برز شعار ” الفوضى الخلاقة ” بقوة خلال العشرية الأخيرة كاستثمار أمريكي لما بعد انهيار المعسكر الشرقي و محاولة صناع القرار بالبيت الأبيض إعادة صياغة العالم وفق مصالح المنتصرين في الحرب الباردة، و كرد مباشر على ” غزوة مانهاتن ” ( هجمات 11 شتنبر ) عملا بسياسة ” الضربات الاستباقية ” لجورج بوش ، وصلت تجلياته – شعار الفوضى الخلاقة – أطراف إمبراطورية الشر سابقا (روسيا حاليا) في شكل ثورات برتقالية و ربيعية … ووصلت المنطقة العربية في شكل نخب سياسية حاكمة ولاؤها الأول و الأخير للغرب و أمريكا و صنيعتهما بالمنطقة: دولة العدوان الصهيوني.

1) فبعدما كانت أمريكا تعمل على استقرار الأنظمة العربية، و خصوصا الخليجية النفطية، لضمان تدفق البترول بأسعار” عادلة ” عمدت إلى وضع يدها على مصادره بشكل مباشر في العراق، و بإنابة حكام المحميات الأمريكية بالسعودية و الكويت و الإمارات… و ذلك بإحداث أجواء من الهلع و الخوف متمثلة أساسا في العراق و لبنان و فلسطين.

يعبر عن هذا التحول في سياسة أمريكا روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الأميركي بقوله: ” تاريخياً، كان السعي للحفاظ على الاستقرار ميزة أساسية في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. جورج بوش كان أول رئيس يقول إن الاستقرار بحد ذاته عثرة في طريق المصالح الأميركية في المنطقة. بعد أحداث 11 أيلول، سعت الإدارة نحو سياسة من عدم الاستقرار البناء، بناءً على الاعتقاد بأن حماية المواطنين الأميركيين والمصالح الأميركية يتم عبر تغييرات أساسية في أنظمة الشرق الأوسط. وفي هذا الاتجاه اتخذت الولايات المتحدة عدداً من الإجراءات القسرية وغير القسرية بدءاً من الحرب على أفغانستان والعراق، وصولاً إلى عزل ياسر عرفات وتشجيع رئاسة فلسطينية جديدة مسالمة ويمكن التعويل عليها، ثم إلى الضغط بلطف على مصر والسعودية للمضي في طريق الإصلاحات” . ( 1 )

2) ففي العراق تتجلى تطبيقات سياسة ” الفوضى الخلاقة ” في التدمير لإعادة بناء النموذج الموعود الديمقراطي المتسامح و طرحه كسلاح في حرب الأفكار ضد الإسلام ” الراديكالي العنيف ” بتعبير حكام البيت الأبيض.

و النتيجة 665 ألف قتيل منذ الغزو الأمريكي- البريطاني للعراق في شهر مارس 2003 م و 4.4 مليون لاجئ فروا من بيوتهم بسبب العنف الأعمى السائد، بحسب تقارير المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة و خراب و دمار طال البنية التحتية و الفوقية و ما بينهما و لم يستثن حتى أماكن العبادة من مساجد و حسينيات و مراقد و مزارات…

بهذا يكون بوش قد وفى بقسمه و هو يتوعد صدام بإرجاع العراق إلى العصر الحجري، و بالمقابل استجاب لأمنية زعماء تنظيم القاعدة بتوفير ساحة حرب جديدة بعد أفغانستان مع إذكاء نار الصراع الطائفي و المذهبي.

3) و في لبنان العصي على التطويع و التركيع، وجد صناع القرار الأمريكي في مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحرير فرصة للتدويل بهدف الوقيعة مع سوريا و إضعاف الجبهة الممانعة، خدمة لدولة العدوان الصهيوني المترنحة تحت ضربات المقاومة اللبنانية، فتم إنشاء المحكمة الدولية رغم عدم التوافق بين الأغلبية الطيعة بيد أمريكا و المعارضة المناهضة لسياسة ” الفوضى الخلاقة “.

فماذا كانت النتيجة؟ غير حالة من الانقسام الحاد و تعطيل للحياة السياسية و الاقتصادية و ظهور بؤر للعنف تؤشر لولادة حقيقية لتنظيم القاعدة بلبنان.

في مقال بعنوان ( الولايات المتحدة متواطئة مع إسرائيل في تحطيم لبنان ) يقول المعلق الأميركي بول كريغ روبرتس: ” إن ما نشاهده في الشرق الأوسط هو تحقق خطة المحافظين الجدد في تحطيم أي أثر للاستقلال العربي الإسلامي، والقضاء على أي معارضة للأجندة الإسرائيلية. وهذا التصور للشرق الأوسط ينطلق من تصور أن التاريخ متوقف تماماً في هذه المنطقة وأن الشرق العربي مجرد مساحة أو منطقة بلا تاريخ ولا تراث مشترك تقطنها جماعات دينية وإثنية لا يربطها رابط ، وليس لها ذاكرة تاريخية ويرى رالف بيترز وهو واضع مخطط لإعادة تقسيم الشرق الأوسط ، أن ثمة كراهية شديدة بين الجماعات الدينية والإثنية بالمنطقة تجاه بعضها، وأنه لذلك يجب أن يعاد تقسيم الشرق الأوسط انطلاقاً من تركيبته السكانية غير المتجانسة القائمة على الأديان والمذاهب والقوميات والأقليات حتى يعود السلام إليه. ( والنموذج الكامن هناك هو الكيان الصهيوني القائم على الدين والقومية وامتزاجهما ). ( 2 )

4) أما في فلسطين التي شهدت انتخابات ديمقراطية و نزيهة بشهادة المراقبين الأمريكيين أنفسهم ( الرئيس الأسبق جيمي كارتر و فريقه ) فقد تمظهرت سياسة ” الفوضى الخلاقة ” من خلال دعم و تسليح الأقلية ممثلة في عباس و حركته فتح التي فتحت نيران أجهزتها الأمنية على الحكومة الشرعية بغرض إرباكها و دفعها للرضوخ و الاستقالة.

و النتيجة معلومة :

* اضطرار حماس للحسم العسكري بقطاع غزة مع زمرة العملاء المتخفين تحت عباءة الأجهزة الأمنية و المتآمرين على شعبهم و أمتهم بالتعاون مع الاحتلال الصهيوني.

* لجوء الرئيس محمود عباس للحسم السياسي، نزولا عند طلب الفئة الباغية في فتح و المستقوية بالدعم الأمريكي و الصهيوني على شعبها، و ذلك بنزع الشرعية عن حكومة الوحدة الوطنية و تنصيب أخرى للطوارئ لا شرعية قانونية لها، بما يشق الصف الفلسطيني و يمعن في تكريس سياسة الفصل العنصري بين الضفة و القطاع خدمة للمشروع الصهيوني.

5) بهذا أخلص إلى أن شعار” الفوضى الخلاقة ” الأمريكي الصنع يستبطن سياسة ليست فوضوية أو عبثية أو بلا هدف، بل سياسة تستهدف أوضاعا و قوى و منظومات معارضة للمشروع الأمريكي الصهيوني بالمنطقة العربية بالضرب و التشويه و حتى الإفناء، و تأييد أخرى طيعة و موالية و خادمة لهذا المشروع. و ما تقسيم وزيرة الخارجية الأمريكية رايس للعرب بين ” معتدلين ” و ” متطرفين ” إلا دليل إثبات على ذلك.

و آخر دعوانا اللهم اجمع شمل المسلمين…آمين.

هوامش:

……………………………..

( 1 ) جريدة الأهالي المصرية عدد 1260 بتاريخ 28/12/2005 م.

( 2 ) جريدة الثورة السورية بتاريخ 21/12/2006 م.