أولا: استهلال:

يمكن القول إن سرعة الأحداث الجارية في قلب الأمة العربية والإسلامية أدت إلى إرباك شديد للعقل العربي والإسلامي حتى اختلت عملية التفكير لدى كثير من الباحثين والمفكرين والعاملين في الميدان. وإن اللحظة التاريخية التي تمر بها الأمة والإنسانية تحتاج إلى هدوء كبير في بناء المواقف وإنجاز الوظائف، فضلا عن الوجود الواعي والعملي في الميدان.

أي إننا في حاجة إلى عملية تحليل هادئة تقف ضمن تفاصيل الواقع مغالبةً ومتابعة ورصدا، حيث تُلتقط المعلومة في هدوء وتُرتب في هدوء وتقرؤ في هدوء دون تفويت الفرصة وتضييع الوقت وهذر الكفاءة.

وبهذا نستطيع أن نقف على حقيقة ما يجري في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان وباقي بؤر المقاومة المباشرة وغيرها من مواقع وصور الممانعة في كل بلاد العرب والمسلمين، لنستخلص الدروس والعبر وننظر وفق وعي استراتيجي مصيري لقضايانا المصيرية لأجل بناء مستقبل الحرية والقوة والاستقلال، حيث حقيقة الكرامة الآدمية، مهما كان الثمن.

إن الداعي إلى تقرير عنوان هذه المقالة هو الجديد الذي أضافته حماس على الأرض الفلسطينية حين اتخاذها القرار “الاضطراري” في مواجهة عسكرية حاسمة مع ما سمته بتيار الخيانة والعمالة الذي سيطر على منظمة فتح وسرق قرارها.

وقد أضافت حماس عملية السيطرة على غزة إلى مفاجأتها الكبرى بالفوز بالانتخابات الفلسطينية وإلى ما صنعه حزب الله في لبنان الصيف الماضي وإلى ما قامت وتقوم به المقاومة في العراق وأفغانستان، مع الانتباه إلى التباينات الحاصلة بين جميع الحركات التي تقود عملية المقاومة في كل بقعة من بقاع البلاد الإسلامية، وهو ما كان له الأثر في كل المجالات كما ستتم الإشارة إلى بعضها بعد.

إن الخطوة الجديدة التي قامت بها حماس، والتي لها تبعات هامة وعامة، تحتاج إلى قراءة عميقة وشاملة تعطيها حجمها المرحلي وعمقها الاستراتيجي ودلالاتها السياسية الخاصة بفلسطين والعامة لبلاد العرب والمسلمين، لأنها مؤشر على مرحلة جديدة في فهم طبيعة الصراع السياسي داخل البلاد العربية والإسلامية، وإلى مرحلة جديدة في تحديد حجم المواجهة وأسسها مع الصهيونية الصليبية الاستعمارية التوسعية العالمية التي تخوض معركة ضروسا وحاسمة تجاه الإنسان والمجتمع العربيين والإسلاميين.

هل سيطرة حماس عسكريا على قطاع غزة ردة فعل أم مرحلة عادية، وإن كانت ظاهريا اضطرارية، في تطور المقاومة الشعبية وزحفها الأرضي نحو الاستقلال والقوة والحرية؟

هل هي خطوة ضمن استراتيجية عامة، حاصلة بالضمن، في إطار المشروع النهضوي للمقاومة واستكمال التحرير، أم أنها فعل لا يستند إلى أي نظر استراتيجي؟

ثانيا: حتمية خيار المقاومة.

لسنا في حاجة إلى التأكيد على أن الحل الوحيد لشعب احتلت أرضه واغتصبت خيراته وشرد ناسه ودمرت مؤسساته وسجن شبابه ويتّم أطفاله ورمّلت نساؤه إلا خيار المقاومة والتحرير، لكن المقصود هنا بحتمية الخيار بيان أن المرحلة العامة التي تعيشها الأمة ينبغي أن تتأسس على روح المقاومة وعدم الاستسلام نظرا لجم وفعالية وسائل التأثير المتعدد المجالات التي توظفها الصهيونية الصليبية الاستعمارية التوسعية المسيطرة على العالم.

وقبل أن نقف على بعض معاني المقاومة التي ينبغي أن تسود في بناء الحركات التغييرية في البلاد العربية والإسلامية، لابد من التذكير بالسياق الذي أحاط بمعملية حماس الأخيرة في قطاع غزة.

نعم ستكشف الأيام عن حقائق مذهلة في طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني داخل فلسطين وخارجها، وستزيد الأيام المقبلة وضوحا بأن حماس والمقاومة أخرجت قضية العرب والمسلمين من عنق الزجاجة ومن نفق كادت تنتهي إليه وفيه. ذلك أن الاستراتجية الأمريكية الفاشلة في العراق والمتعثرة في أفغانستان والمكشوفة في لبنان والمخترقة للقضية الفلسطينية من خلال دهاقنة ومهندسي السلام الحقيقيين مع الكيان الصهيوني ركزت على عمل استخباراتي تعبوي إعلامي مالي وسياسي لتقويض روح المقاومة وإنهاء عناصر قوتها البشرية والمالية والتنظيمية واللجوستيكية، وغيرها، لكن المقاومة أفشلت إلى حد كبير المشروع، سواء في العراق أو لبنان أو فلسطين أو أفغانستان.

ومن ثمة فإننا أمام لحظة تحول تاريخي كبير يجب أن نتوفر على كفاءة في استيعابه وتوجيهه لأجل مصالح الأمة في الحرية والقوة والاستقلال الكامل والقيام بالدور التاريخي في المساهمة العادلة في صناعة نظام دولي عادل آمن ومستقر ومطمئن.

لقد كاد الإعلام الرسمي والمهيمن والسائد عالميا المسخر في يد الصهيونية الصليبية الاستعمارية التوسعية أن ينهي فينا روح المقاومة، ويقودنا إلى الاستسلام، خاصة الحركات التي ترزح تحت وطأة أنظمة استبدادية قمعية لا تتورع في أن تعلن الولاء لأمريكا والصهيونية وأن تجهر بقمعها لكل روح مقاومة ووطنية وتروج أن ليس ممكنا أفضل مما هو كائن. لكن المقاومة في العراق، وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي الذي يحجب حقائقها الميدانية عن الرأي العام، وكذلك المقاومة في لبنان، خاصة مع انتصار حزب الله في الحرب الأخيرة، مض