تشكل الانتخابات لحظة مواتية لقياس الحراك السياسي والمجتمعي بصفة عامة، إلا أن هذه الوظيفة القياسية تدور مع خاصية التنافس وجودا وعدما، بمعنى أن الانتخابات إذا كانت تنافسية فعلا فإن القياس يكون سليما وصحيحا إلى حد كبير، أما إذا كانت الانتخابات شكلية وغير تنافسية فإن القياس لا يستقيم، بل إن وظيفة القياس بالكيفية المتعارف عليها في الدول الديمقراطية تكاد تتعطل تماما.

في المغرب، بكل تأكيد، الانتخابات غير تنافسية، لأن التنافس وفق الصيغة الديمقراطية يتعلق بالعمل من أجل صناعة القرار السياسي والتأثير فيه من جهة، ومن جهة أخرى تكون وسيلته صناديق الاقتراع الشفافة. والأمران معا، طرحت عليهما، ولا تزال تطرح العديد من الأسئلة، بل إن الأمرين معا غائبان، أو شبه غائبين، بشهادة العديد من الباحثين والسياسيين، لذلك فإن اللحظة الانتخابية في المغرب تشكل مرآة، لا تعكس للأسف الشديد، إلا صور الخضوع والتهافت والجمود، وهي صور بعيدة كل البعد عن درجات القياس الانتخابي المتعارف عليها ديمقراطيا.

كلما اقتربت الانتخابات كلما اتضحت هذه الصور أكثر، لتتضح معها قواعد مخزنية تفرغ العمل السياسي من محتواهُ النبيل، وتحصر مجاله في التسابق لإعلان الولاء والمباركة، بعيدا كل البعد عن معاني التنافس والتدافع والمشاركة.

في خضم الاستعداد لانتخابات 2007 قال أحد السياسيين: “في المغرب لا يوجد هناك حزب له برنامج خاص به، وحتى إذا كان هناك حزب له برنامجه، فما عليه إلا أن يحتفظ به في الرفوف لأن جميع الأحزاب تطبق البرنامج الملكي وكاذب من يقول غير ذلك”(1).

وبعد أزيد من شهر قال مؤكدا: “أعتقد أن مسألة البرنامج الحزبي هي مسألة مغلوطة، لقد صوتنا على دستور البلاد في 1996، وعلى المادة 19 فيه، التي تجعل من المؤسسة الملكية مؤسسة فاعلة … اليوم هناك برنامج ملكي فيه خطوط عريضة … نحن ملزمون بتطبيق ذلك البرنامج الذي وضعه الملك، ونتنافس في تنفيذه”(2).

لم يقل هذا الكلام معارض “راديكالي”، أو رافض للعبة السياسية ساخر منها، وإنما قاله خبير بها، عمّر البرلمان مدة 18 سنة، وسبق أن كان في الحكومة. ورغم تكرار القول فإنه لم يثر أي اعتراض من أي نوع، ولم أقرأ إلى حدود الآن أي تعقيب عليه، سواء من أحزاب الأغلبية أو المعارضة، أو حتى من باحثين في الفقه السياسي والدستوري، ولا أنتظر ذلك في الأيام القابلة، لا لشيء إلا لأنه يعبر فعلا عن الحقيقة.

فالانتخابات بالمغرب ليست وسيلة لتمثيل الشعب وتكريس سيادته، ولا تؤدي إلى تداول على السلطة، بما يحمله مفهوم السلطة من دلالات القوة، القوة في الاختيار، والقوة في التنفيذ، ولكنها وسيلة لتأكيد سمو المؤسسة الملكية، بحيث لا تفرز إلا أعوانا ومساعدين للملك، ألم يقل الملك الحسن الثاني ذات يوم في البرلمان: “أقول للنواب: إن الوزراء هم أعواني وأنتم كذلك أعواني…”، ووظيفة هؤلاء الأعوان والمساعدين تكون، في أحسن الأحوال، تنفيذ ما يقرره الملك، وفي أسوإ الأحوال استغلال النفوذ لتجميع الثروة، وقد سارت بهذا الركبان.

لا برنامج إلا برنامج الملك. ومفهوم البرنامج الانتخابي بما هو رصد للحاجات، وتحديد للاختيارات، وصياغتها صياغة عملية تفصيلية قابلة للتطبيق خلال الولاية التشريعية لا وجود له. إذا كانت هذه هي الحقيقة يحق لكل مواطن بسيط أن يتساءل:

ما فائدة ذلك الكلام الذي ردده على مسامعنا كثيرا عبد الرحمن اليوسفي، حيث كان يدافع عن نمط الاقتراع اللائحي، بمبرر أنه يتيح إمكانية التصويت على البرامج وليس على الأشخاص؟

وما فائدة هذا الصراخ الذي نسمعه اليوم حول البرامج الانتخابية؟

وما فائدة الحصص الإعلامية للحديث عن البرنامج؟

وما فائدة الحملات الانتخابية؟

ولماذا يبذر الكثير من المال العام والخاص على كل ذلك؟

وما الفرق بين حكومة من سبعة أحزاب وحكومة منسجمة؟..

إن التفكير السليم، حتى من داخل القابلين بتلك الشروط المجحفة في لعبتهم الانتخابية، يقتضي انتظار افتتاح الولاية التشريعية ليطرح الملك برنامجه، ثم تعمل بعد ذلك الأحزاب المشاركة في الحكومة على تنزيله. أليس في هذا التصرف اختزال للكثير من الجهود والأموال، كما فيه خلاص المغاربة من برامج الوهم وصخب الوهم وانتخابات الوهم!!؟

——————————————–

(1) عبد العزيز المسيوي، جريدة المساء بتاريخ 30 ماي 2007.

(2) أسبوعية الأيام بتاريخ 9-15 يونيو2007.