ثالثا: ضرورة الوعي الاستراتيجي.

إن المقاومة ليست ردة فعل، كما يحلو للبعض أن يتصور، ولكنها وعي استراتيجي مصيري يعالج القضايا الواقعية التفصيلية، مهما كانت حدتها، على قاعدة علاقتها بالأهداف المصيرية الكبرى التي ترتبط في آخر المطاف بوضع الأمة ومصالحها كما وضع الإنسانية ومصالحها. لذلك كان تشبث حماس والمقاومة في فلسطين ولبنان بخيار المقاومة على قاعدة الثوابت الوطنية، رغم الظروف الصعبة أمام تحالف عالمي ومحلي هاجم، تعبيرا عن وعي استراتيجي هام جنّب الأمة الهزيمة النكراء والمنهية لروح المقاومة على الأقل في المستقبل المنظور.

فالمقاومة عمل تاريخي لا يسلم بإيجابية التعاطي مع التجزئة الميدانية، على أي مستوى وفي أي مجال، إلا على قاعدة علاقتها بالخدمة الإيجابية لمصير القضية ومستقبلها الكلي.

ومن هنا نطرح السؤال: ماذا كان سيحدث لو سلمت المقاومة بالقوة الأمريكية تحت أي مبرر وتنازلت عن روح المقاومة واعتمادها كخيار لإفشال المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة؟

ماذا كان سيكون الوضع لو لم يخض حزب الله معركته مع الكيان الصهيوني الصيف الماضي بالطريقة التي خاضها بها مع علمه بثمنها الباهظ؟

ماذا كان سيحدث لو أن حماس لم تدخل الانتخابات وتركت المجال لهيمنة فتح التي سيطر عليها تيار تبيّن أن له أهدافا مباشرة سلبية تجاه المقاومة، وأنه أخذ الشرعية الشعبية عبر الانتخابات؟ ألم تكن الفرصة الذهبية ليتوفر على جميع الإمكانات الشعبية والقانونية ليقوّض المقاومة، وربما ينهيها؟

إن الوعي الاستراتيجي ضرورة ملازمة لعمل المقاومة والتحرير، ولذلك سنجد أن حجم الانتصار يرتبط بدرجة الوعي الاستراتيجي، حيث هناك علاقة كبيرة بين حجم الخطإ ودرجة الوعي الاستراتيجي؛ فكلما كان الوعي الاستراتيجي بدرجة كبيرة كلما تقلص حجم الخطإ وقل أثره، وكلما تراجع الوعي الاستراتيجي كلما ارتكبت أخطاء قد يلتقطها الخصم فيوجه الضربات القاضية أو الهازمة.

ومن هنا فإن الدرس المستفاد من سيادة معاني المقاومة أن يراهن على الوعي الاستراتيجي والمصيري في توجيهها وتدقيق مواقفها وإنجازاتها الميدانية، كما يجب قراءة الموقف والحدث بناء على علاقته بالأهداف والمقاصد الاستراتيجية.

ومن هنا، كذلك، يمكن استفادة درس كبير وهام، نظرا لأن الأمر يرتبط بالمستقبل، وهو ضرورة وحتمية سيادة الروح الميثاقية في التصدي للقضايا المصيرية، لأن عدم سيادة هذه الروح يعني عدم الوعي الاستراتيجي الحقيقي، لأن حركة الأمة لأجل الاستقلال والحرية لاشك أنها ستؤدي في لحظة زمنية محققة إلى تضارب في التصورات الداخلية للقضية الوطنية مما يعني أن عدم الانتباه إلى ضرورة تنظيم الخلاف خلال عملية قبلية واعية سيؤثر على مسار القضية، خاصة لما يكون العدو متربصا بها ويكون عامل الصراع الداخلي عنصرا استراتيجيا في المعركة كما هو شأن الكيان الصهيوني والمشروع الأمريكي المتلذذ بالتقاتل الداخلي الفلسطيني وغيره في البلاد العربية.

لقد أصرت حماس على أداة الحوار الوطني لحصول التوافق الجامع والناظم والضابط لكل الاجتهادات في تدبير القضية الفلسطينية، وهو نفس الأمر بالنسبة للمقاومة في لبنان، لكن العناصر العاملة لصالح المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، بوعي أو بغير وعي، تربك إلى درجة الإفشال كل نتائج الحوار الداخلي. لذلك قد تأتي لحظة تكون مصلحة الأمة، وفق فقه دقيق للواقع ووعي استراتيجي مصيري، راجحة تجاه خيار صعب يكون له ثمن باهظ على المدى المنظور لكنه لصالح القضية على المدى الطويل.

ولذلك فقد استطاع المشروع الصهيوني الصليبي الاستعماري التوسعي اليوم، نظرا لعوامل كثيرة، أن يجعل المشاريع المقاومة في ضيق شديد بالنسبة للبعض وخفيف مرحليا على البعض الآخر، إلا أن الثبات والصبر على المبادئ الوطنية والمصيرية سيشكل دعامة أساسية للخروج من الضيق مع العمل المستمر والمتكامل خلال مرحلة لن تطول على اعتبار طبيعة العدو وطبيعة المقاومة.

ومن هنا نستفيد درسا عظيما، فعلى الجماعات والتنظيمات المقاومة في كل بلاد العرب والمسلمين أن تستنبط العناصر الجامعة لصناعة أرضية جامعة للمقاومة في أفق أهداف جامعة لقضية الأمة والإنسانية، في انتظار توفر شروط التنسيق لأجل استكمال واقع التحرير، ذلك أن لحظة نهاية النظام العربي، إن كان هناك نظام عربي، على الأبواب، ونهاية الغطرسة الأمريكية بادية للعيان. وهما رهينان بمسألة استكمال الشروط الضرورية للتمكين وصناعة واقع الحرية والقوة والاستقلال.

رابعا: حتمية الميثاق الجامع.

إذا نظرنا إلى أفغانستان والعراق، بدرجة ما، وإلى لبنان وفلسطين بدرجة أكثر وضوحا، يمكن القول إن الأمة العربية تعيش اليوم لحظة صراع حادة بين طرفين: طرف يؤسس مرجعيته الفكرية على قاعدة المشروع الفكري الغربي، ولاشك أن الاستناد إلى هذه المرجعية له تجلياته السياسية والنضالية والحركية والعلائقية والأخلاقية، وطرف خرج من صلب المعاناة ليجيب عن سؤال العجز والفشل في تحرير الإنسان والأرض حصل في ظل قيادة الطرف الأول. ليكون الطرف الثاني اليوم، وبشهادة الجميع، هو الواقف في كل بلاد العرب والمسلمين على ثغور المقاومة، ولاشك أن حدة هذا الصراع ستزداد مع مرور الأيام، خاصة من جناح الطرف الأول الذي يتميز بذهاب القيم الأخلاقية والوطنية.

فإذا كان الوضع الاستعماري الصليبي الصهيوني في فلسطين ولبنان قد جعل من واقع هذا الصراع يتخذ أشكالا حادة- لاشك أن بجهود العقلاء والفضلاء وسيادة روح المقاومة مع وضوح العدو المحتل أو العامل مباشرة على تخريب البلاد، ستخرج بالجميع إلى شاطئ النجاة لأن القضية الوطنية في هذه الصور لا تقبل أي شكل من أشكال الاستسلام والتسليم للمحتل- فإن الأمر جد صعب في كثير من البلاد الإسلامية التي تهيمن عليها أنظمة استبدادية قد تنهار في أية لحظة، خاصة أمام الفشل المتكرر للصهيونية والصليبية الأمريكية في أن تراهن على هذه الأنظمة في قضاء حوائجها الهامة. أي إن مسألة الانهيار واردة بشكل كبير، وساعتها لا قدر الله، سيكون التقاتل مدمرا، لأن قوة وعنف الاستبداد لم يترك فرصة لجمع شمل الأمة على قواعد واضحة تنظم الصراع والتدافع داخل المجتمع.

إن الانهيار الشامل الذي تسبب فيه الغزو الأمريكي في العراق وما ترتب عليه من سوء تنظيم البيت العراقي حيث لم يكن مؤهلا لتحول كبير وسريع، لن تجبره ولن تعالجه الآلة العسكرية الأمريكية مهما كانت ضخامتها وحجم إرهابها وتقتيلها.

وانطلاقا من هذه الحقيقة القائمة على الأرض، فإن البلاد العربية اليوم تحتاج إلى تحقيق أولوية سياسية وفكرية وحركية هامة، وهي العمل الجامع والكبير لصناعة واقع ميثاقي يدور على سيادة الأمة والقطع مع الاستبداد وتنظيم العلاقات الداخلية والخارجية ليتم تنظيم الصراع الداخلي على وضوح ومسؤولية ومحاسبة بين أحضان أمة واعية مثقفة لا تهيمن عليها الأمية والفقر والقهر والجوع.

إن حتمية خيار المقاومة كدرس نستفيده من واقع القضية الفلسطينية، وغيرها من القضايا العربية والإسلامية، يفرض حتمية العمل على صناعة ميثاق جامع قاعدته الوضوح التام ووظيفته تنظيم العلاقات في بعدها الداخلي والخارجي ليعرف حجم الجميع وأهداف الجميع ليهلك من هلك عن بينية ويحيى من حيي عن بينة.

إنها مسألة حياة أو موت. ولذلك فهي نتيجة وعي استراتيجي حيث إما ميثاق جامع أو التقاتل المقيت، ومن هنا تظهر المسؤولية الكبيرة على العلماء والمثقفين والمفكرين والإعلاميين والسياسيين والباحثين لتنصب جهودهم نحو هذا الهدف البرنامجي العملي المصيري قبل فوات الأوان.

إن الحوار المسؤول والميثاق الجامع مخرج الأمة بأقل خسارة في لحظة تاريخية صعبة عليها وعلى الإنسانية؛ حوار يوضح ويحسم في الثوابت المرجعية، وميثاق ينظم على قاعدة هذا الوضوح والحسم تفاصيل العلاقات وأهداف ومقاصد حركة الأمة في علاقتها بحاجات الإنسانية الملحة.