صدر حديثا للباحث المغربي عبد الرحيم هندا كتاب اختار له عنوان “في التصور المنهاجي للعمل النقابي  مقاربة في المسألة الاجتماعية” عن مطبعة سبارطيل بطنجة، الطبعة الأولى، 2007.

الكتاب، كما يِؤكد مؤلفه، لا يسعى إلى التأريخ للعمل النقابي، كما يجري في الكتابات التي تتناول موضوع النقابة بالمغرب، فهذا ليس هدفه، وإنما الوقوف عند الأحداث المفصلية للعمل النقابي التي وصمت التاريخ الغربي وكذا المغربي على حد سواء نتيجة التأثر والمحاكاة والتقليد بفعل عوامل تاريخية وثقافية وسياسية ناشئة عن الاستعمار، بقصد الفهم وأخذ العبرة، ثم التأسيس لفعل نقابي جديد، بتصور جديد، يلائم الطموحات الجديدة، ويواكب الانطلاقة الجديدة، والتنظيم الجديد للمجتمع والسياسة والاقتصاد، وينسجم مع الحل الإسلامي، الذي يقوم على بناء مجتمع العمران الأخوي، كما يراه ويطرحه الفكر المنهاجي الذي تعتمده جماعة العدل والإحسان كمشروع اجتماعي في التربية والتنظيم والزحف.

يتكون الكتاب من مقدمة وخمسة فصول وهي:

– العمل النقابي: النشأة والمسار.

– في بواعث العمل النقابي المنهاجي.

– في فلسفة التصور المنهاجي.

– في أسباب البغي وغصب الحق.

– مجالات الفعل النقابي المنهاجي.

وخاتمة.

سأحاول عرض هذا الكتاب مركزا على أهم الأفكار المحورية التي تركز عليها أطروحته المركزية، مع إعادة التحيين لمحتوى الكتاب كما يبدو لي من قراءته الأولية عبر نهج يسائل الكتاب في ذاته ومن أجل ذاته، مؤجلا القراءة الحوارية إلى حين.

العمل النقابي وضغط الواقع الموجود:

المشهد النقابي العام و سؤال المرجعية:

في المقدمة يكشف الكاتب عن الهم المركزي من تأليفه للكتاب، وهو مقاربته للمسألة الاجتماعية من موقع العمل النقابي المنهاجي الذي يهدف إلى تغيير واقع، الناس فيه في كبد، والكبد مفهوم قرآني شامل لمعاني الشدة والمشقة والتظالم والقهر والاستغلال والاستبداد، كبد تساهم في صنعه طائفة المستكبرين والمتجبرين في الأرض.

إن الجور والظلم لم يعد جوانيا كما كان يشاع قبل عقود، وإنما أصبح ثقافة معولمة يتداخل فيها الجواني والبراني بشكل جدلي يدعو المسلمين والإنسانية المستضعفة إلى تغيير التفكير قصد إبداع أنهاج جديدة في صنع المصير والتحرر من التبعية، وإقامة نموذج جديد بديل للتنمية والعمران، يختلف اختلافا جذريا عن نموذج التنمية والبناء الاجتماعي للنظام الرأسمالي اللبرالي، فلا بد من انطلاقة جديدة تبنى تصورا جديدا للحكم، وتنظيما جديدا للسياسة وللمجتمع والاقتصاد.

يعرج الكاتب بشكل خاطف على أهم المعالم الكبرى، والتحولات المفصلية للعمل النقابي قصد الفهم وأخذ العبرة، ثم أيضا قصد عرض السؤال على المنهاج النبوي ليقول كلمته.

فالتاريخ البشري -برأي المؤلف- عرف أشكالا وأنواعا كثيرة من النقابة والنقابية، كما عرفت المجتمعات البشرية هيئات وتكتلات تضامنية، تجتمع وتتحد على أساس خصوصية حرفية، أو مهنية، أو اقتصادية، أو ثقافية… وتقوم بأدوار اجتماعية واقتصادية أو ثقافية أو حقوقية.. لكن العمل النقابي بشكله الحديث، ارتبط ظهوره بالتحول الصناعي، والعمل المأجور الذي عرفته أوربا في القرنين 18 و19 وما بعدهما، وانتقل مع الاستعمار بشكله وفلسفاته إلى الدول المستعمرة، وقطع مراحل وعرف تطورات.

فالتطورات التي أحدثتها الرأسمالية الأوربية أفرزت طبقات عمالية تعرضت لأبشع أنواع للاستغلال والاستعباد، ودوس للكرامة وإهدار للحقوق من لدن رأسمالية ليبرالية هدفها الوحيد هو مصلحتها الخاصة والمزيد من الربح وتكديس الثروة واحتكارها. وانعكس هذا التحول نفسه مع الدول التي تعرضت للاستعمار، فسادت فوضى واضطرابات، وصراعات وصدامات بين العمال والمشغلين، وتفكك مؤسسات كانت قائمة، حيث فقد الفلاحون أراضيهم لصالح التجار والملاكين الكبار، وتحولوا إلى جمهرة من العمال، وهكذا مزقت الرأسمالية كل الروابط السابقة، وانتهكت كل ما كان محترما، وحولت الكفاءة الشخصية إلى قيمة للمقايضة، وجردت كل مهنة مشرفة، ومحترمة من هالتها المقدسة، فحولت الطبيب والمحامي ورجل الدين والشاعر ورجل العلم إلى عمال مأجورين.

هذه الحال دفعت طائفة من علماء الاجتماع والفلاسفة بتوصيف هذا التحول وتحليله، ومن أشهر هؤلاء ماركس ويبر فيما بعد، لاحظ هؤلاء المنظرون النقلة الحادة في التحول ووثقوا الانهيار في الروابط والعلاقات والقيم التي حكمت المجتمعات ما قبل الرأسمالية، لكنهم اختلفوا في تحليل هذه التحولات وتفسيرها، وهذه التناقضات بين الثروة من جهة، والفقر من جهة أخرى وفهم الناس وتاريخهم، ووضعهم الاجتماعي والصراعات الطبقية وطرح البدائل.

بالنسبة لفريق ماركس وانجلز فهذه التحولات والتناقضات تكمن في جذور العلاقات الاقتصادية في علاقات الناس مع ما ينتجونه. فالتاريخ البشري كله برأي ماركس صراع بين الذين يملكون أدوات الإنتاج والذين لا يملكون ويبيعون عملهم لكي يشتروا السلع التي ينتجونها ليعيشوا. مما ينبئ حسب ماركس بقدوم فترة تاريخية ثورية يقوم فيها نوع جديد من البنية الاجتماعية ينتفي فيها الصراع الطبقي، وتقوض الرأسمالية، ويبنى مجتمع لا طبقي مجتمع ديكتاتورية البروليتاريا، المجتمع الشيوعي. ويبدأ هذا الحلم بتشكيل العمال لروابط نقابية ضد البورجوازية لكي يحافظوا على مستوى الأجور ولكي يقوما بتدبير مسبق للتمرد من آن لآخر ويندلع النزاع على شكل شغب هنا وهناك.. فالهدف الحقيقي للعمال ليس في ما يحصلون عليه بل في التوسع الدائم لاتحاد العمال، وفي الصراع بين الطبقات..

إن ماركس لم يقم إلا بتوصيف التحولات التي صاحبت الرأسمالية الأولى، وسياق بروز العمل البروليتاريا، وتشكيل اتحادات نقابية تحولت إلى أحزاب سياسية عرفت بأحزاب العمال، وهكذا تكونت بروليتاريا عمالية، وأصبحت لها إيديولوجيا وتنظيم وفعل ومطامح..

فالماركسية، عموما، تميزت بالتبسيط المخل في التحليل من جهة، وتقديم حل يعتمد على العنف والديكتاتورية والبطش واحتقار الحياة البشرية والإلحاد وعداوة الأديان من جهة أخرى .

فالحداثة الغربية  يخلص عبد الرحيم هندا  على اختلاف مدارسها، قامت على عقيدة المادية، والمسلمات العدمية الدوابية، وعلى الصراعية، ونزعة البقاء للأقوى والأصلح، وأن لا خالق للكون، ولا معنى للحياة خارج المنفعة المادية.

في هذا الجو المحموم بالصراعات ولد العمل النقابي ووصل إلى عالم العرب والمسلمين مع الاستعمار البغيض الذي قام بمهمتين رئيسيتين تمثلتا في عمليتي الهدم والبناء، هدم البنى الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والعلاقات والقيم السابقة على وجوده، وبناء أخرى مكانها، فبعد الإخضاع العسكري، وبعد الخراب والدمار، جاء دور الأسلحة الجديدة الأكثر فتكا، على حد تعبير أحد الاستعماريين: اللغة والثقافة. وعبر طاحون التعليم بتعبير حسن البنا تم فرض الثقافة الغربية بجناحيها الليبرالي والماركسي من خلال “نخبة مغربة من خلال موقعها في سدة الحكم والتعليم والإدارة والمال والتجارة، وتوطدت الإيديولوجيات الغربية، فوجهت الحياة العامة، وغزت الحياة الخاصة وشوهت رسم المجتمع” على حد وصف الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه ستة الله. ص: 230.

هناك عامل آخر، ويتعلق الأمر بظاهرة العولمة كنظام يسعى لإعادة هيكلة الدول والاقتصاديات والثقافات، بحيث أصبحت دول الشمال القوية في الواقع هيئة إدارية للاقتصاد والسياسية العالمية، تحمي مصالحها، وتفرض إرادتها على الجنوب بالقوة، تساعدها في ذلك النخبة المغربة التابعة التي أعطت ولاءها، وربطت مصيرها بالغرب الاستكباري. فمشروع العولمة صيغة مطورة عن الاستعمار القديم والجديد ونظام التبعية، وتبقى التبعية وقبول الهيمنة والاستغلال هي الحجر الأساس في كل مشاريع السياسات الاستعمارية، قديمها وحديثها، وفي بناء العولمة، لا يمكن تصور علاقات عولمية من دون وجوه محلية وعلاقات تبعية.

إن الحكومات والنخب المغربة، المستبدة والتابعة هي من يقرر مصير المجتمع، وتمضي قدما في ترسيخ مشروع الهيمنة العولمية، من دون أي استشارة مجتمعية، ولا تأخذ بعين الاعتبار الرأي العام المحلي، ولا تقيم له وزنا. فالحكومات هي الوكالة الأساسية التي توافق على سحب دعم أسعار السلع الأساسية، وخوصصة قطاع الخدمات، استجابة وتواطؤا مع الاستكبار الدولي.

المشهد النقابي المغربي و سؤال المشروعية :

بعد إخفاق طموحات الاستقلال اعتنق بعض المقاومين الوطنيين والشباب المتعلم فيما بعد الفكر الماركسي الذي دلهم على مرجعية مقاومة “الإقطاعية المخزنية” والثورة عليها، وتكونت حول شعارها “يا عمال العالم اتحدوا” حركات وأحزاب ونقابات.

صارعت هذه التنظيمات طيلة أربعة عقود تقريبا وأدى البعض منها ثمنا غليا وبعدما ناضلت وثارت تراجعت إلى الوراء من مواقعها الثورية، وكفرت بشعاراتها التقدمية والطموحات الاشتراكية وباتت تنادي بالتوافق مع المخزن والتعايش معه والاندماج فيه، بل والدفاع عنه، والتصدي لكل من يعارضه، توافقت على قسمة أسلاب الشعب المستضعف، وحقوق جمهور مقهور منهوب، وكان التوافق على مغانم سياسية واقتصادية ومواقع حكومية. وهكذا توحدت “البورجوازية المخزنية” مع “الوطنية التقدمية” وأصبحا جسدا واحدا بالإقطاعية والمصاهرة ونمط العيش وتحولت التقدمية الثورية إلى أحد أهم ركائز النظام المخزني وأهم أدوات الضبط والقمع الاجتماعي.

فالمخزن طرف فاعل في السياسة والاقتصاد، يسعى بكل ما أوتي من مكر إلى تحييد العمل النقابي وتقزيمه عن الفعل الاجتماعي. وخير دليل على ذلك الاتحاد المغربي للشغل، أما الرهان الحزبي فتمثل في عملية استتباع العمل النقابي وتوظيفه في كل صراع سياسي حزبي، سواء مع الذات أو مع الغير أيا كان هذا الغير، والحال تنطبق على كل النقابات، والدليل أن كل صراع وانشقاق حزبي يستتبعه صراع وانشقاق نقابي .

أما الاستقلالية فإما أن تكون خدعة مرحلية وراءها أياد خفية ما، تلعب بعواطف الناس إلى حين اللحظة المناسبة لتتكشف الأوراق. وإما أن تكون النقابة مستقلة فعلا على مستوى التأسيس والقوانين، كما هو شأن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، والنقابة الوطنية للتعليم مثلا، لكن تدبيرها وتعامل السلطة معها يتم على أساس من يهيمن عليها، فالسلطة تعترف وتتعامل مع هذه النقابات إن سيطر عليها من ترغب فيهم السلطة، أما إن كانت قيادة النقابة من الذين لا ترغب فيهم السلطة، فسترفض حتى الاعتراف بوجود المنظمة النقابية كما هم شأن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لما يسيطر عليها اليسار الجذري إبان فترات المد اليساري أو لما تؤول قيادتها إلى فصيل طلبة العدل والإحسان .

إن العمل النقابي بالمغرب من حيث رؤاه المجتمعية تابع للأحزاب وللقوى المتنفذة في هذه النقابات والمدبرة لها ولتصوراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمكن حصرها في ثلاث اتجاهات رئيسة :

1- اتجاه المعارضة للنظام السياسي الذي يطالب بإصلاحات دستورية داخل نفس النظام .

2- اتجاه المعارضة للحكومة، وهو اتجاه الأحزاب بكل ألوانها.

3- اتجاه معارضة النسق برمته وبناء مشروع مجتمعي جديد بمطامح جديدة، يسعى لتغيير النسق بأكمله في مختلف مجالاته، يكون أكثر عدلا وإنصافا، واستقامة ومشروعية، وهو اتجاه جماعة العدل والإحسان.

فالفاعل والمتتبع للعمل النقابي في المغرب يلحظ كونه يعرف تحولات عاصفة تمثل نهاية عصر وبداية عصر آخر وتردي عقلية وهزيمة جيل مغربي حداثي ، جيل نشأ على الإعجاب غير المشروط بأفكار المستعمر، وتمثل أفكاره وقيمه، وتشرب بشغف ولهف رحيق ثقافته. فالنقابة تعيش الآن أزمة، وعلى بقايا ماض، وأطلال فكر وشيوخ ومشيخة سياسية ـ تبحث عن مغانم شخصية وفئوية بالتوافق مع المخزن… إنها نهاية عهد، عهد التبعية والتغريب، وبداية عهد جديد صاعد إلى قمة العقبة. عهد يدعو إلى التجديد، تجديد الإسلام والإيمان والإحسان.

العمل النقابي والسؤال عن الموقع المنشود::

إن العمل المأجور وكذا الخدمات الاجتماعية خضعت إلى تحول عميق، يتجه نحو الهاوية، وحقوق العمال تتآكل بشكل مضطرد وسريع، وتتعرض للزوال والتلاشي، لأن اللبرالية الجديدة لا تحس بأي تهديد فعلي لكيانها متمثلا في نموذج آخر أكثر إغراء، كما كان الشأن في مرحلة الحرب الباردة. مما يجعل الدعوة إلى المطالبة بالتغيير والتجديد مسألة جهد وجهاد في نفس الآن يسعى المؤلف إلى مقاربته.

مطلب التغيير والتجديد :

إن الحماية الاجتماعية عن طريق التشريع الإسلامي يمر عبر إقامة الاقتصاد الإسلامي مع نظام الحكم الإسلامي، وذلك ب “ربط مصالح العمل برأس المال ربطا لا يجحف في حق العامل، وعدم إعطاء صاحب المال فرصة لتجاوز حقه، ومنعه من الإضرار مصالح الجماعة، ومن السيطرة على السوق كما يسيطر رأس المال المنساب من كل قيود” كما يرى ذ.عبد السلام ياسين ( في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية : ص 66).

فمفهوم النقابية المنهاجية كمذهب وتوجه في العمل النقابي تعتبر الكفيلة بالدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية للعمال والمهنيين وفق مبادئ الوحي وقيم الشريعة وضوابطها. هي جملة المبادئ التي تضمن التناصر والتعاون على البر دون الإثم، الداعية إلى الخير والآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر والشاهدة بالقسط والمدافعة عن العدل والإنصاف، المجاهدة في سبيل الله والمستضعفين في حيز عملها ونطاق وجودها. وظيفتها العمل على تحقيق التصور المنهاجي للعمل النقابي على أرض الواقع مع تحويل النظرية إلى فعل، وصيانة حقوق الشغيلة المهنية والعمالية والمشاركة والإسهام في تطوير الشأن العام نحو الأحسن والأفضل اقتراحا وتدبيرا.

وللعمل النقابي مجالاته التي يصرف من خلالها تصوره ومنظوره للشأن الاجتماعي، توفر له التحقق على أرض الواقع، وهي كالتالي:

1- المجال الدعوي: فالإنسان باعتباره جوهر الكون ودرته الغالية، خلقه الله لوظيفة عظيمة، ولغاية سامية، هي عبادة الله، والاستعداد للدار الآخرة، فآخرة الإنسان تفسد بفساد دنياه، إما ترفا (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) وإما فقرا ومسغبة (كاد الفقر أن يكون كفرا)، فالصفة الرئيسة لدين الإسلام أنه بلاغ للناس، ولا معنى لعمل منهاجي إن لم يتخذ من هذا البلاغ ومن هذه الوظيفة الحيوية أساس لعلمه وعمله وفعله. “وأي إحسان أحسن وارفع من تنبيه الغافل، وإعلام الجاهل، وإنذار المستهين، وتبشير السادر بما ينتظر العباد بعد الموت” عبد السلام ياسين: الإحسان، ج2، ص 328

2- المجال التكويني: فالتكوين هو علم ومعرفة، ومهارة وتدريب، وكفاية علمية وعملية بهدف تنمية الإنسان في أبعاده المختلفة، وتطوير قدراته عبر مسايرة ومواكبة التطورات، وإتقان العمل وإصلاحه، وينتظم التكوين المنهاجي في بعددين:

البعد الأول: تكوين الأعضاء والمنخرطين، وإعادة تأهيل كفاياتهم ن بقصد الإحسان والإتقان وتحسين الجودة، ورفع المنتوجية.

البعد الثاني: تكوين مرتبط بالوعي الأسمى، والتحويل الإسلامي، وإعادة صياغة الإنسان والمجتمع، والتحرر من إرثي الملك العضوض والجبري والتحرر من ثقافة الفتنة والوافد الدخيل، والتغريب وأسبابه ونتائجه، وتحرير الإنسان المسلم، تربويا وسياسيا من الذهنية الرعوية، ذهنية القطيع الذي ينتظر ببلادة وكسل ما يفعل به، والغثائية الموروثة، ودين الانقياد، والطاعة العمياء لأصحاب السلطة والنفوذ.

3- المجال المطلبي: هو الجانب الذي يهتم بالقضايا الحقوقية والقانونية، وقضايا الشأن العام وعلاقة الشغل والعدل والإنصاف، فمطالب النقابة ومواقفها تتأسس في المنظور المنهاجي على التصور الذي تم بسطه سابقا لمفهوم العدل في إنتاج الثروة وتوزيعها، بجعل الأسبقية للعمل على رأس المال، وحق العمال في الاستفادة العادلة من هذه الثروة المنتجة، وتحقيق حد أدنى معقول للأجور يضمن الضروريات والحاجيات.

4- المجال المهني: تتلخص الفكرة الأساسية لهذا البعد في تأكيد الإسلام على مفهوم العمل، والمسؤولية فيه. فمفهوم العمل في القرآن أوسع بكثير مما هو متعارف عليه في المدارس الأخرى. وذكرت كلمة عمل في القرآن أكثر من 360 آية، كما بوجد مفهوم (فعل) وهو أقرب إلى العمل وورد في القرآن في 109 آية…. هذه الآيات كلها تؤكد على فكرة العمل والعودة إليه في الإسلام. فالإسلام دين العمل والقرآن يثني على العمل ويرفعه إلى مستوى العبادة، وهو بعد لا ينفصل عن العقيدة والإيمان نفسه.

5- المجال الاجتماعي: فالعمل الاجتماعي يقصد به في أبعاد العمل النقابي المنهاجي بالعمل الاجتماعي الخيري التطوعي والخدماتي. ووظيفة العمل الاجتماعي الخيري والخدماتي التأسيس للمجتمع التضامني، مجتمع البر والتكافل والإحسان بكل معاني الإحسان، ومنه نفع الخلق والبذل والعطاء، والتعاون على البر والتقوى. فالعمل الاجتماعي بات يعتبر أحد الركائز الأساسية لتحقيق التقدم الاجتماعي والتنمية، فلم تعد غايات وأهداف العمل الاجتماعي، هي تقديم الرعاية والخدمة للمجتمع وفئاته فقط، بل أصبح الهدف منه التنمية والتطوير.

6- المجال التواصلي: التواصل عملية تفاعلية تسعى إلى تحقيق الاتصال بين طرفين أو أكثر، وتقوم على تداول الخطاب والمواقف والأفكار، والمشاريع والأفعال والعلاقات، وأهميته تتجلى في المهمة الأساسية التي يقصد إليها، والوظيفة التي يسعى لتحقيقها، عن طريق الانفتاح ومد الجسور مع الجهات المقصودة والمستهدفة من هذا التواصل، ويتم عادة على محورين:

التواصل الداخلي: يلعب التواصل الداخلي دورا هاما في التدبير والتسيير، فكلما كانت أنظمة جيدة للتواصل كلما ازدادت كفاءة العمل ونجاحاته، فمن خلال التواصل يتم تنشيط الحوار الداخلي، وتوصيل المعلومة “فمن يملك المعلومة يملك القرار” كما يقال.

التواصل الخارجي: وهو تواصل مع الغير، وإقرار بحق الاختلاف والتنوع، ويهدف إلى إبلاغ رسالة ما، ومد جسور الحوار، والتعاون على البر والتقوى وفعل الخير، وهو أساس العلاقات الاجتماعية المنفتحة. وغايته هي الاستناد على موضوع وقضية لتسهيل فرص الالتقاء، والبحث عن القواسم المشتركة، وتدليل العوائق المثبطة وممارسة أنماط من العلاقات، والتقارب والتفاعل، والإدراك للغير.

خاتمة

قليلة هي الكتابات التي تتناول العمل النقابي من موقع الحركة الإسلامية، وان شئنا التواضع والإنصاف لقلنا: إنها منعدمة باستثناء كتابات جمال البنا شقيق الشهيد حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، وكل ما ينشر عن العمل النقابي على ضآلته هو مجرد خطابة وبيانات لتسجيل مواقف سياسية ليس إلا، لكنها لا تحقق الإشباع النظري اللازم للفاعل الحركي والمواكب والباحث في هذا الشأن، فالكتاب الذي قمنا بعرضه لا يجيب على كثير من الأسئلة، ولا يزعم صاحبه لنفسه ذلك، فالكتاب مقاربة أو بلورة خطاب نقابي نظري من موقعه كفاعل نقابي وباحث وعضو في تنظيم إسلامي، غير أنه يحسب له أنه حرك الماء الراكد بخصوص السؤال النقابي في المنهاج النبوي.

على المستوى النظري أجاب على مجموعة من الأسئلة التي تشغل الفاعلين النقابيين داخل العدل والإحسان، لكن على المستوى الفعل أو الممارسة هناك أسئلة كثيرة تبقى معلقة، ليس من لدن الإسلاميين المغاربة وحدهم، بل حتى لدى القطاع العمالي الذي بدأ يكفر بأهمية العمل النقابي.