مؤسفة هي مآلات الأوضاع في فلسطين، ومؤلمة جدا هي مشاهد الدماء تراق بأيد فلسطينية، وفظيعة هي أصوات البنادق حين تطلق على إخوة القضية والسلاح ومدان هو من يحترف القتل ويعتدي على الأبرياء أيا كانت المبررات والعناوين، هذا موقف مبدئي صريح لا بد منه، وموقف مبدئي أوضح وأصرح لابد منه أيضا، مدان من يسوي بين الضحية والجلاد وخائن من يساوم بتاريخ الأمة وحاضرها ومستقبل أجيالها ويرهن العباد والبلاد، وخاسر خاسئ من يضع يديه في أيدي أعداء الأمة من الصهاينة والأمريكان أيا كانت الإكراهات والمبررات.

فلسطين جرح نازف، صفحات مفتوحة من كتاب القدر، مدرسة تعلم أجيال الأمة الأمثال والعبر، وهاهي اليوم تعلمنا درسا أكبر، بالأمس كان الدرس الجزائري انتخابات نزيهة وشفافة وفوزا مستحقا شهد به العدو قبل الصديق وكانت النتيجة حربا أهلية أتت على اليابس والأخضر وأريقت فيها دماء آلاف الأبرياء بلا رحمة ولا شفقة، وبالأمس القريب تركيا والسودان …. وغدا دول أخرى وأمصار، كأنه صار لازمة من لوازم وصول الإسلاميين حتما “الأصوليين” زعما، إلى السلطة فرض الحصار والمقاطعة والحروب الأهلية والعنف، فهل هي خاصية ذاتية أصيلة في الحركة الإسلامية كونها إرهابية لا تعرف إلا العنف والتصادم في تدبير اختلافها داخليا وخارجيا؟ أم هي مؤامرة محبوكة لتكريس هذه “الصورة النمطية”؟ أم هي أخطاء يمكن أن تقع فيها الحركات الإسلامية باعتبارها حركة بشرية؟ أم أن صدر الديمقراطية لا يتسع للمرجعية الأخلاقية للحركة الإسلامية؟

أسئلة نراها جوهرية والبحث لها عن إجابات ضروري وملح لأنها لب القضية وعمقها أما فتح وحماس فهي أمثلة وفروع يمكن أن تتكرر في كل مكان مع اختلافات في الظروف والملابسات والتفاصيل.

ودون إغراق في تفاصيل لا يملكها كاملة إلا من هم في الساحة فعلا، وبعيدا عن القراءات “العقلانية” الانتظارية المحايدة الباردة التي تسوي بين حركة المقاومة الإسلامية حماس وفتح بتياراتها وفصائلها، لا ينبغي لأبناء الحركة الإسلامية في العالم أن يخجلوا من انتصارهم لحماس ولقوى المقاومة ذات المرجعية الإسلامية لأن انتصارهم هو انتصار للمشروع الإسلامي وللرؤية الإسلامية المحددة لطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، وأداء لواجب النصرة والموالاة في الله المأمورين به شرعا. انتصار حكيم لا يسقط في التقديس ولا يتقاعس عن النصح إن بدت أخطاء أو عثرات، وأيضا لا يغيب عنا حقائق الواقع ومعطياته التي تصرخ في وجه العالم أجمع أن حماس فازت في انتخابات نزيهة وشفَّافة واختيرت من طرف الشعب الفلسطيني قاطبة بمسلميه ونصاراه والشعب حين اختار حماس -وأدى ضريبة اختياره- اختار المقاومة والمقاومة تعني في ما تعني الحصار والتجويع والحصار الإقليمي والدولي وهو ماعانى منه الفلسطينيون قرابة سنة ونصف صابرين محتسبين.

1- حماس فازت بأغلب المقاعد وهذا يعني أنها صاحبة الشرعية الشعبية وهذه حقيقة يراد لنا أن نقفز عليها، أو ننتقص من قيمتها أوننساها لأن أغلب الشعوب ذاكرتها مثقوبة، فعلى الأقل الآن الديمقراطية قائمة على الاختيار بالأغلبية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وعلى من يؤمن بالعكس تغيير قواعد اللعبة.

2- حقيقة ثانية أن حماس تعرضت لضغوط لا تطاق دوليا ومحليا وعربيا وفلسطينيا ليس لتغير مواقفها بل لتلين منها ولو قليلا فأبت وفاء لمبادئها ووفاء لثقة الشعب بها، بمعنى أنها التزمت ببرنامجها السياسي الذي صوت عليه الشعب وهذه حالة فريدة في عالمنا العربي.

3- حقيقة ثالثة لا ينبغي أن تغيب أبدا أن حماس لا تواجه فتح -أو على وجه التحديد تيارا من فتح- بل تواجه مشروعا صهيونيا أمريكيا، هو مشروع “شرق أوسط كبير” فلسطين أحد حلقاته هدفه استئصال كل قوى الرفض والممانعة، وللأسف بعض الأنظمة العربية المتعفنة لاتكف عن دعمه، لذا فهي لم تتأخر في إذعانها للإملاء الصهيوني بدعم أبو مازن وخنق حماس، فقد صرح الجنرال عاموس جلعاد مدير الدائرة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع الصهيونية في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية يوم 15/6/2007″( إن “إسرائيل” تحتاج أكثر من أي وقت مضى لمساعدة الدول العربية، وتحديداً مصر في مواصلة خنق حركة حماس، سيما بعد إنجازها السيطرة على كامل قطاع غزة، معتبراً أنه في حال لم يتم نزع الشرعية عن وجود حركة حماس في الحكم، فإن هذا ستكون له تداعيات سلبية جداً على “إسرائيل”. التي تراهن بقوة على تعاون الدول العربية، ورئاسة السلطة الفلسطينية معها في عدم السماح لحركة حماس بترجمة إنجازاتها العسكرية إلى مكاسب سياسية، معتبرة أن التطورات الأخيرة تحمل في طياتها تحولات إقليمية بالغة الخطورة على “إسرائيل”.

ويلقي بعضا من الضوء على طبيعة الصراع وحقيقة ما تواجهه المقاومة ومنها حماس تقرير أعده المعلق السياسي فولف راينهارت نشرته صحيفة “يونجافليت” الألمانية يوم14/6/2007 قال فيه” إن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش خططت منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية، وتحريض تيار موال لها داخل فتح على القيام بتصفيات جسدية للقادة العسكريين في حركة حماس. وقد تحدث في هذا الموضوع صراحة الجنرال “كيث دايتون” مسؤول الاتصال العسكري الأمريكي المقيم في تل أبيب، في جلسة استماع عقدتها في أواخر مايو الماضي لجنة الشرق الأوسط بالكونجرس الأمريكي، وأكد في كلمته أمام الكونغرس بوضوح (بأن للولايات المتحدة تأثيراً قوياً على كافة تيارات حركة فتح وأن الأوضاع ستنفجر قريباً في قطاع غزة، وستكون عنيفة وبلا رحمة. وقال إن وزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات المركزية ألقتا بكل ما تملكان من ثقل، في جانب حلفاء الولايات المتحدة و”إسرائيل” داخل حركة فتح. كما أن تعبئة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية ضد حماس، تمثل خياراً استراتيجياً للإدارة الأمريكية الحالية. وهو ما يفسر أن الكونجرس لم يتردد في اعتماد مبلغ 59 مليون يورو لتدريب الحرس الرئاسي في بعض دول الجوار، وإعداده لخوض مواجهة عسكرية ضد حركة حماس).

4 -الحقيقة الرابعة هو أن المشروع الصهيوني الأمريكي مشروع استئصالي دموي دشن خطته باغتيال القيادات التاريخية لحماس وفتح لإفساح المجال لقيادات من الجيل الجديد قد تكون أكثر تجاوبا مع خططه، وبعد أن فشل في ذلك مع قيادات حماس الشابة انتقل إلى الخطة السياسية التي كان هدفها توريط حماس وتقديمها للشعب أنها غير قادرة على إدارة الملفات لا سياسيا ولا أمنيا ولا اقتصاديا، ولما عجزت أكثر من 18 شهرا من الخنق عن إفشالها تم الرجوع إلى خطة الاغتيالات والتصفيات وعلى من يشك مراجعة بنود خطة كيث دايتون التي كشف المعلق السياسي للصحيفة الألمانية عن جزء منها قائلا “أن التيار الأمريكي الإسرائيلي داخل فتح لم ينجح رغم كل الدعم السخي الذي قدم إليه في كسر شوكة حماس. وهو ما دفع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى استدعاء خبرتها السابقة في جمهورية السلفادور، وتوجيهها للعناصر الفتحاوية المرتبطة بها لتشكيل فرق الموت لاغتيال قادة وكوادر حماس، وتحدث راينهارت في هذه النقطة عن خيوط كثيرة تربط بين فرق الموت والحرس الرئاسي الفلسطيني والمستشار الأمني النائب محمد دحلان، ونسب إلى خبيرة التخطيط السياسي بالجامعات” الإسرائيلية” “د. هيجا ياو مجارتن” قولها إن دحلان مكلف من وكالة المخابرات المركزية وأجهزة أمريكية أخرى، بتنفيذ مهمة محددة، هي تصفية أي مجموعات مقاومة ل”إسرائيل” داخل وخارج حركة حماس.

5- الحقيقة الخامسة حماس رفضت التعايش مع الفساد فضلا عن التورط فيه بمعنى أنها رفضت أن تكون حركة إصلاحية، وهذا تحد يطرح على التجارب السياسية للحركة الإسلامية في العالم هل طبيعتها تغييرية شاملة أم هي إصلاحية ترضى بأنصاف الحلول وأرباعها وأخماسها ؟؟

وحركة حماس وعيا منها بطبيعة الصراع وخصوصية العدو وحساسية موقفها المتقدم في جبهة الجهاد رفضت التنازل لأن أي تنازل للعدو الصهيوني أو عملائه هو بداية الانحدار والاندحار والسوابق والشواهد كثيرة، فحقا كان الاختيار صعبا بين أمرين أولهما تعايش مع فساد عشش في صفوف السلطة -بل جاءت به معها من تونس وقبرص واليونان – ولم يستطع حتى ياسر عرفات التخلص منه وتكون نتيجته الحتمية خسارة حماس لسمعتها وتاريخها وسلطتها الأخلاقية التي هي رصيد مصداقية أي كيان سياسي وثانيهما “حربا أهلية” أو مواجهات دموية مع “الإخوة الأعداء” في فتح أو غيرها من مرتزقة الحروب.

6- والحقيقة السادسة هي أن حماس تجنبت ما أمكن المواجهة والحسم العسكري وما قامت به كان خطوة استباقية ليس حرصا على سلطة لا تساوي حتى قشرة موز بل حرصا على المقاومة ومشروعها الجهادي، وكل من يذرف الآن دموع التماسيح ويعزف على أوتار العاطفة والإنسانية من أبراجه العاجية، إنما هو حالم يسوق الأوهام أو واهم يروج لمشروع الانبطاح والاستسلام، فهل توقف سفك الدماء في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن أرغم الإمام علي كرم الله وجهه على قبول التحكيم أم أن السيوف ما ردت إلى أغمادها منذ ذلك الزمان، سؤال نطرحه ونعود لأننا نرى تاريخ الأمة كلا لا يتجزأ.

في العاشر من يناير الماضي أي قبل ستة أشهر وجه رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية رسالة إلى رئيس السلطة أبو مازن، نوردها كاملة لأهميتها: نهديكم أطيب التحيات، ونسأل الله لكم التوفيق والسداد. لقد توافرت لنا بعض المعلومات في الآونة الأخيرة، تشير إلى خطة أمنية تهدف إلى الانقلاب على الحكومة والخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني. ويمكن إيجاز هذه المعلومات في النقاط التالية:

– إدخال كميات ضخمة جداً من السلاح لصالح حرس الرئاسة، من بعض الجهات الخارجية، بمعرفة ومباركة من أمريكا و”إسرائيل”.

– تشكيل قوات خاصة من الأمن الوطني تقدر بالآلاف لمواجهة الحكومة الفلسطينية والقوة التنفيذية واعتماد “مقر أنصار في غزة” مقراً مركزياً لها.

– تجهيز هذه القوات بالسيارات والدروع والسلاح والذخيرة وصرف الرواتب كاملة للموالين.

– تعقد اجتماعات أمنية حساسة لعدد من ضباط الأمن الفلسطيني في مقر السفارة الأمريكية حيث تناقش فيها خطط العمل.

– البدء بإجراءات إقالة لعدد من الضباط واستبدالهم بشخصيات أخرى، مع العلم أن لجنة الضباط هي المختصة بهذه الشؤون، كذلك تعيين النائب محمد دحلان من طرفكم شفوياً كقائد عام للأجهزة الأمنية، وفي ذلك مخالفة قانونية.

– تهديد الوزراء ورؤساء البلديات بالقتل، حيث تم الاعتداء على الوزير وصفي قبلها وزير الأسرى، وإعلامه عبر مرافقه أن الاعتداء القادم سيقتله. وكذلك تم تكليف أحد ملياردري فتح من غزة بتصفية الوزير عبد الرحمن زيدان ـ وزير الأشغال والإسكان مقابل 30 ألف دولار.

الأخ الرئيس: بناء على ما سبق وغيره الكثير من المعلومات التي نمتلكها، فإننا نعبر عن بالغ أسفنا إزاء ما ورد، حيث إن ذلك يهدد النظام السياسي الفلسطيني، والنسيج الوطني والاجتماعي ويعرض القضية برمتها للخطر. نرجو منكم اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لحماية شعبنا وقضيتنا، ونحن سنظل أوفياء وحريصين على وحدة الشعب ولحمته ـ واقبلوا وافر التحية.

وهي معلومات أكدتها جهات صهيونية أيضا والحق ما شهدت به الأعداء كما يقال. فقد نشرت جريدة هارتس الصهيونية يوم 6/6 /2007 “أن جهات في حركة فتح توجهت أخيراً إلى المؤسسة الأمنية في “إسرائيل” طالبة السماح للحركة بإدخال كميات كبيرة من العتاد العسكري والدخيرة من إحدى دول الجوار إلى غزة، لمساعدة الحركة في معركتها ضد حركة حماس. وأضافت الصحيفة أن قائمة الأسلحة والوسائل القتالية تشمل عشرات الآليات المصفحة والمئات من القذائف المضادة للدبابات من نوع “آر.بى.جى”، وآلاف القنابل اليدوية وملايين الرصاصات. كما ذكرت أن مسؤولي فتح تقدموا بطلباتهم في لقاءات مباشرة مع مسؤولين إسرائيليين، كما أن المنسق الأمني الأمريكي الخاص في المناطق الفلسطينية المحتلة الجنرال كيث دايتون نقل طلباً مماثلاً إلى “إسرائيل”.

لكن مع كل ما أوردنا هل يصمد المنطق وكل الحقائق والوقائع أمام الاستعلاء اليهودي الذي بلغ مداه ؟ هذا ما نشك فيه فمن لا يملك مرجعية عقدية ينطلق منها في تحليل الأحداث ومجريات الأمور يكون فريسة سهلة للطاحون الإعلامي والصخب السياسي. أما المطمئن بذكر ربه فلا تستفزه الأحداث ولا الصيحات ويصدق وعد ربه، ألم يخبرنا ربنا من فوق سبع سماوات عن إفساد يهودي في الأرض وعن علو كبير وعن إمداد بأموال وبنين من أوروبيين أمريكان وبعض العربان وعن نفير إعلامي وسياسي يسيطر اليهود على كل محطاته ومراكزه يوجهون من خلالها الرأي العام في العالم؟؟

ألم يخبرنا جلت قدرته في كتابه وعلى لسان المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه عن نصره لعباده المومنين متى تحققت فيهم معاني العبودية ؟؟ بلى وألف بلى (وَقَضَيْنَآ إِلَىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً(4) فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مّفْعُولاً (5) ثُمّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوّلَ مَرّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً (7) عَسَىَ رَبّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً) {الإسراء 4-8}.

صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.