يقول الله عز وجل: “ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد” صدق الله العظيم.

حسب المنظمة الدولية للسياحة ستصبح المنطقة المتوسطية مستقبلا قطبا سياحيا عالميا، وتتوقع أن يتوافد على المنطقة حوالي 312 مليون سائح بحلول سنة 2025.

ورغبة من الحكومة المغربية في دخول سوق السياحة والحصول على النصيب من ذلك، أطلقت وزارة السياحة مشروعها الطموح الرامي إلى بلوغ العشرة ملايين سائح بحلول سنة 2010. وبناءا عليه أعلنت الحكومة المغربية عرضا دوليا لإقامة مشروع سياحي على الشاطئ الشمالي للبلاد بمدينة السعيدية، للدخول إلى عصر المبادلة الحرة ومنافسة المنتوج العالمي بجعل المغرب باحة استراحة لمن يجدّ ويكدّ، وتحويل المغاربة إلى وسيلة ترفيهية (وأقول هذا مكرها) للسياح الأجانب…بدل إنجاز بنية اقتصادية قوية ذات طابع دائم؟؟؟؟؟.

وقد تقدمت للمشاركة في إنجاز المشروع 13 شركة دولية بعروضها، وبعد إجراء سمسرة دولية فازت “مجموعة فاديسا الإسبانية” التي تضم مجموعة “فاديسا المغرب” (وهذه الأخيرة فرع من المجموعة الإسبانية الأم وتملك هذه الأخيرة أكثر من 50% من رأسمالها، ويشغل أغلب مقاعد مجلس إدارتها ممثلون عن الشركة الأم).

وبتاريخ :13/08/2003 وبمدينة طنجة تم توقيع الاتفاقية بين رئيس مجموعة “فاديسا” السيد مانويل جوف كابيلان Manuel Jove Capellànوالوزير الأول المغربي السيد إدريس جطو بحضور الملك محمد السادس.

وقد عمدت الشركة الإسبانية في مشروعها إلى اعتماد التصاميم المعتمدة على الشواطئ الأوربية ومنها على الخصوص مشروع “كوستاديل صول” بإسبانيا.

يمتد المشروع على مساحة ضخمة وهي ستة كيلومترات على طول شاطئ السعيدية، وتشمل هذه المساحة الغابة جنوب الشاطئ، ومصب ملوية، وكلا الموقعين يلعبان دورا لا غنى عنه في الاحتفاظ بتوازن النظام البيئي Ecosystème بالمنطقة ككل، وكلا الموقعين من أهم المواقع بالمغرب الغنية بثروات طبيعية وحيوانية وبيئية، وبفعل الأنشطة الإنسانية بدأت هذه الثروة في التآكل والضمور، وجاءت ” فاسيدا ” عفوا ” فاديسا ” لتأتي على الأخضر واليابس، كما سيتم توضيح بعض ذلك بعده.

ومن أهم النتائج الكارثية على المنطقة من جراء المشروع يمكن ذكر ما يلي:

أ- بالنسبة لشاطئ السعيدية وغابتها:

1- إن المنطقة التي ينجز بها المشروع تعرف تواجدا نوع مهم ونادر من الأشجار وهو المعروف ب”العرعار الأحمر” وقد تم اجتثاثه عن آخره ليحل محله الإسمنت المسلح، وبهذه المناسبة ولخطورة الفعل نشرت المجلة الإسبانية “كريميس” مقالا في عددها الصادر بتاريخ: 03/07/2006 تحت عنوان “الإسمنت يغزو الأذن الأخرى للبحر الأبيض المتوسط” انتقدت فيه مشروع فاديسا ومشاريع أخرى مماثلة بالشواطئ المغربية.

ولا يخفى ما للغابات من أهمية بيئية قصوى فهي تحافظ على التربة وجودتها كما أنها تتنشّّق الكربون وتطلق الأكسجين، ومنها ما يفرز كميات هائلة من الماء فشجرة “البلّوط” مثلا تفرز 110 طنا من الماء خلال خمسة أشهر من الصيف، في حين أن شجرة “الكرنب “تفرز 20 طنا من الماء في الهكتار الواحد خلال 12 ساعة، وعموما يؤكد علماء البيئة أن مجرد استصلاح الأراضي الغابوية من أجل حرثها للإنتاج الفلاحي يتبعه الانجراف وجفاف المناخ بحيث يضيع بين 2000 و6000 طن من الماء تفرزها الغابة سنويا، وهذا يشكل تهديدا “لدورة الماء”. وإذا كان هذا بسبب استصلاح الغابة من أجل الحرث، فكيف سيكون الحال حين يحل الإسمنت محل الأشجار؟؟؟؟.

ونظرا لهذه الأهمية للغابة وللمناطق الخضراء عموما تتجه الدول الأوربية حديثا إلى فرض إنشاء مساحة خضراء على مساحات معينة ولا يوافق على تصميم البناء إلا بتوفر هذا الشرط، وتركز خصوصا على إنشاء مساحات خضراء في الأسطح “toits verts “، وبدأت محافظة هامبورغ في تطبيق ذلك منذ 1995 وسيشرع في تطبيق ذلك في فرنسا منذ أكتوبر المقبل.

إضافة إلى ذلك فإن للغابة فوائدها الاقتصادية حيث تعد خزانا للمواد الصيدلانية ومصدر عيش لشريحة مهمة من المجتمع  بشرط عقلنة استغلالها- خاصة في المجال القروي.

2 – كانت المنطقة تحتوي على نوع نادر من السلاحف وهو ما يسمى ب” السلحفاة الإغريقية” وقد اختفى هذا النوع نهائيا ويرجح أن تكون الجرافات والآلات الضخمة لفاديسا قد داسته وقبرته.

3- كانت المنطقة تحتوي على نوع نادر من الزواحف وهو المسمى: “كالسيداس” ويتواجد فقط في أربعة مناطق في العالم ومنها هذه المنطقة، التي بدأت تدخل بسبب المشروع في عداد المناطق المنكوبة إيكولوجيا، وقد اختفى هذا الحيوان كليا بعد ضم الشركة ميناء السعيدية إليها وتوسيعه وترحيل الرمال لأجل البناء.

4  إن حاجة الشركة إلى الرمال للبناء جعلها تقضي على الكثبان الرملية للشاطئ وأدى ذلك إلى تسوية منطقة واسعة من الشاطئ، خاصة الشاطئ الغربي الذي تقلص كثيرا، وفي ذلك مخالفة للقانون المغربي الذي يوجب حماية الكثبان الرملية لما لها من دور مهم في المحافظة على التوازن البيئي.

ب- بالنسبة لمصب ملوية:

تعتبر منطقة مصب ملوية منطقة جغرافية وبيئية استراتيجة للمنطقة الشرقية ككل وخاصة بركان، لثروتها المائية الباطنية والسطحية وثروتها الغابوية وغناها بالحيوانات وعلى الخصوص الطيور المختلفة. تمتد هذه المنطقة على مساحة تقدر بحوالي: 2700 هكتار تعيش فيها 3/2( ثلثا) طيور المملكة.

وتعتبر هذه المنطقة من المناطق الرطبة “Zones humides “التي تشملها الحماية الدولية بمقتضى اتفاقية “رامسار” “RAMSAR” الدولية التي تم توقيعها بمدينة رامسار الإيرانية سنة 1971 والتي حددت لائحة المناطق الرطبة المحمية دوليا، وضمن هذه اللائحة توجد منطقة مصب ملوية لاعتبارها المذكور ولغناها أيضا وأهميتها الإيكولوجية والجغرافية ولتوفر المنطقة على حيوانات نادرة كما سبق الذكر.

رغم هذه الأهمية ورغم توفره على حماية قانونية داخلية ودولية لم ينج هذا الموقع من طمع فاديسا ومن حولها وهو بدوره يتعرض للغزو أكثر مما كان، ومن خلال ما يلي سيتضح مدى الضرر الذي يشهده المصب ونواحيه:

1- في إطار مشروعها بدأت الشركة المذكورة في إقامة ثلاثة ملاعب للكولف وأثناء الأشغال وبعدها تقوم بجلب المياه من ملوية عن طريق الضخ، وكذلك فإن سقي هذه الملاعب سيتم مستقبلا من نفس الخزان وهذا يشكل وسيشكل استنزافا للمخزون المائي للمنطقة الباطنية منها والسطحية.

2- إن المحافظة على الملاعب المذكورة سيتطلب استعمال مواد كيماوية ومبيدات، ولا يخفى ما لهذه المواد من خطورة على المحيط البيئي بمختلف مكوناته وعلى الإنسان بالدرجة الأولى. كما أن ذلك قد يتسبب في تلويث مياه مصب ملوية وتسرب المواد المذكورة إلى المياه الباطنية مما سيلحق أضرارا جمة بالحيوانات التي تعيش بالمنطقة خصوصا الحيوانات المائية منها.

3- إن استغلال مياه مصب ملوية في بناء مسافة تقدر بحوالي ستة كيلومترات سيضر لا شك بالأراضي المسقية التي تسقى من وادي ملوية والمقصود هنا على الخصوص ناحية بركان.

وهذا يشكل نزيفا مائيا في الوقت الذي يسير فيه العالم نحو نقص مهول في هذه المادة بحيث يعرف 1,4 مليار فرد خصاصا في الماء بل إن القرن 21 يميزه الخبراء بكونه قرن مشكل الماء وأن معظم الحروب التي قد تظهر ستكون بسببه كما هو عليه الحال اليوم في الشرق الأوسط.

ومن جهة أخرى غيرت الشركة الاتجاهات الطرقية بالمدينة حيث دمرت الطريق الساحلي الذي كان يستعمله عامة الناس، والذي أنشئ منذ حوالي ثلاث سنوات فقط بالسعيدية قصد إنشاء “كورنيش” خاص، في أفق حرمان العموم من استغلال الشاطئ باعتباره ملكا عموميا، كما كان عليه حال مشكل “مرينا سمير” و”كابيلا”…. بناحية تطوان في الماضي قبل فتحها أمام العموم بعد احتجاجات المواطنين والهيئات المهتمة.

وعلى الصعيد “التنموي” فقد اعتمدت الدولة للترويج للمشروع على الادعاء أن له دورا مهما في التنمية الدائمة “développement durable” وأنه سيشغل حوالي 8 آلاف عامل في المرحلة الأولى – إلا أنه شغل نصف العدد المذكور فقط بغض النظر عن ظروف التشغيل ومدى توفر هؤلاء العمال على الحقوق التي تضمنها لهم مدونة الشغل- .أما على المدى البعيد فإن الأكيد أن مثل هذه المشاريع ليس لها أي أفق للتشغيل أو لعب دور ايجابي في التنمية.

يتضح مما سبق أن المشروع في مجمله مشروع لقيط وخارق لكل المنظومات:

1- فبالنسبة لمنظومة القانون الداخلي وقع خرق القانون المغربي جملة وتفصيلا، إذ أنه خرق ثلاث قوانين تنظم هذا المجال وهي:

أ- القانون رقم:12.03 المتعلق بدراسات التأثير على البيئة. فبحسب المادة الأولى من هذا القانون، وكما يتبين من اسمه، فإنه يجب أن يخضع المشروع لدراسة قبلية تمكن من تقييم الآثار المباشرة وغير المباشرة على الأمد القصير والمتوسط والبعيد التي يمكن أن يحدثها.

وطبقا لنفس القانون في مادته 8 تحدث لجنة وطنية ولجان محلية تناط بها مهمة القيام بدراسة التأثير. وحسب المادة 9 فإن اللجان المذكورة تقوم ببحث عمومي لتمكين السكان من معرفة الآثار المحتملة لمشروع ما. وقد حدد هذا القانون في ملحق له لائحة المشاريع التي يطبق عليها، وذكر من بينها المشاريع السياحية وركز على الخصوص على تلك الواقعة بالساحل والمناطق الجبلية.

ب  القانون 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة والذي ركز في المادة 18 على ضرورة اتخاذ تدابير وقائية خاصة من أجل محاربة التصحر..واختفاء الغابات، والتعرية..وتلوث التربة ومواردها. أما المادة 20 منه فتنص على أنه “يجب حماية الوحيش والنبيت والتنوع البيولوجي…”، وأما المادة 21 بعدها فتقول “يمنع أو يخضع لرخصة مسبقة تسلمها الإدارة….كل نشاط من شأنه أن يهدد أصناف الحيوانات والنباتات أو وسطها الطبيعي”. لكن على من يجب القيام بالحماية؟ وضد من؟ ومن عليه الحصول على الترخيص؟ ومن سيفرض عليه الحصول عليه؟

ج  القانون 13.03 والمتعلق بمكافحة تلوث الهواء، وهذا القانون ينصّ على تدابير زجرية لكل متسبب في تلوث الهواء والبيئة ويحدد الهيئات صاحبة الاختصاص في المواد 16 وما بعدها.

2  أما فيما يخص منظومة القانون الدولي فقد سبق التطرق إلى خرق اتفاقية “رامسار” “RAMSARE”، وهناك عدة قوانين دولية تتعلق بحماية البيئة عامة، وحماية الغابات والمياه وكلها لم يتم مراعاتها.

ونظرا لهذه الخروقات تقدم السيد رئيس جمعية “فضاء التضامن والتعاون للجهة الشرقية” بشكاية ضد شركة فاديسا إلى السيد وكيل الملك ببركان مؤرخة في 12/06/06، فما مصيرها؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.

كما نظمت مجموعة من الجمعيات المهتمة لقاءات في الموضوع وزيارات مع صحفيين أجانب إلى عين المكان وحملات ضد المشروع وفتحت مواقع على الإنترنت، ويوم 08/07/2006 نظم “فضاء التضامن للجهة الشرقية” يوما دراسيا تحت شعار “حماية شاطئ السعيدية” بغرفة التجارة والصناعة بوجدة لم تحضره السلطات المحلية المعنية رغم دعوتها، كل ذلك من أجل التحسيس بمخاطر توجه” فاديسا” في مشروعها التدميري.

3- ولا شك أن هذا المشروع خرق المنظومة البيئية حيث أنه يسبب اختلالا في التوازن البيئي باجتثاث غابة بأكملها، والقضاء على مجموعة من الحيوانات، وتلويث المياه والاستغلال الوحشي للرمال الشاطئية….

من هنا يتضح أن الشعارات التي رفعتها الحكومة وهي “التشغيل” والتنمية الدائمة” “développement durable” “السياحة التضامنية” “tourisme solidaire” لتمرير المشروع، كلها مجرد شعارات ديماغوجية لا علاقة لها بالواقع ولا بالحقيقة، وقد تأكد هذا في مجموعة من المشاريع السابقة سواء في مراكش أو في مناطق أخرى، وفي تعليق”للسيد جون ماري كولومبون” “Jean-Mari collombon ” المنسق العام ل”المنتدى الدولي للسياحة التضامنية” في لقاء مع جريدة لكونوميست عدد:21/05/2007 صرح أن طبيعة مشروع فاديسا “Tourisme de masse” ” السياحة الجماعية” ليس له طبيعة مشاريع السياحة التضامنية وليس له دور أساسي في التنمية، بل إن مثل هذه المشاريع تسبب نوعا من عزل العامة عن المشروع وأهدافه، وعن الأماكن العمومية لتستفيد منها شريحة معينة، وأنه يمكن تحقيق السياحة التضامنية والتنمية بإدخال تغييرات على المشروع، وهذه مسألة اختيار وإرادة فقط.

لاشك أن المشروع المذكور جريمة بيئية بامتياز والمستفيد الوحيد من المشروع هم أصحابه فقط والذين يرهنون مستقبل هذا البلد ومستقبل شعبه للخارج وينهجون سياسة أكل الأخضر واليابس، ونهج استراتيجية الفساد والإفساد، فإذا كانت مدينة السعيدية والمنطقة ككل ستستفيد من شيء فلن تستفيد أكثر مما استفادت مراكش من مثل هذه المشاريع حيث “استفادت” ما يزيد عن مائة ألف عاهرة، وهي بذلك تحتل المرتبة الثانية بعد الدار البيضاء، ومن يدري قد تحطم السعيدية بهذا المشروع هذا الرقم.

وباختصار فإن المشروع هو مشروع إنعاش السياحة الجنسية وجعل المغرب نموذجا في المنطقة أكثر مما عليه الآن وعلى غرار تايلاند… أو بالأحرى تقريب تايلاند إلى فئة من الأوربيين وتقليص المسافة لهم وكذا المصاريف…. فهو مشروعهم وليس مشروعا للمغاربة.

ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

المراجع:

1- موقع enador

2- موقع natura vox

3- موقع wikipedia

4- موقع hee ouvation

5- موقع L”économiste