من سوريا وإيران. ولقد بدأت هجومها نحو سوريا أولاً، وإن كانت تابعت الملف النووي الإيراني عبر الدول الأوروبية. وبدأت التلميح إلى تغيير النظم في كل من السعودية ومصر. وأصبح شعارا الديمقراطية والتحديث أساسيان في استراتيجيتها، ليس لأنها تهدف إلى تحقيقهما، بل لأنهما أسهل الشعارات التي تظهر نبل مقاصدها، وتعاطف شرائح من مواطنيها ضحايا التعتيم والتشويه الذي يطال أخبار المنطقة. أو لأنها ربما أسهل الشعارات التي تخفي استراتيجيتها العدوانية. وكان هذان الشعاران يطالا السعودية كما مصر وسوريا وكل النظم العربية والإسلامية. حيث جرى ربط الإرهاب بالإسلام، وبالتعليم الديني, وكذلك جرى ربط الاستبداد بهما. ولذلك فطموح الأمريكان كان احتلال العراق والمكوث فيه والسيطرة على خيراته وثرواته ومن ثمّ الانطلاق منه إلى دول المنطقة الواحدة تلو الأخرى.

الآن، وبعد مرور أكثر من أربع سنوات اتضحت هذه الحقائق وانكشف ما كان مستترا، وأصبح من العبث الجدال حول حقيقة الوجود الأمريكي لأن حصيلته كشفت فشله وحركته فضحت أطماعه ومرور الوقت عرى نواياه. كانت بعض شرائح الشعب العراقي والأمة العربية تتصور أن أمريكا جاءت لتحررها، فأظهرت النتائج عكس ذلك. ذلك أن إسقاط نظام صدام لم يكن لسواد عيون الشعب العراقي، بل تأمينا للمصالح الأمريكية التي أرادت للعراق أن يكون قاعدة لحركة استراتيجيتها في المنطقة، وجسراً للعبور إلى المنطقة كلها.. وليس دفاعا عن الحرية وحقوق الإنسان، ولكن من أجل حرية الاحتلال بكل شركاته واحتكاراته.

هذا فضلا على أنه شوش حتى على إرادة العيش بين العراقيين الذي ارتضوه لأنفسهم منذ قرون وقرون.

خلال هذه السنوات برع الأمريكان في:

1- استباحة حرماتنا: وما تناقلته وسائل الإعلام حول فضائح أبو غريب، ووقائع الاغتصاب والتعذيب وما شابه ذلك خير شاهد.

2- تقتيل شعبنا: حيث وصلت الحصيلة حسب ما نشرته بعض التقارير إلى 655 ألف عراقي لقوا حتفهم منذ اجتياح العراق في مارس/آذار 2003، بينما يتحدث العراقيون اليوم عن نحو مليون شهيد عراقي، ناهيك عن

ثلاثة ملايين عراقي نزحوا داخليا أو إلى خارج البلاد جراء الأوضاع الأمنية في حين تتحدث المعطيات العراقية عن نحو أربعة ملايين لاجئ عراقي.

وأكدت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن العراق بات يشهد حركة “هجرة صامتة”، وقال المتحدث باسم المفوضية رون ريموند إن الكثير من العراقيين يغادرون بلدهم كل يوم فيما وصفه بـ”نزوح جماعي منتظم وصامت”.

3- تمزيق وحدتنا: حيث أشعل الفتنة الطائفية والمذهبية وشجع الاقتتال الداخلي بين أبناء البلد الواحد وزرع الحقد بينهم وروج لفكرة الفيدرالية لضرب وحدة العراق والعراقيين؛ ومزقهم إلى طوائف وشيعا يضرب بعضهم رقاب بعض ويكيد بعضهم لبعض. بل تجاوز ذلك إلى كسر وحدة الأمة العربية، على هشاشتها، فحول دولها إلى محاور وأحلاف ينشغل بعضها ببعض.

4 – نهب خيراتنا: حيث كشفت التقارير الكثير عن سرقة البترول وتحف البلاد وآثارها وتدمير حضارتها وتاريخها…

5 – التمكين للكيان الصهيوني في المنطقة: حيث اتخذ من وجوده في العراق قاعدة خلفية يهدد منها كل قوى المقاومة في المنطقة التي يعتبرها خطرا على أمن الكيان الصهيوني. ومن يتابع مسار الحرب الأميركية يدرك جيداً أن إدارة بوش كانت تستهدف منذ البداية إسقاط الدول الرافضة لمشروعها، والتي تغذي المقاومات المتصاعدة ضد الاحتلال الصهيوني والرافضة لسياسات التطبيع معه.

لا يمكن أن نصف الأمريكان، بعد كل هذا، إلا بالقوة المحتلة الغازية، بل إنها تستعمل لذلك وسائل بدائية وتقليدية ومفضوحة لا يسعنا إلا الاستغراب لمن لم يستوعبها ويقتنع بحقيقتها. وصدق الله تعالى حين قال “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج: 46 )

الوجود الأمريكي في العراق، وكذا أفغانستان، أشّر على بداية العودة إلى الاستعمار القديم بعدما أيقن من فشل دركييه وحراس مصالحه في تحقيق الهدف وفي حماية شريكه وإضعاف خصومه. ولا خيار أمامنا إلا القبول به، ومن تم الرضى بالذل والهوان، أو مقاومته بما كلفنا ذلك من ثمن. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد”.