القاعدة الثالثة: الفقه الجامع قاعدة إقامة المقاصد الدعوية وشرط الحفاظ عليها

أولا: معنى المقاصد الدعوية

ما تميز به العقل الإسلامي براعة امتلاكه لنظر مقاصدي خلف ثروة مقاصدية صارت اليوم علما زود الأمة بترسانة هامة من القواعد الموجهة والناظمة لعملية التفكير والنظر والاجتهاد لدى المعنيين بذلك.

وإن كان الفكر الأصولي قد تميز بالبحث في صياغة المقاصد وتدقيقها وترتيبها، فقد كان غالبا على هذا البحث الاهتمام بالمقاصد التي لها علاقة بعملية استنباط الأحكام وتعليلها، أما المقاصد التي ينبغي أن يتحرك المجتمع الإسلامي لإقامتها لبناء صرح الدعوة العالمية والحفاظ عليه فقد احتلت مكانا متخلفا في عملية التفكير في مجال الدرس الأصولي وحتى المقاصدي المرتبط به.

لذلك، حينما ننظر، بناء على القواعد الثلاثة المشار إليها في الحلقات السابقة، خاصة القاعدة الأم القائلة: إن الدعوة تشتغل علميا وسلوكيا على أن مصير الفرد عند الله تعالى لا ينفك عن مصير أمته التاريخي، سنكتشف أن الحركة العلمية والعملية للدعوة في زماننا ينبغي أن توجه بناء على معنى جديد للمقاصد جامع، بمنهجية دقيقة، بين ما تحدث عنه العلماء في الدرس الأصولي المقاصدي على الطريقة التقليدية الموروثة وبين المطالب الملحة التي تطلبها الدعوة لتوفر القواعد العلمية والمادية والنفسية والاجتماعية وغيرها لصناعة واقع دعوي متكامل وجامع له موقعه ضمن الخريطة الدولية في التوجيه وعلاج قضايا الإنسانية بقوة ووضوح ومسؤولية دعوية متوفرة على الإمكانات العلمية والعملية التي تؤهلها لذلك.

ومن هنا فإن المقاصد الدعوية هي المعاني والغايات التي تُكوّن حقيقة الدين وروح الشريعة وتجلب حركة الدعوة ميدانيا لتقيمها على أرض الواقع حتى يصبح للشريعة معنى ومبنى يراه الناس تتجلى فيه رحمة الإسلام ورفقه وشموليته واستيعابه وعالميته ونظامه، فيقبلون عليه وعلى أهله بما هو دين الله تعالى الذي اختاره لعباده.

ولذلك سنجد أن كل المقاصد الدعوية التي تتضمن مقاصد الشريعة وحكمها دائرة على: العدل والإحسان، كما ذكر كثير من علماء الأمة الكبار. وليس من فقه يحقق هذا الأمر على أرض الواقع إلا الفقه الجامع.

ثانيا: معنى الفقه الجامع

الفقه الجامع هو طريق تحصيل مقاصد الشريعة ومطالبها؛ أي هو الوسيلة العلمية لقيام المقاصد الدعوية التي تحصل بناء على تحقق المعنى المشار إليه في الحلقات السابقة حول معنى فقه الدعوة، الذي يرتبط أصلا وفصلا بمعنى العلم بالله تعالى الذي يفضي إلى العلم السليم بمعنى الإنسان ومطالبه ومصالحه الفردية والجماعية والعلاقة بينها وكيفيات الترجيح بينها.

إن الدلالة التي نعطيها هنا للفقه الجامع تتجاوز بدرجة كبيرة المعنى الذي أراده كثير من علمائنا الأفاضل في جهدهم للجمع بين فقه الأئمة الأربعة أو بين فقه بعضهم، كما يتجاوز المعنى الذي يدور على مطلب وحدة المسلمين، وكذا يتجاوز النظر الباحث في الجمع بين فقه كتاب الله تعالى وفقه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن كانت كل هذه الصور من الفقه الجامع لا تخرج عن المراد، بل إنها من مضامينه، لأن المراد هو الجمع من خلال الفقه في الدين. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من يرد الله به خيرا يفقه في الدين.

لذلك فالفقه الجامع وسيلة جامعة:

1-من جهة أنه يجمع بين مقاصد الشريعة التي ربطها علماؤنا بفقه الأحكام وبين المقاصد الدعوية لتصبح مقاصد الشريعة عبر واسطة الفقه الجامع تأخذ معناها العملي المتكامل بدلا عن التجرد والتجزؤ الذي تميز به البحث المقاصدي في كتب رجاله.

2-من جهة أنه ينظر إلى مطلب وحدة المسلمين كشرط أساسي في قيام المقاصد الدعوية، ولذلك يرتب الفقه الجامع مطالب الشريعة ومقاصدها ترتيبا جديدا يؤسس لحركة دعوية راشدة تعرف أولوياتها ومراحل عملها وحركتها لقيام تلك المقاصد الدعوية ورعايتها فترعى مقاصد الشريعة.

3-من جهة أنه جمع بين المقاصد التي لهاعلاقة بالسلوك القلبي للفرد والمقاصد التي لها علاقة بمعاني الجماعة وبناء الأمة والقيام بالوظيفة الرسالية الدعوية، كما هو فقه جامع لأنه جمع بين المقاصد السلوكية التربوية ومقاصد وحكم الشريعة على علم بطبيعة العلاقة بينها.

4-من جهة أنه جمع بين المقاصد العامة التي لها علاقة بالسياسة العامة لأمة المسلمين داخليا وبين التي لها علاقة بسياستها خارجيا، أي من حيث نظامها السياسي الداخلي، ومن حيث النظام العالمي الذي تقترحه على الإنسانية بديلا حقيقيا عن نظام عالمي مبني على الكراهية والحقد والظلم ليحل محل كل هذا العدل والإحسان الذي أمر الله تعالى بهما.

ولذلك نجد الأستاذ عبد السلام ياسين، بناء على نظرته التجديدية الاجتهادية التي تم عرضها في الحلقات السابقة، فإنه عرف الفقه الجامع بأنه: “يعم في نظرة واحدة الدعوة والدولة في علاقاتهما الأولى على عهد تأليف الجماعة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، ثم في تطور هذه العلاقات تطورا سريعا على عهد الخلافة الراشدة، ثم في تطورها إلى الفساد والكساد على عهد الملك العاض فالجبري، ثم في الوضع الحالي وقد أصبح للعلمانية والذهنية العلمانية والنوايا العدوانية على الدين الصدارة في تفكير الحكام وممارساتهم، حتى غطت الدولة على الدعوة تماما، وألجأتها إلى منابر الوعظ المراقب الملجم المدجن أحيانا كثيرة، وإلى ركن “الأحوال الشخصية” بعيدا عن المجالات الحيوية المدنية والجنائية والاقتصادية والإدارية”(نظرات في الفقه والتاريخ، طبعة بيروت، 1990، ص:17).

وهو فقه جامع لأنه”يعم في نظرة واحدة الدعوة والدولة وعلاقاتهما المطلوبة في مراحل البناء، كيف يستعيد رجال الدعوة مراكز القرار حتى يعود السلطان خاضعا للقرآن لا العكس”(المرجع نفسه).

وهو كذلك فقه جامع: لأنه يبحث “عن عمل، عن حوافز للعمل، عن توجيهه بعد تكوينه وعن تجديد وابتكار علاقات إسلامية تستبدل بها علاقاتنا الجاهلية مع العالم وساكنيه، كل ذلك بحس إسلامي، ووعي إسلامي، وإرادة إسلامية”(الإسلام غدا: 97).

فالفقه الجامع بهذا المعنى يحقق المقاصد الكلية للدعوة والشريعة من خلال التلمذة الكاملة على التجربة النبوية وتجربة الخلافة الراشدة ليُقَيّم مراحل الانحراف وعوامله وأسبابه ويبني مستقبلا على الأصول الأولى في أفق تلك المقاصد الكلية الجامعة التي عمرت مرحلة النبوة وأسست فترة الخلافة الراشدة، ليعلم كيف ضاعت تلك الأصول وغابت تلك المقاصد لينسج المستقبل نسجا متكاملا.

ثالثا: الدلالة العلمية للقاعدة

إن انفراط عقد الجماعة المبكر، وتشتت العلوم والأرض والإرادات بَعْدُ ترتبت عليه سيادة الفقه التجزيئي، لكنه عبقري، وعبقريته هاته حجبت عن الكثيرين من الباحثين أنه فقه مُجزَّأ ومُجزِّئ.

وقد تجلت السيادة، التي حصلت بعوامل علمية وواقعية، في مجالات هامة وحاسمة في مسيرة الدعوة والأمة.

وقبل سرد بعض هذه المجالات لبيان الانحباس العلمي والعملي الذي صنعته سيادة الفقه التجزيئي، ينبغي التأكيد على أن الخوض في مثل هذه القضايا يحتاج إلى أمرين:

الأول: النظر بعين التقدير والاحترام والاحتفال بما وصلت إليه العقلية العلمية الإسلامية لدى علمائنا الأجلاء على مر القرون على الرغم من الاهتزازات الضخمة التي مست مسيرة الدعوة والأمة، على رأسها افتراق السلطان والقرآن. ولعل هذه العبقرية العقلية التي تستند إلى عظمة الإسلام وحوافزه العالية السامية هي التي جعلت الأمة تنشر الإسلام وتدعو الأمم إليه.

والثاني: إن هذا التقدير لا ينبغي أن يحجب عنا الموقع الدعوي التجديدي الحركي الذي ينبغي الوقوف عليه حيث منه ينظر إلى تراثنا العامر والعميق، وإلى مستقبلنا كما هو مطلوب من أمة سيد المرسلين لتقوم بوظيفتها الدعوية الرسالية كاملة غير منقوصة.

وهو ما يعني أننا بحاجة إلى أمر هام يتعلق ببناء قاعدة علمية ننظر بها لهذا التراث نقدا وتجديدا على ضوء مطالب المستقبل في جانبها العلمي والعملي، سواء من جهة ما يتعلق بمطالب الشريعة من أهلها اليوم أو من جهة مطالب الفرد والأمة والإنسانية.

وبعد أن حاولت الحلقات الماضية أن تجيب عن بعض هذا تاركة لأخواتها من الصفحات المقبلة أن تجيب عن بعضه الآخر، نقف هاهنا على بعض تجليات سيادة الفقه التجزيئي.

وإذا كانت فقرة الدلالة العملية ستشير إلى بعض التجليات التي لها علاقة بالعمل، سنذكر هنا ما له علاقة بالجانب العلمي، أي ببناء الأفهام والتصورات، ليظهر الخلل المتجلي في ضياع الفقه الجامع على هذا المستوى.

المجال الأول: الفهم الأصولي

إن الحديث هنا عن الفهم الأصولي هو بحث عن التدحرج في فهم الأصول وترتيبها والعلاقة بينها، وعن العوامل في ذلك.

ولا يعني هنا أن نقف على بعض الجزئيات الخلافية في علم أصول الفقه وضبط مواطن الخلاف فيها؛ فقد تكفلت البحوث المتخصصة في ذلك، كما لا يعني هنا رصد تطور بعض المفاهيم الأصولية كيف تصورها الرعيل الأول من الصحابة والعلماء وكيف استقرت معانيها عند المتأخرين، لكن سنحاول أن نقف على ما حجبه ذلك التطور الإيجابي من حيث مجموعه و ظاهره من سلبية أصابت في الصميم بناء الفهم الجامع الذي تميز به الصحابة وكبار العلماء، لكنه لم يستطع أن يصبح هو التيار الجامع لكيان الأمة ومؤسساتها بعد زمن الخلافة الأولى، حتى تكون قوة ممانعة عاملة وداعية وفق النموذج الأول الصحابي.

إن الخلل الفظيع الذي هيمن على الفهم الأصولي اعتبار الدليل الجزئي أصلا في بناء الفهم المرجعي الكلي. وقد انضاف هذا التكريس للفهم التجزيئي للأصول إلى هيمنة المنهجية التعليمية على دراسة أصول الفقه والكتابة فيها(1) فأدى إلى اعتبار أن المصدر في تحقيق الفهم المنجمع والفقه الجامع هو التلمذة على المنهجية التقليدية التعليمية في تحصيل أصول الفقه وقواعده. وقد مرت أيام التلخيص وقرون الشرح للمصنفات المنهجية ووضع الحواشي عليها إلى تيهان العقل في خضم تفاصيل لها قيمتها العلمية لكنها منفصلة بشكل كبير عن المراد الكلي العملي.

وإذا أضيف هذا إلى انفصال علم أصول الفقه عن المقاصد السلوكية القلبية، في كثير من بحوثه، علمنا حجم الشرخ الذي أصاب العقل الإسلامي، على العموم، في بناء الفهم الأصولي الجامع.

فقد صار الكتاب أصلا وتحته بحوث فيها المتفق عليه والمختلف فيه، ثم السنة، وهي كذلك، ثم الإجماع وهل تحقق فعلا أم لا، ثم القياس وهو غير متفق عليه بين الأصوليين ثم ……. ثم……..

إنه اصطفاف منهجي، لكنه لا يفيفد في بناء الفهم الجامع وصناعة حوافز العمل الفردي والجماعي، لأنه يرتب الأصول الجزئية ترتيبا أفقيا يساوي من حيث النتيجة بين القرآن والسنة وبين غيرهما من الأصول، وإن كان العلماء يؤكدون أن أصل الأصول هو القرآن الكريم وعيا منهم بخطورة إنزال قيمة القرآن الكريم والسنة المطهرة إلى مستوى أصول مختلف فيها هي من إنتاج عقل بشري قد يخطئ وقد يصيب. لكن هذا الوعي لم يتحول إلى صياغة منهاجية، إلا في بعض الصور التي لم تتح لها فرصة وموقع التأثير الكلي على حركة الأمة. من قبيل تجربة سعيد بن جبير وسفيان الثوري والعز بن عبد السلام وابن تيمية وابن القيم والشاطبي، وغير هؤلاء كثير.

إن هذا الترتيب مفيد وهو لابد منه في البحث عن الدليل والترجيح بين الأدلة في الجواب عن المسألة الطالبة للحكم ودليله، لكنه غير صحيح من حيث بناء الفهم المنجمع والفقه الجامع وتصميم معالم الواقع المنشود ونقد الواقع المعيش، لذلك ظهرت خطورة الانفصال المتحدث عنه أعلاه والجلوس بين يدي منهجية فرعية اعتبرت هي الكلية نظرا لقيمتها العلمية وللموقع الذي تحتله في حياة كل مسلم من حيث بحثه عن الفتوى والدليل.

لذلك، ونحن نتحدث عن معاني الدعوة إلى الله تعالى وعن قواعدها ومقاصدها، يجب البحث عن المنهاج الجامع الذي يعيد عرض الأصول عرضا يجمع بين العلم والفهم والعمل وفق السنة النبوية المطهرة. ذلك أن البحث المنهجي الأصولي عن الحكم ودليله ساعة الفتوى إنما ينبغي أن يكون صادرا عن الفقه الجامع.

فالإمام الشافعي ما بحث في صياغة أصول الفقه من خلال رسالته إلا عن فقه جامع ووعي كلي منجمع للدين ومقاصده. لذلك أدت الأمة ثمنا باهظا لما تصدى لقضاياها أصحاب عقليات صيغت من خلال البرنامج التعليمي المنهجي الضيق في فهم الأصول، خاصة أن عملية التصدي هذه تتم في سياق انفصام فظيع بين الدعوة والدولة وهيمنة رجال هذه الأخيرة على تفاصيل الحياة، وبين القرآن والسلطان وهيمنة رجال هذا على مصادر القرار والحكم.

لذلك فالمطلوب اليوم، ولتحقيق النهوض الكلي الجامع للأمة وكل طاقاتها، على قواعد ومعاني الطاعة الجماعية والتكامل والتوازن في العمل، ينبغي أن يحصل البناء والتجديد على قاعدة فقه جامع يحتضن كل عمليات التعليم والتربية والبناء والتغيير، وذلك وفق وعي مقاصدي متجدد ومنهج نقدي منسجم مع روح هذا الوعي المقاصدي التجديدي.

في الحلقة القادمة نقف، إن شاء ذو الجلال والإكرام، مع المجال الثاني: الوعي المقاصدي، والله سبحانه المستعان، وعلى رسولنا وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى السلام.

—————–

(1) مع استثناء بعض كبار العلماء الذي تخلصوا من قبضة هذه المنهجية في الكتابة الأصولية، وهي ضرورية، من أمثال شيخ الإسلام العز بن عبد السلام وشيخ الإسلام ابن تيمية والفحل ابن قيم الجوزية والشاطبي وغيرهم من أعلام الفهم الجامع للأصول، ذلك أن هؤلاء غالبا ما كانوا يصدرون بحوثهم في إطار إرادة إصلاحية عملية.