الحمد لله الذي تتم بذكره الصالحات والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على حبيب الله ومصطفاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، القدوة الكاملة، ولا قدوة سواه، ولا تأسي إلا به. الذي كانت حياته وسيرته وذكره وحركاته وسكناته، نموذجا عمليا للأدب وحسن الخلق. أدب مع الناس كافة بالرحمة والموعظة الحسنة. والأدب مع الخالق عز وجل بالطاعة والعبادة. المعلم والمربي والقائد صلى الله عليه وسلم، وحشرنا مع أصحابه وإخوانه وحزبه آمين.

يقول عز وجل “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها”(1)، ويقول عز من قائل “أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا”(2). والتدبر هو التفكر في كتاب الله لاستنباط ما ينفعك في دنياك وآخرتك. ولعل أجل وأعظم تدبر في آي القرآن هو الذي يدلك على أمر الله تعالى في التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتأدب مع الخلق أجمعين. ولعلنا من خلال هذا التدبر نلاحظ أن هناك سورا أكثر قوة وإفصاحا في تبيان هذا المعنى. من هذه السور سورة الحجرات التي ورغم قلة آياتها، إلا أنه يمكن اعتبارها ميثاق شرف للمؤمنين في علاقتهم مع بعضهم البعض تحوي الكثير من الخيرات. فبين يدي السورة الكريمة خطاب عام بدأه الله عز وجل بدعوته للمؤمنين يعلمهم الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. في خمس آيات، حوت خمس قواعد ذهبية. ضمت بين ثناياها أدب المؤمن مع الله ورسوله، آداب مع الله ورسوله هي القاعدة والأساس، وعن هذه القاعدة تتفرع الآداب بين المؤمنين فصلتها السورة تفصيلا، وكملها التعليم النبوي والتربية النبوية.

أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتحت به السورة بقول الله عز و جل “يا أيها الذين آمنوا” نداء من الله عز وجل للمؤمنين خاصة ما هو للناس ولا لأهل الكتاب ولا لغيرهم. إنما هو نداء لأقرب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم صحبه الكرام. نداء بألا يقدموا بين يدي الله ورسوله أمرا قبل أن يحدثه الله أو يظهره رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قرن الله عز وجل الأدب معه بالأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الأدب مع جنابه الشريف صلى الله عليه وسلم أدب مع الله عز وجل. فلا قول لهم ولا فعل ولا حركة في حضرته صلى الله عليه وسلم، فقد كان هذا دأبهم رضوان الله عليهم، ولكن الله يذكر، ويحث المؤمنين على طلب الكمال في الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد كانوا في مجلسه وكأن على رؤوسهم الطير، وإذا عرضت مسألة لا يسبقونه بالجواب، وإذا حضر الطعام لايأكلون حتى يبدأ، بل لا يبتدرون الجواب أمامه صلى الله عليه وسلم ولو حتى في الأمور التي تبدو بديهية. فكما جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل في حجة الوداع: “أي شهر هذا؟… قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير إسمه. فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس البلدة الحرام؟ قلنا: بلى قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس يوم النحر؟ قلنا بلى…..”(3).

القاعدة الثانية من القواعد النفيسة التي جاءت بها السورة الكريمة في التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم التأدب في الحديث والخطاب، فهنا تنبيه من الله عز وجل للمؤمنين أنهم ليسوا في حضرة رجل كباقي خلق الله عز وجل مهما علا شأنه ومقامه بين قومه. وإنما هم أمام سيد الخلق وسيد ولد آدم كلهم كبيرهم وصغيرهم، ضعيفهم وقويهم، عابدهم وذاكرهم، مِِؤمنهم ومحسنهم. فهو سيدهم وحامل لوائهم يوم القيامة صلى الله عليه وسلم، وحرمته عند الله لا تقاس ولا تحد ولا يعلمها إلا الله. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما اقترف آدم الخطيئة قال: يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه قال: لأن يارب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، وإذا سألتني بحقه قد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك”(4). توجيه من الله في هذه الآيات للمؤمنين بالأدب الجم خلال الحديث في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يرفعوا أصواتهم بالنداء في حضرته، أو يخاطبوه باسمه المجرد دون أحب الأسماء إليه، التي بنسب فيها إلى ربه، كنبي الله، ورسول الله. وقد تحدث المفسرون عن أن هذه الآية نزلت في أقرب الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الخيرين أبي بكر وعمر رصي الله عنهما. لنعلم أن هذا السلوك يمكن أن يقع فيه أكثر الناس ورعا وتقوى ولكن الله يوجه ويذكر، والمؤمنون يستجيبون. وهذا دأبهم رضوان الله عليهم، حين يسمعون توجيها من هذا القبيل، فيقولوا سمعنا وأطعنا. فعن ابن الزبير رضي الله عنه قال: فما كان عمر رضي الله عنه يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه…. وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار ( يعني كالهمس) (5).

وهنا لابد من الوقوف بعض الشئ أمام هذا التوجيه العظيم والأدب الكريم لنطرح السؤال: هل التوجيه الرباني للمؤمنين بخفض الصوت عند الكلام في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاص بذلك الجيل الرباني الفريد الذي عايش وصحب رسول الله جسدا وروحا؟ أم أن الخطاب موجه لعموم المؤمنين إلى قيام الساعة؟. وإذا كان الحال كذلك فما حالنا نحن مع هذا الأدب الكريم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوجد بجسده الكريم بين ظهرانينا، لنتأدب معه في الحديث؟ الجواب عن هذا السؤال نجده في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن لله عز وجل في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام” رواه الإمام أحمد رحمه الله. وروي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام”( 6)، وفي رواية ابن ماجة لهذا الحديث عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود، تشهده الملائكة، وإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها”. قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء”(7). يرد الله عليه روحه الكريمة صلى الله عليه وسلم، بصلاة وسلام أحد من الخلائق عليه فيرد عليه السلام، وهذا من المعجزات التي خص الله بها نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. ولا شك أنه لايخلو في هذا الزمان والزمان الذي يلينا إلى قيام الساعة، من خلق الله من يصلي عليه في كل وقت وحين. لتصبح الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم عملية متجددة يتجدد معها إرجاع روحه إلى جسده الشريف، ليظل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حيا روحا وجسدا بين ظهرانينا.. والمغبون كل الغبن من يكذب بذلك ولا تتسع حويصلته لاستيعاب هذا الكرم الإلهي الفياض الذي أكرم الله به هذه الأمة. اللهم اجعلنا من المصدقين بالغيب المتنسمين لنفحات جلاله الكريم في كل وقت وحين. والحديث عن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته قتله العلماء بحثا والإطالة فيه ليست قصدنا وإنما قصدنا تدبر آي القرآن، نتلمس منها الهدي النبوي الواجب الإتباع. وحالنا في هذا الأمر هو التسليم وعدم الدخول في الجدل. وهذا ما قرره الإمام السيوطي في كتابه “الشرف المحتم” بقوله: أول ما أقول أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا قطعا لما قام عندنا من الأدلة بذلك، وقام بذلك البرهان وصحت الروايات وتواترت الأخبار”(8). فإذا سلمنا بهذا كان الخطاب القرآني الموجه للمؤمنين بخفض الصوت، وعدم الجهر بالقول في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعنينا كذلك فهو أدب نتلمسه عند حضورنا في حضرته صلى الله عليه وسلم عند الصلاة عليه وعند قراءة حديثه وشمائله، وزيارة مسجده وقبره، أستغفر الله وهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبر، إنما هي حياة وروح تلتمس مجالس الخير. القصد أن تأدبنا بهذا الأدب الكريم حاضر معنا في هذا الزمان في كل أمر وفعل. يذكرنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نرفع صوتنا بالحديث في أي مكان يتنسم فيه حضوره صلى الله عليه وسلم. وهذا ما عرفه علماء هذه الأمة وقالوا: إنه يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام احتراما له في كل حال.(9). وقد روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، قد ارتفعت أصواتهم، فجاء فقال: “أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا”(10).هكذا فهم الصحابة رضوان الله عليهم التوجيه الرباني بالأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهموه فهما واسعا، شاملا غير مرتبط بزمان ومكان. نفهم نحن أنه لا ينقطع ولا يضعف بمرور زمن الصحابة رضوان الله عليهم، بل يتقوى كلما مر الزمان وازداد الشوق من المؤمنين لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وازداد شوقه صلى الله عليه وسلم لرؤيتهم. وهم الذين تأدبوا بأدبه والتزموا بتوجيه الله عز وجل في الأدب في حضرته صلى الله عليه وسلم، دون أن يجالسوه جسدا لتسمو بهم مجالستهم الروحية له وأدبهم معه إلى المقامات العليا.

فالقصد أن الأدب في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخفض الصوت وعدم مناداته من وراء الحجرات، وعدم تقديم الأمر بين يديه. أدب غير مرتبط بزمان ومكان، فالعبرة ليست بالمجالسة الجسدية ولا القرب المكاني، وإنما هو حال يعطيه الله للكمل من خلقه. لذا فلب هذا الحال وكماله، لا يتم إلا باتصال سلسلة الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشمل من ورث عنه الأدب والحلم والعلم، وورثه لمن والاه. وهم في المقام الأول الصحابة ثم التابعين، وكل عالم نوراني مجاهد، وارث لسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كاملة غير منقوصة. لتتصل صحبتنا وأدبنا لهؤلاء الوارثين وترتبط برباط صحبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحقق فينا كمال أخوتنا له”. وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسلسل المدد القلبي الفتحي الحبي من بعده حين قال: “يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم”. رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(11). فاللهم ارزقنا الأدب الكامل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنتأدب مع صحبه وأحبائه وأصفياء الله من خلقه، وكل من لهج بالشهادة والتوحيد آمين يارب العالمين.

أما الشامة الأخرى من شامات هذه السورة المباركة فتبدأ من قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق…….. إلى قوله عز وجل: “والله عليم حكيم”. “حيث كان النداء الأول لتقرير جهة القيادة ومصدر التلقي. وكان النداء الثاني لتقرير ما ينبغي من أدب للقيادة وتوقير. وكان هذا وذاك هو الأساس لكل التوجيهات والتشريعات الواردة في السورة. فلا بد من وضوح المصدر الذي يتلقى عنه المؤمنون……. لتصبح للتوجيهات بعد ذلك قيمتها ووزنها وطاعتها. ومن تم جاء هذا النداء الثالث يبين للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء وكيف يتصرفون بها”(12).

نبأ وناقل ومتلقي هذه هي المعادلة الضابطة لنقل الأخبار بين البشر. تتميز في مجتمع المؤمنين بنداء إلهي بضرورة التثبت من الخبر مصدرا وطريقة تبليغ، وأدبا في التلقي. المحور الأساس في هذا الأدب هو قول الله عز وجل: “فتبينوا”. التبين من الخبر، كيف هو؟ هل يغلب الصدق فيه على الكذب؟ هل فيه مخالفة لشرع الله؟ أو مخالفة لأدب أو طعن لمؤمن؟ ثم التبين من مصدره، أي ناقل الخبر، هل هو ثقة، عدل، مؤمن أو كافر؟. وهنا نلاحظ أن الآية الكريمة لم تأتي بهذا الأمر على إطلاقه، بل قيدته بضرورة التثبت من خبر شخص بعينه وهو الفاسق. والفاسق كما عرفه الراغب الأصفهاني هو: الخارج من حدود الشرع، وهو في أصل الاشتقاق موضوع لما يدل على معنى الخروج…. وسمي فاسقا لخروجه عن الطاعة “(13). إذا فالأصل في الصالح أنه ثقة على الإطلاق، لايظن فيه الكذب واختلاق الأخبار. بخلاف الفاسق الذي يبقى الأصل فيه سوء الظن، ولو اتضح ظاهريا من كلامه أنه صادق، فلا أخذ بكلامه إلا بعد التثبت. لأن الفاسق جبل على الدسيسة والمشي بين الناس بالنميمة ومحاولة زرع بذور الفتنة والشقاق بين المؤمنين. حسدا من عنده ورغبة في بث البغضاء والشحناء بينهم. ليورثهم ذلك خسارة وندامة وهذا ما حذرت منه السورة الكريمة. وقد حفل تاريخ المسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ومن تلاهم إلى عصرنا الحالي بالفساق وناقلي الإفساد والنميمة بين المسلمين. فما سلم زمان من هؤلاء، بل حتى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسلم منهم. حيث أورد الحافظ السيوطي في كتابه “الدر المنثور” رواية لواحد منهم هو  شاس بن قيس- (14). وفيه نزل قول الله تعالى في سورة آل عمران. حيث استطاع هذا الكافر من فرط حسده للمسلمين أن يبث نعرة العصبية بينهم حتى أوشكوا على الاقتتال، لولا حضور المصطفى صلى الله عليه وسلم بينهم هذا الحضور الذي قال الله فيه عز وجل: “واعلموا أن فيكم رسول الله لويطيعكم في كثير من الأمر لعنتم” حضوره صلى الله عليه وسلم نزع فتيل الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم. فلولا وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، وهو المؤيد بالوحي، المدرك لأثر دعوى الجاهلية في نقض عرى الإسلام والمسلمين. فلولاه صلى الله عليه وسلم لآصابهم العنت. العنت الذي كاد يصيب المسلمين من دسيسة فاسق، والذي لا بد أنه كاد يصيب الأجيال التي بعدهم. ولابد أن يصيبنا في هذا الزمان إلم نتلمس التوجيه الإلهي، الذي نبه إليه في زمانهم وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم. ليوجهنا وينبهنا إليه ورثته من بعده، وهم العلماء وأولياء الله الكمل الذين يرون بنور الله، والمتصلة أرواحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. تلتمس منهم الفهم عن الله وتوجيه خلق الله إلى مراد كلام الله.

التثبت فعل لابد للمؤمن العاقل أن يقوم به قبل الأخذ بكلام من يشتم من فعله الفسق، ومن كلامه الكذب. أما كلام المؤمن كما قلنا فالأصل فيه التصديق والحجية، ما لم يأمر بمخالفة شرعية. وحكم التثبت هذا لا يؤخذ بإطلاقه لأنه يشمل فقط جانب المعاملات، أما التشريع والتحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأصل فيه التثبت من ناقل خبره، وهو يفترض فيه لزاما أن يكون مؤمنا صالحا لا يعتقد فيه الكذب. أما الفاسق فلا اعتداد بكلامه على الإطلاق ولو ترجح صدقه فيه. فالأمر يتعلق بالدين، والدين لا يؤخذ عن فاسق. وقد أرسى علماؤنا جزاهم الله عنا خيرا قاعدة هامة في التثبت من ناقل الخبر، سموها قاعدة الجرح والتعديل. أصبحت علما قائما بذاته حفظ به رضوان الله عليهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار ونقلوه إلينا صافيا خاليا من دسائس المفسدين والوضاعين. علم عرفوا به وعرّفوا مردودي الحديث والضعفاء والمناكير والوضاعين والثقة والمدلسين. علم جامع للتاريخ والجغرافية، وأعلام الرجال وطبقات الصحابة والنحو والتفسير… وغيرها .

هذه بعض من شامات سورة الحجرات ولنا عودة إن شاء الله لشاماتها من جديد والله الموفق.

——————————————–

(1)- سورة محمد آية 24

(2)- سورة النساء آية82

(3)- في ظلال القرآن- سيد قطب-ج6 ص 3338

(4)- هدية العيد  الرحمة المهداة- نقلا عن “حجة الله على العالمينفي معجزات سيد المرسلين”للإمام النبهاني.

(5)- في الظلال ص 3339.

(6)- هدية العيد.

(7) (8)- الإحسان- أذ عبد السلام ياسين-ج1 ص 185

(9) (10)- – في الظلال ص3340

(11)- الإحسان ج1 ص 197.

(12)- في الظلال ص 3341.

(13)- الصابوني- صفوة التفاسيرج 3.

(14)- القصة أوردها كاملة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه” الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المدموم”ص 29.