تقديم:التحق المغرب بالبلدان التي تشهد تصاعد العنف السياسي وتكراره بشكل بات يهدد استقرار البلد وسلامة المواطنين. هذه خلاصة التحليلات، وزبدة الاستنتاجات التي تقدم، بناء عليها، التقارير المحلية و الخارجية توصيات هادفة للقضاء على العنف وتطويق مصادره في المغرب. ونسي محررو هذه التقارير أنهم ركزوا على نصف الحقيقة وتغاضوا عن النصف الآخر. فالعنف السياسي ظاهرة معروفة في المغرب منذ الاستقلال ويعتبر النظام السياسي مصدره الأساس.

طبيعة العنف:يمكن التوافق على اعتبار العنف: “كل عمل أو تصرف عدائي أو مؤذي أو مهين، يرتكب بأية وسيلة وبحق أي فرد، يخلق معاناة جسدية وجنسية ونفسية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من خلال الخداع أو التهديد أو الاستغلال أو التحرش أو الإكراه أو العقاب أو الإجبار على فعل معين أو أية وسيلة أخرى، وإنكار وإهانة الكرامة الإنسانية أو سلامة الأخلاق أو التقليل من أمن الإنسان ومن احترامه لذاته أو لشخصيته أو الانتقاص من إمكانيته الذهنية والجسدية. وقد تصل الإهانة بالكلام حتى القتل. ويمكن أن يمارس العنف ضد الإنسان من قبل أفراد أو جماعات أو مؤسسات بشكل منظم أو غير منظم، وهى ظاهرة عالمية.”

و تكمن خطورته ببساطة في كونه” يهدد الوجود البشري ويقوض تواصل الحياة الإنسانية” .

أما العنف السياسي فينقسم إلى نوعين:

1 ـ العنف الحكومي: وهو العنف الذي يوجهه النظام إلى المواطنين أو إلى جماعات وعناصر معينة وذلك لضمان استمراره، وتقليص دور القوى المعارضة والمناوئة له. ويمارس النظام العنف من خلال أجهزته القهرية كالجيش والبوليس والمخابرات والقوانين الاستثنائية.

2 ـ العنف الشعبي: وهو العنف الموجه من المواطنين إلى النظام.

وهناك نوعان من العنف السياسي تمارسهما أجنحة السلطة بعضها ضد بعض، أو قوى وجماعات ضد قوى وجماعات منافسة لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية.

ويُبنى على هذا أن العنف السياسي يشمل «كافة الممارسات التي تتضمن استخداماً فعلياً للقوة أو تهديداً باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بشكل نظام الحكم وتوجهاته الإيديولوجية وبسياساته الاقتصادية والاجتماعية». وهناك من عرفه أيضا باعتباره: “استعمال القوة، بطريقة مدمرة أم غير مدمرة، من قبل فرد أو جماعة بشكل منظم أو عفوي، ضد أفراد أو جماعات لتغيير وضع أو سلوك معين. ويعرف أحياناً بأنه قيام مجموعة أو فرد أو دولة بما من شأنه نشر الرعب والخوف سواء حصل من جراء ذلك اعتداء على الأرواح أو الأموال أو الأعراف أو لم يحصل”.

هوية العنف:هل للعنف هوية ثقافية ثابتة؟هل له حافز واحد؟ وما العوامل التي تتحكم فيه؟

لعله من التسطيح في معالجة هذه القضية التسرع في ربط العنف بثقافة محددة أو مرجعية واحدة. فالدراسة المتعمقة لأنماط الصراعات التي عرفتها البشرية، في الماضي البعيد والقريب، تبرز، بما لا يدع مجالا للخداع أو الدجل، أن العنف، وخاصة في بعده السياسي، ليس له هوية ثابتة أو مرجعية قارة، وإلا، فما هو هذا المجتمع الذي خلا من توظيف العنف لتحقيق مصالح أو إنفاذ قناعات أو مشاريع؟

وإذا كانت وسائط الاتصال، ومن خلفها محركوها لتحقيق غاياتهم ومصالحهم، تركز في مرحلة من المراحل على أنماط عنيفة معينة، فإن هذا لا يجب أن يخدع المفكر أو الباحث عن الحقيقة، أو يصده عن هذه القاعدة الراسخة: “العنف ليس له هوية ثابتة أو مرجعية قارة”. غير أن قبول هذه الحقيقة لا يعني التسليم بشرعية هذه الممارسة والتطبيع معها. ففي واقع الأمر ليس هناك ظاهرة أخطر من ظاهرة العنف السياسي وآثارها الاجتماعية، فهي تهدد حياة الأفراد، وتربك المجتمع، وتشل الدولة، فضلا عن سلسلة المآسي التي تبدأ بالخسائر البشرية والمادية، والفوضى الاجتماعية، والخراب الاقتصادي، ولا تنتهي بنسف الأمن الاجتماعي وضياع فرص التنمية، بل ربما قادت إلى الحرب الأهلية.

أسباب العنف السياسي:اختلف الباحثون في تحديد أسباب العنف السياسي. فقد خلصت دراسات أكاديمية كثيرة، منها دراسة أجراها ميلر عام 1985 في “56” دولة، إلى وجود علاقة مطردة بشكل دائم بين عدم المساواة في توزيع الدخل والقهر الاجتماعي وبين العنف السياسي. كذلك، فإن أعمال العنف التي كانت إما على شكل إضرابات أو تظاهرات أو أحداث شغب، والتي مارستها قطاعات وشرائح من العمال والطلبة وبعض الجماعات الإسلامية، وحتى بعض القوى اليسارية في فترة السبعينيات والثمانينيات، كانت مرتبطة أساساً بقضية العدل الاجتماعي والاحتجاج على الفجوات الاقتصادية والاجتماعية المجحفة، والمطالبة بتوزيع الثروات توزيعاً عادلاً.

ومرجع هذه الأزمة أنه كلما ساءت عملية التوزيع العادل للثروات وتضخمت التناقضات الاجتماعية والاقتصادية، ساد إحباط فردي وسخط جماعي يمهد لإحداث سلسلة من بؤر توتر وصراع يهدد بالانفجار متى سنحت الفرصة. فالعقائد ليست هي التي تولد العنف، ولكن الاندفاع نحو العنف والإخفاق في حل التناقضات الاجتماعية والسياسية بالطرق السلمية هما اللذان يدفعان الناس إلى تأويل عقائدهم الدينية والعلمانية تأويلات عنيفة.

العنف في التاريخ السياسي للمغرب:يقوم التاريخ المعاصر للمغرب شاهدا على أن استخدام العنف في الفعل السياسي ظاهرة مستقرة في المجتمع، ويتكرر حدوثها بأساليب متنوعة ولغايات مختلفة، من قبل أطراف متباينة في المشهد السياسي المغربي.

فمنذ الاستقلال عاش المغرب أحداثا كبرى رسخت هذه القناعة، ذلك أن استخدام العنف كان وسيلة للتغيير وإسقاط النظام السياسي الرسمي من أجل نظام ثوري ذي عمق شعبي وخيار مجتمعي اشتراكي أو شيوعي. وقد جسد الخيار الثوري لمكونات اليسار المغربي خلال الستينات والسبعينات هذا النموذج. ثم عرف المغرب أيضا ظاهرة الانقلابات العسكرية ممثلة في محاولتي 1970 و 1972، اللتين استهدفتا إسقاط النظام الملكي وإحلال نظام حكم بديل. كما أن تبني جمعية الشبيبة الإسلامية للعنف كخيار لمواجهة عنف خصومها السياسيين ذوي التوجهات اليسارية خاصة، ثم وسيلة لتغيير نظام الحكم بعد ذلك أضاف نمطا جديدا للمشهد السياسي المغربي.

غير أن أكبر مصدر للعنف السياسي في تاريخ المغرب هو النظام المخزني. فقد كان ـ ولا يزال ـ العنف بأشكاله المتنوعة و مستوياته المفرطة أسلوبه المفضل في تدبير الخلاف مع القوى المعارضة لشرعيته، أو الرافضة والمحتجة على طريقة تسييره لشؤون هذا البلد. اعتمد المخزن العنف وسيلة للإخضاع وأسلوبا للانتقام أو الإلغاء السياسي من خلال تفتيت تنظيمات الخصم وتعويم مبادئها أو تهميشها لحساب من يستقطبه لصفه منها. فالاغتيالات والاختطافات والاعتقالات الجماعية والفردية والمحاكمات الصورية والتعذيب في المراكز السرية كـ”درب مولاي الشريف” و”تازمامارت” ومركز “تمارة”، شكل ظاهرة متفشية وغالبة على تصرف المخزن تجاه خصومه ومعارضيه. وقد تعامل النظام بهذه الأساليب مع مختلف الخصوم السياسيين، يساريين كانوا أم إسلاميين. ويمكن استحضار تجربة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي بعد ذلك، فضلا عن تنظيمات “إلى الأمام” و”23 مارس”، وكذلك تجربة الشبيبة الإسلامية، ثم جماعة العدل و الإحسان.

وقد انعكس هذا المسار السياسي على طبيعة اختيارات الدولة وتحالفات النظام وأشكال النخب التي توالت على تسيير الشأن العام. كما خلف هذا النهج اختلالات خطيرة؛ فالاستقرار السياسي ليس إلا حالة شكلية، ولا يزال مطلبا غير متحقق رغم كل المحاولات لخلق إجماع وطني وهمي بإدماج نخب سياسية جديدة، أو اتخاذ إجراءات قصد تنفيس الاختناق السياسي وإلهاء الناس بوعود وهمية سرعان ما تكشف الممارسات المخزنية المعتادة زيفها مما يفتح الباب على المجهول ويقوي اليأس لدى عموم الشعب ويضاعف من حجم الانغلاق السياسي.

ومما يقوي عدم الاستقرار السياسي ضعف النظام، وغياب مشروع مجتمعي لديه، فضلا عن ضعف النخبة السياسية، وعزلتها عن الناس، وعدم قدرتها على تأطير جماهير الشعب واستيعاب مطالبه والتعبير عن آماله. أما التنمية الاجتماعية فقد تحولت إلى سراب تدغدغ به الشعارات المخزنية أحلام البسطاء من الشعب في مقابل تفاحش وتيرة الفساد والسطو الصريح على ثروات هذا البلد ونهب خيراته بشكل لم يعرفه المغرب من قبل دون حسيب أو رقيب.

ثم عرف المغرب أخيرا نمطا جديدا من العنف السياسي جسدته التفجيرات الإرهابية بالدار البيضاء سنة2003، التي تقمص منفذوها مرجعية دينية إسلامية، وجاءت في سياق دولي متوتر مع تنامي شعبية الفكر التكفيري وتجاوزه للمعطى المحلي إلى التحالف الدولي. وقد أثارت هذه الأحداث سخطا كبيرا وإجماعا وطنيا على رفض مبرراتها وعدم شرعيتها، كما ولدت خوفا لدى جمهور الناس من تكرارها وتصاعد خطرها خاصة في ظل فشل الدولة في اعتماد الأساليب المناسبة لتطويق الظاهرة، فضلا عن تورط أجهزتها في ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ـ خاصة في حق المعتقلين ـ إبان هذه الأحداث وبعدها. ولعل الأحداث الأخيرة بالدار البيضاءـ تفجيرات مارس 2006 ـ دعمت هذه المخاوف وقوت من تأثيرها.

خلاصة القول إذا أن اللجوء إلى الأساليب العنيفة في التدافع السياسي داخل الواقع المغربي ليس حدثا جديدا أو طارئا، كما أن مصدره لم يكن بالضرورة خارجيا بل في كثير من الوقائع اتخذ صبغة محلية وحركته عوامل داخلية، وهو ما يطرح التساؤل حول قيمة التحليلات التي قدمت لهذه الظاهرة، ويدفع إلى التفكير في طبيعة النموذج المجتمعي الكفيل بتطويق العنف وتجنيب البلد والمواطنين مخاطر تناميه، كما يشجع على التفكير في سبل إقرار هذا النموذج المجتمعي: هل من منطلق الإكراه والقسر أم عبر الحوار والتوافق؟

ورغم خطورة هذه القضية، فإنها لم تحظ بعد بدراسة متأنية ومعقلنة بعيداً عن الخلفيات الإيديولوجية والنزعة التبريرية المسكونة بالعداء للقوى الإسلامية، بل اتجه الخطاب الثقافي إلى إلقاء تبعة العنف على عاتق الإسلاميين وحدهم، وقد أنتج هذا الخطاب أدوات ومفاهيم، واستعار غيرها من الغرب لتوصيف القوى الإسلامية، فأصبحت مصطلحات التطرف والعنف الديني، والعنف الأصولي، وجماعات الإسلام السياسي، وجماعات العنف الإسلامي تقترن بالقوى الإسلامية وصفة ملازمة لها، وجرى في المقابل تبرئة الدولة وأنظمة الحكم، والنخب السياسية(مدنية وعسكرية) والثقافية من مسؤولية تصاعد العنف، أي أن العنف أصبح سمة ذاتية للقوى الإسلامية، فحتى القوى المعتدلة مرشحة لممارسة العنف في وقت من الأوقات.

لأجل ذلك، أجدني ملزما بعرض تجربة حية من الواقع المغربي، وهي تجربة جماعة العدل والإحسان من خلال نظرتها للظاهرة وموقفها العملي منها.

المسار السياسي لجماعة العدل والاحسان: نبذ العنف والصبر على سياسة التعنيف:لطالما نبهت جماعة العدل والإحسان إلى خطورة استمرار النظام المخزني في ممارساته العنيفة واحتكار السلطة وسد الطريق أمام أية مبادرة تروم إصلاح الأوضاع والرقي الفعلي بالبلد. ونستحضر في هذا السياق رسائل الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، وأولها رسالة” الإسلام أو الطوفان”، ثم “رسالة القرن في الميزان”، فـ”رسالة إلى من يهمه الأمر”.

فقد حددت الجماعة موقفها من العنف وأعلنت تصورها لهذه الممارسة بشكل صريح وواضح منذ تأسيسها. فنبذ العنف لم يعد صفة لفكر الجماعة فقط، بل قدمت تجربتها السياسية البراهين على صدق وقوة تبنيها لهذا الموقف، ولا أدل على هذا من استيعابها لأعداد هائلة من أبناء المغرب و بناته وتربيتهم على الرفق والرحمة، فضلا عن صبرها على الأصناف المتنوعة من الأذى الذي تعرضت له، ولازالت، وعدم ردها على العنف بالعنف. كما نبهت الجماعة مبكرا إلى خطورة الفكر التكفيري ودعت العلماء و المخلصين إلى تحمل المسؤولية، التي أناطها بهم الله عز وجل، في تربية أجيال المسلمين والمسلمات وعدم تركهم نهبا للخطابات الهدامة.

وقد كشفت الأحداث المتتالية فيما بعد صدق ما نبهت إليه الجماعة، بل فضحت ما تسترت عليه الدولة من كون انتشار الفكر التكفيري كان يتم برعاية من السلطة وتحت سمعها و بصرها. و لعل الهدف من ذلك كان هو تطويق تنامي قوة دعوة العدل و الإحسان من خلال التشويش على أنشطتها، ومحاولة شغلها في سجالات لا تنتهي، ثم إبعاد جمهورها عنها.

و يكفينا إثباتا لصحة ما سلف التصريحاتُ التي أدلى بها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري لإحدى الصحف الأسبوعية، التي اتهم فيها وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري بكون أجهزته هي التي أشرفت على وضع تلك الخطة و تنفيذها.

1 / تجليات نبذ العنف في فكر العدل والإحسان:

يشكل نبذ العنف مبدأ ثابتا وراسخا في الفكر السياسي للجماعة التي ما فتئت تصرح به، وتربي عليه أعضاءها وتدعو إليه أنصارها. ويبرز هذا المبدأ من خلال مجموعة من التجليات، وأقتطف هنا نقولا من كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “ديننا يأمر بحقن الدماء و يجعل سفكها بغير حق من الموبقات ويتوعد بالخلود في النار من قتل مؤمنا متعمدا ويغلظ النكير على قتل المعاهد وعلى الانتحار وعلى المشاركة في قتل المسلمين والرضا به، وعلى المشاركة في الظلم والتعذيب، وعلى جلد المسلمين وعلى قتل من قال لا إله إلا الله. ويأمر ديننا بالشدة على من يوقد نار العصبية و يسعى في الأرض فسادا، ويأمر بتوقير كرامة السجين وعدم أذيته …و يحبب إلينا أن نعفو عمن ظلمنا.” المنهاج النبوي ص286 “إن عدم استعمال العنف مبدأ لا يناقش في الشريعة الإسلامية ولا نخجل من إعلانه” الإسلام و الحداثة ص231.”الكف عن دماء المسلمين أثناء الفتن دين ندين الله به”.”والدعوة إلى الله لا تكون دعوة إلا إذا سارت على المنهاج النبوي. ومن يريد أن يزيغ عن الرفق بزعم الغيرة على ما يرتكب من ظلم فذلك يريد أن يتولى الفتنة ويوقدها. ألا إن رسول، صلى الله عليه وسلم، قد بشر بخلافة على نهج النبوة تعقب الملكية الجبرية، يرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء. وقد عاثت الجبرية في الأرض فسادا وكثر العنف والهرج، فهذا أوان رحمة الله. وفرق ما بين الإسلام والجاهلية، فهذه جهل بلا حلم وعنف بلا رفق، والإسلام سلام ورفق”. الإسلام بين الدعوة و الدولة ص165 “حاجة المسلمين…رحمة وحاجة العالم سلام وحاجة الإنسانية تعاون وأخوة..فالمؤمن الذي حلت السكينة في قلبه يجد نفسه قد سالم الناس جميعا لا يكره إلا الظلم” كتاب الإسلام غدا ص122..

1/2 ـ اعتماد مبدأ التشارك في العمل السياسي: يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لا جرم أن من واجبنا مد الجسور برفق ومحبة وحدب أمام الناس ليحتفظ الناس بسمعتهم واعتدادهم بنفسهم وحرمة شخصيتهم.” حوار مع الفضلاء ص 24 “من الجسور التي نمدها بيننا وبين الناس ونعتبرها مروءة ونتعامل على أرضيتها ونتعاون: الغيرة الوطنية.. على أرضية الإخلاص للوطن والوفاء له والاعتزاز بخدمته يمكن أن نمد جسورا للتعامل والتعاون مع ذوي المروآت والكفاءات وأن نتحالف معهم ونتعاهد”. العدل ص608

1/3 ـ التمييز بين القوة و العنف فالقوة “وضع يد التنفيذ في مواضعها الشرعية، بينما العنف وضعها بميزان الهوى و الغضب”.المنهاج النبوي ص16. ومن تجليات القوة:

ــ وضوح المواقف والتعبير الصريح عنها. “ما ينبغي لنا أن نسكت و يغتنم الأعداء سكوتنا ليتهمونا بالغموض و التخلف الفكري و ينسبوا لنا ما شاءوا من تهم الإرهاب والتآمر. وما ينبغي لنا أن نخاف من تبعات الكلمة الصريحة المسئولة فإنما ذل المسلمون من غياب هذه الكلمة”. المنهاج النبوي ص 10.

و قد دأبت الجماعة منذ تأسيسها على الإفصاح عن مواقفها ورؤاها تجاه القضايا العامة. بل عرضت خطها السياسي الواضح و خطتها العامة للتغيير من خلال كتاب ” المنهاج النبوي”. فلا يجد الباحث عن تصور الجماعة لقضية من القضايا ضنكا في البحث عن بغيته. فتصوراتها ومبادئها معروضة أمام الجميع.

ــ الثبات على المواقف مهما كانت التحديات وهذا ما أبرزته تجربة الجماعة خلال كل مراحل تاريخها.

ــ تجنب الانفعال من خلال اعتماد المرونة والاستيعاب عوض الصراع والصدام.

1/4 ـ اعتماد مبدأ التربية الرفيقة اللطيفة لأبناء الشعب وبناته، وليس التعبئة الإيديولوجية العنيفة. “يبدأ التغيير الشامل من أنفس الدعاة، عليهم أن يضبطوا كل تصرفاتهم وحركاتهم بضابطي الكتاب والسنة. الجد في حمل أنفسنا على الاستقامة لا التوجه إلى للمسلمين بالتكفير. الوقار لا الجمود، البشر لا الاكفهرار. الأدب لا الإسفاف والتبذل. التريث لا العجلة. التعلم والصبر عليه لا ترديد العبارات”. المنهاج النبوي ص246

1/5 ـ نبذ أسلوب الثورة في التغيير واعتماد القومة. “قال الله تعالى: (وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبدا)[1]. وفي القرآن:(وأن تقوموا لليتامى بالقسط) [2]، (كونوا قوامين لله شهداء بالقسط)[3]، (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) [4]. المادة في القرآن كثيرة تقترن بالدعوة، والقسط وهو العدل، وتدل على القوة والإتقان، مثل (أقيموا الصلاة)، وعلى الاستقامة، وهي بهذا اللفظ ومشتقاته كثير. كان المسلمون في العهد الأول يميزون بين كلمة “القائم” وبين كلمة “الثائر”. فيطلقون الأول على من قام بالحق ضد حكام الجور، ويطلقون كلمة “ثائر” عل كل مسلح يحارب السلطان. وفي الحديث النبوي كثيراً ما تقترن مادة “ثار” بالسلاح والاضطراب والحركة العنيفة. والثورة تغيير بالعنف للبيئة الاجتماعية، والقومة تغيير دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، تغيير نفسه وعقله وسلوكه، تغيير يسبق ويصاحب التغيير السياسي الاجتماعي” رجال القومة و الإصلاح ص 7.

2/ كيف تعاملت جماعة العدل والإحسان مع العنف المسلط عليها؟

لم يعد خافيا على أحد، بل صار من حقائق التاريخ المغربي المعاصر، أن الجماعة ككل، مؤسسات وأعضاء، تعرضت منذ بزوغ دعوتها لحرب استئصالية تراوحت حدتها حسب كل مرحلة من مراحل نموها. و لعل آخرها، وليس أخيرها، المعركة التي لازالت مستمرة منذ سنة والتي تخطى فيها المخزن كل القوانين والأعراف والخطوط الحمراء، باعتماده فيها كل الأساليب من اقتحام للبيوت وتشميعها واضطهاد أصحابها، فضلا عن حملات الاعتقال الواسعة، والمحاكمات الصورية التي صدرت عنها أحكام بالسجن وغرامات تجاوزت نصف مليون درهم، فضلا عن مساعي تشويه السمعة باختلاق ملفات أخلاقية. وصاحبت هذا كله حملة دعائية تصدت لها أقلام لم تراع الموضوعية ولا أخلاق المهنة أو على الأقل الحياد. كما لم يعد مجهولا أن الغاية الحقيقية والدفينة التي استعرت لأجلها هذه الحرب هي إخراج العدل والإحسان من دائرة الدعوة السلمية الرحيمة الرفيقة والمنفتحة على الجميع إلى دائرة الدعوة العنيفة المكفرة المنغلقة عن الكل. هذا الوضع كان سيقوي لدى المخزن دواعي رفع وتيرة العمل على القضاء عليها أو على الأقل إضعافها عبر تشتيتها. فنبذ الجماعة للعنف اعتبره خصومها نقطة قوة لها و نقطة ضعف لهم.

فبماذا تنبئنا تجربة جماعة العدل و الإحسان مع هذه المواجهات التي فرضت عليها؟ هل انفعلت وردت على العنف بالعنف؟ هل كلفت البلد والمواطنين قطرة دم أو أغرقتهم في فتنة عارمة لا تبقي و لا تذر؟ أم أنها صبرت و احتسبت وتعاملت مع الحرب عليها بحكمة واستيعاب ومرونة كبيرة؟ ألم تجنب هذا الوطن الفتن والقلاقل التي قد يفجرها الوقوع في فخ الاستدراج إلى العنف ردا على عنف الدولة؟

ألا يقدم المسار السياسي للجماعة ضمانات كافية لنهجها السلمي ولمشروعها الحضاري الرفيق والجامع لإنقاذ هذا البلد من أصناف التردي الذي تتصاعد وتيرته يوما بعد آخر؟ ألا يقدم دليلا على صدقها وإصرارها و قوة الحق الذي تؤمن به و تسعى لإحقاقه؟

3/ مقترحات لإنهاء العنف وتطويقه:

إن ظاهرة العنف السياسي ظاهرة معقدة متشابكة أسبابها ومتداخلة عواملها. فإذا كانت هذه الممارسات تهدف إلى ترويج قيم الرعب والقلق والاضطراب فلا مناص من مقاربة شاملة لها من خلال خيار مجتمعي مضاد، ولا خيار إلا ببناء مجتمع السلم والتعايش والاستقرار أو ما تصطلح عليه الجماعة بمجتمع العمران الأخوي. ونقترح له المداخل التالية:

1 / حصول إجماع علني وصريح لدى كل الغيورين في هذا البلد على رفع الشرعية الدينية والمشروعية الأخلاقية والسياسية عن أية ممارسة للعنف أيا كان مصدرها، وتناصرهم على مواجهة أي طرف يلتجئ لهذا الخيار.

2 / التوافق على التعاون لإزالة المصدر الأول والرئيس للعنف ألا وهو الاستبداد الجاثم على صدر هذا البلد، غير القابل للإصلاح، أو الاستبداد المتوقع إن تركت المبادرة، لا قدر الله، لغير الشرفاء أو للعابثين بمصيرنا من أعداء هذا البلد و المتربصين بقدراته و خيراته(…)

3 / التشارك في بناء نموذج مجتمعي يتعايش فيه الجميع في ظل تدبير التنوع والاختلاف، يقتضي هذا الأمر التوافق على ميثاق وطني يساهم أبناء هذا البلد وبناته في صياغته عبر حوار وطني جامع.

“حملة رسالة نحن يا إخواننا في البشرية ودعاة تتمزق قلوبنا حسرة على العباد، لا كما تظنون منافسين سياسيين متزمتين مضمرين العداوة والعنف ونية تدمير العالم”. حوار مع الفضلاء الديموقراطيين ص 24.