روى الترمذي وأحمد وأبو داود رحمهم الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: “يا علي، إن لك لكنزا في الجنة وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليس لك الأخرى”. وقوله “ذو قرنيها” أي ذو قرني هذه الأمة، وذلك لأنه كان له شجتان في قرني رأسه؛ إحداهما من ابن ملجم لعنه الله، والأخرى من عمرو بن ود. وقيل غير ذلك.

وروى الشيخان رحمهما الله وغيرهما مرفوعا: “كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه”. زاد في رواية لمسلم رحمه الله وغيره: “والفم يزني وزناه القبل”.

وروى مسلم رحمه الله وغيره عن جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال: “اصرف بصرك”.

وروى البيهقي رحمه الله وغيره: “الإثم حَوَّار القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع”. ومعنى حوار بفتح الحاء وتشديد الواو: أي غالب على القلب حتى يركب صاحبه ما لا يليق.

وروى الطبراني رحمه الله مرفوعا: “لتغُضُّنَّ أبصاركم ولتحفَظُنَّ فروجكم أو ليكسفن الله وجوهكم”.

وروى ابن ماجة والحاكم رحمهما الله: “ما من صباح إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء، وويل للنساء من الرجال”.

وروى ابن ماجة رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن ينظر إلى ثياب المرأة الأجنبية. والله تعالى أعلم.

أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نطلق بصرنا إلى شيء من زينة الدنيا سواء الصور الجميلة والثياب الفاخرة في الأسواق والبيوت، فإن خلاصه من ذلك عسير. وفي الحديث: “كانت خطيئة أخي داود عليه السلام النظر”. أي سبب النظر. وذلك أنه رفع رأسه بغير صالح نية تقدمت، إذ الأكابر مكلفون بأن لا يقع منهم حركة ولا سكون إلا بعد تحرير نية صالحة. وإذا نظر أحدهم إلى شيء مثلا مع غفلة أو سهو عوقب على ذلك وسمي ذلك خطيئة لغيره، إذ الأنبياء معصومون من كل ذنب، وللحق تعالى أن يؤاخذهم على كل حركة وقعت على غير حضور مع الحق وشهود له. ومن هنا كان الفقراء يؤاخذون المريد على كل حركة فعلها مع غفلة أو سهو، فأرادوا له أن يمشي على مدرجة الأنبياء وهجروه على ذلك طلبا لترقيه فافهم.

وإياك أن تظن أن داود عليه السلام نظر إلى امرأة أجنبية ولو فجأة، فإن ذلك لم يقع منه لعصمته، وهذا جواب فتح الله به لم أره لأحد قبلي، وهو في غاية الوضوح.

ومن الأولياء من ينظر إلى جميع ما خلق من التراب بعين التراب، فيراه في جميع تطوراته ترابا من ملك وأمير وصالح وطالح وقاض وفلاح وغير ذلك، لا يراه إلا ترابا يتكلم وينهى ويقبل ويولي ويعزل وهو تراب. وهذا من عجائب مشاهد الأولياء، وهو مشهدنا بحمدنا الله في سائر أطوار الخلق على اختلاف مراتبهم.

وما زاد على التراب فإنما هو خلع يخلعها الحق تعالى على عباده عارية مردودة، وهنا أسرار يذوقها أهل الله تعالى لا تسطر في كتاب.

فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ عارف يسد مجاري الشيطان من البدن حتى يسد عن العبد جميع مجاريه من بدنه، وهناك لا يبقى على القلب الذي هو أمير البدن داعية إلى النظر إلى شيء من الدنيا إلا إن أمره الشارع بالنظر إليه. وهناك يصح للعبد العمل بهذا العهد وإلا فلا يشم من العمل به رائحة. وقد اختصرت لك الطريق.