استهلال:

يأتي عرض هذه المقدمات للمساهمة في تكوين آلة كلية قادرة على نقد تجديدي للحراك السياسي والاجتماعي في المغرب، وللمساهمة في تمكين المغاربة من إمكانية التصنيف السالم لعناصر العملية السياسية المغربية على أبواب “مهرجان الانتخابات”، ذلك أن التجربة المغربية في بناء عناصر اللعبة السياسية تتوفر على خبرة كبيرة بحكم واقع الاستقرار الذي تعرفه طبيعة النظام السياسي على مر قرون من الزمن على الرغم من الهزات التي لم تؤثر على عملية تموقعه ضمن الحقل السياسي والمجتمعي دستوريا وعرفيا وواقعيا.

إن ما يسمى بالخريطة السياسية في المغرب تحتاج إلى جهد معرفي وعلمي هام للنفاذ إلى جوهرها السياسي والمجتمعي حتى تبنى المواقف على وعي دقيق بحقيقة اللعبة السياسية المغربية وبالعناصر الرئيسة الفاعلة فيها، لأن النقاش السياسي الذي تطرحه العملية الانتخابية لم يتخلص بعد من ضيق ما تنتجه عملية سياسية فاسدة جملة وتفصيلا.

ومعناه أن بناء واقع سياسي سالم يحتاج إلى مجهود فكري علمي هام تتضافر فيه جهود الفضلاء ذوي العقول الراجحة بدلا من تخرصات المناضلين السياسيين المحترفين القابعين في سجن أهداف نضالية خارج نسق مطلب التغيير العميق للبنى النفسية والذهنية والإرادية والفكرية والمجتمعية السياسية لبناء مقدمات واقع الحرية الحقيقية التي تكون فيه العملية الانتخابية تعبيرا عن إرادة شعب حر وكريم بدلا من إرادة فئة قابضة قبضة من حديد على السلطة ومؤسساتها بين يدي شعب مفقر ومجهل ومقموع وخائف ومرعوب.

إن من وظيفة العملية الفكرية التي تؤسس لعمل قوي وواضح على أرض الواقع من خلال برامج عملية جادة هي المدخل الأساس لبناء أرضية صلبة لأجل صناعة واقع الحرية الحقيقية التي يكون فيها الاختيار الحر المعبر عن إرادة الأمة الحرة.

فالمقدمات أدناه محاولة لبيان أن المدخل لتفكيك الخريطة السياسية وإعادة تركيبها هو نقل مستوى النقاش من دائرة المعطيات الميدانية الضاغطة على النفس والفكر إلى القدرة على نقد أصول فساد العملية السياسية في المغرب، حيث يتم إدراج الحديث عن المعطيات الميدانية ضمن سياق نقدي يفتح أفقا واسعا للتحرر من آثار سرعة المناضل السياسي نحو الحكم وتربص الخبير النظامي بعثرات المسرع واستدراجه الاستراتيجي نحو الاندماج الطوعي أو غير الواعي في مساق قواعد نظامية لم تحصل زحزحتها ولو مسافة قصيرة عن صدر المغاربة، وهي قواعد لم تضعها الأمة ولم يخترها الشعب وإنما فرضت عليه زمنا طويلا حتى صارت بواسطة عنف النظام/الدولة الرمزي والمادي جزء من الثقافة العامة التي اخترقت وسائل التفكير والعمل وصيرتها آلة نظامية في غالب الأحيان أو محايدة في أحايين كثيرة.

المقدمة الأولى: الدولة لا ينبغي أن تكون إلا بنتا بارة لحركة المجتمع الأصلية.

دون الدخول في تفاصيل مناقشة علاقة الدولة بالمجتمع، إذ في ذلك كلام كثير عند الأكاديميين والباحثين، وللكشف عن طبيعة الخصائص التفصيلية للعملية السياسية المغربية، نقف على ما يفيد في موضوع المقالة؛ ففي جميع الأحوال يجب أن تكون الدولة في خدمة الأمة، بما هي شكل تنظيمي مكتسب عبر حركة تاريخية أدت الإنسانية، منها شعبنا المغربي العريق، ثمنا باهضا بحثا عن وسائل تنظيم العلاقات الداخلية والخارجية تحقيقا لمقاصد الاستقلال والأمن والاطمئنان، وهو ما يعني أن الدولة ملكا للأمة ولا ينبغي أن تكون إلا خادمة لمصالحها محققة لمطالبها موظفة في يدها لا في يد غيرها.

ومعنى هذا أن المجتمع هو الذي يبني الدولة وينبغي أن يؤسس لوسائل الحرص على أن تبقى ملكا له وخادمة لحركته في الواقع التاريخي والجغرافي والإنساني، وإذا كان له نقص في مجال البناء تكون الدولة أداة من الأدوات المكملة له عوض أن تصير غولا وأخطبوطا مسيطرا ومهيمنا يقهر ولا يقهر، وكل ذلك تفاديا للنظرية القائلة بالواقع الطبيعي المبني على أن المجتمع ضد الدولة دوما.

وقد يحصل في مرحلة تاريخية ما أن يعرف المجتمع ضعفا كليا وانهيارا شاملا، فتتسلط فئة من الفئات فتستولي على الدولة والسلطة. وفي هذه الحال هناك مساران:

الأول: أن تعمل هذه الفئة على الحفاظ على الدولة والسلطة ودورهما في التنظيم والبناء وتعمل على إرجاعهما لحضن الأمة عبر مرحلة انتقالية قد تطول أو تقصر بناء على المعطيات الواقعية – لكنها لا يمكن أن تستغرق قرونا في جميع الأحوال- فتحظى هذه الفئة بالتكريم التاريخي على مر الأزمنة والعصور.

والثاني: أن تستمر هذه الفئة في احتكار الدولة والسلطة وعوض أن تعمل على إرجاعهما إلى موقعهما الطبيعي توظف جميع الإمكانات لتقوية واقع الاحتكار حتى يصبح المجتمع في واد والدولة والسلطة في واد آخر، وقد يتم مسخ المجتمع إلى درجة أن يصير مجرد مجال لمزاولة هوايات القابضين على الدولة والسلطة في الحكم والإدارة.

وبما أننا نتحدث عن المشهد السياسي المغربي، فإن هذه القاعدة تنطبق عليه بدرجة كبيرة.

فقد عرف تاريخ المغرب تقلبا شديدا في تصارع فئات على الحكم، سواء بين ما عرف بالدول المتعاقبة على حكم المغرب، أو بين أبناء العائلة الواحدة الحاكمة. وهو ما لم يجعل الأمر يستقر إلا في لحظات قليلة، هي اللحظة التي تكون الدولة والسلطة على علاقة طيبة مع المجتمع، أي حينما يشعر الناس أن الدولة القائمة مع الشخص العلاني خادمة لمصالح الأمة وغير مفرطة فيها.

لكن الباحث يمكن أن يجزم بأن هناك تعارضا حقيقيا بين مصالح الأمة ومصالح الدولة/النظام لمجرد اطلاعه البسيط على واقع الدولة في المغرب، إذ لا يشعرك البحث، ولو لحظة، أن الدولة في يد المجتمع وأنه يتعامل معها على قاعدة أنها جزء من ماهيته. مما يجعلنا أمام حقيقة واقعية وتاريخية، وهي أن الدولة والسلطة غير خادمين بأي وجه من الوجوه لمصالح الأمة بقدر ما هما أداتان محتكرتان من طرف نظام سياسي ناتج عن ظرف تاريخي مرت به الأمة، وهو ما مهد للاستعمار المباشر بعد قرون من الانحطاط الشامل الذي لم يخل من صيحات هامة للتغيير والإصلاح.

أما بعد الاستعمار فقد تضافرت عوامل تاريخية قديمة مع خروج الأمة منهكة من فترة الاستعمار إلى أن تكون المبادرة بيد القصر، فحسمت قضية علاقة المجتمع مع الدولة والسلطة لصالح نظام سياسي سخر جميع الإمكانات المتاحة لخدمة هذه الحقيقة ليصنع على مدى عقود ما سمي بالاستقلال واقعا فسيفسائيا في جميع المجالات يتميز بإبداع خاص في المزج بين ما هو تقليدي تاريخي خاص وبين التجربة الغربية في تدبير الشأن العام وبناء المؤسسات المجتمعية.

لقد بني مجتمعنا الحديث تحت رقابة الدولة والسلطة المحتكرتين قرونا من الزمن، إلا في بعض اللحظات القليلة عددا والقصيرة زمانا، من طرف نظام عوض أن يبدع في وسائل إرجاع أهم مؤسسات الشعب؛ الدولة والسلطة، للأمة أبدع إبداعا فريدا في كيفيات تطوير واقع الاحتكار الذي شكل على مستوى كبير من التفصيل كل مجالات الحياة المغربية في كل الميادين.

إن الوعي بقيمة هذه المقدمة سيمهد حتما إلى إدراك خصائص اللعبة السياسية في المغرب كما يمهد إلى إدراك حقيقة المدخل الأساس لصناعة واقع الحرية الحقيقية بعد إدراك أصول الواقع السياسي والمجتمعي المعيش في كل أبعاده.

المقدمة الثانية: المعارضة المطلوبة في المغرب يطلب منها الكفاءة العلمية والقدرة العملية على نقد أصول العملية السياسية المغربية مما يؤهل لصياغة برنامج عملي متكامل وقاطع مع الاستبداد.

تبعا للمقدمة الأولى يمكن عرض السؤال التالي: لماذا لم تستطع أية معارضة لحد الآن أن تحتل الموقع المناسب في صلب حركة المجتمع المغربي، ولماذا لم تستطع اختراق الواقع السياسي بما يدفع في اتجاه فرض واقع الحرية للشعب المغربي وتقويض روح الاستبداد التي تشكل ماهية النظام السياسي التي ملأت كل تفاصيل الدولة والسلطة المحتكرتين منذ قرون؟

إنه سؤال موضوعي على بساطته، ذلك أن ما ضاع من زمن “النضال المغربي” كثير وما تحقق من مكاسب لا تكاد تذكر إذا استثنينا ما تفرضه الظروف الدولية على النظام فيمنح المغاربة بعض الفتات الذي يقنع به الكثير بعد طول انتظار أو سرعة متهورة غير واعية بمنعرجات ومسالك المعارضة المطلوبة لأجل الحرية أمام نظام سياسي تمرس جيدا على المناورة والمراوغة والاحتواء والتدجين القاتل.

لقد اختارت معارضة ما بعد الاستعمار موقعا لم يؤهلها لخوض المعركة الحقيقية مع روح الاستبداد التي خربت البلاد وتلاعبت بمصالحها وخيراتها، حيث تأسست الخريطة السياسية زمن “الاستقلال” على معطيين مهمين:

الأول: الطبيعة الهيمنية لنظام سياسي تحركه مصالح الهيمنة أولا وآخرا.

الثاني: تشكيل تعددية شكلية قوضت قوة الدفع بتفتيت الرصيد الوطني المقاوم لدى الأشخاص والمؤسسات.

فقد انطلقت المعارضة من موقع سياسي يقابل مطلب الديموقراطية بواقع الاستبداد دون الانتباه إلى أن الخلاف سياسي وليس مرجعي في عمقه بينها وبين النظام، حيث أثبتت التطورات التي حصلت في ما بعد، خاصة مع بروز الحركة الإسلامية، أنه لا خلاف مرجعي كبير بين الطرفين؛ إذ لم يعترض أحد اليوم على مفهوم “المشروع الديموقراطي الحداثي” الذي أبدع المخزن معناه ووسائله وانخرطت فيه جل مكونات المعارضة.

وحديثنا هنا عن المعارضة التي تترس بالمعنى اليساري في صناعة الموقف السياسي، أما من اختار اللبرالية فلم يكن في أحسن الأحوال إلا أداة جيدة في يد نظام سياسي خبر كيف يصنع أطره ووسائله وفضاءات عمله سياسيا ومجتمعيا وثقافيا في ظل خبرة التوازنات التي لا تنهي وجود أي طرف ولا تسمح له بأي مستوى من القوة المهددة.

أما الحركة الإسلامية التي سلمت، وهي مبتدئة التجربة، بأن الدولة الإسلامية قائمة ولا ينقصها إلا بعض الإصلاحات قد تحقق بالعمل من داخل قواعد اللعبة السائدة، إنما كالطفل الطموح الذي سلم نفسه لذئب ضروس فشرده تشريدا ومزقه تمزيقا، لكنه تمزيق الواعي لا تمزيق الذي يضرب يمينا وشمالا. كما أن هذه السرعة في الدخول تؤشر على فقر فكري سطح تعقيدات النظام السياسي في المغرب لدرجة جعلت منه صورة قابلة للتشكل الجديد في أية لحظة دون الوعي بأن الحركة الإسلامية بما هي مشروع تجديد كان عليها أن تؤسس مواقفها العملية على نظر عميق وفهم دقيق وفكر ثاقب إلى وضع سياسي واجتماعي لا يخلو من تعقد بالغ أربك كثيرا من خبراء النظر والفكر.

نعم، ستؤدي الحركة الإسلامية ثمنا باهضا بدخولها المستعجل للعمل وفق قواعد نظامية لم تخضع بعد لأي نقاش جماعي يؤسس لمرحلة انتقالية يُضمن فيها عدم إهذار جهود الأمة من أجل الحرية، خاصة إذا سلمت هذه الحركة بهذه القواعد أو لم تأخذ بعين الاعتبار دورها في بناء العملية السياسية ورسم آفاقها الإستراتيجية.

إنها مسألة وعي سياسي استراتيجي بالأولويات التي تحدد المواقف الميدانية العملية والإجرائية خدمة للمقاصد العليا في الحرية والتنمية الحقيقية والاستقلال الكامل.

ولذلك فإننا، اليوم في حاجة لا إلى إلهاء الشعب المغربي بلعبة الانتخابات وما تفرزه من تبعات وهذر كلامي ونضالي ممل ولو كان منمقا، لكننا في حاجة إلى ضرورة تحديد العوامل الرئيسة في صناعة المأساة السياسية التي ترتبت عليها مأساة اجتماعية واقتصادية، وإيجاد قدرة هامة على نقدها نقدا علميا يفضي إلى تفكيكها وتحليلها واقتراح عملية بنائية جماعية قاطعة مع كل أصول العمل السياسي الفاسد والمفسد من خلال برنامج عملي متكامل لا مكان فيه للاستبداد ومصادره وأصوله وفروعه.

المقدمة الثالثة: إن الموقف من العملية الانتخابية يتحدد بناء على الموقع الذي تحتله المعارضة وفق صيرورة أولوياتها الحركية؛ فالمشاركة السياسية لا تعني المشاركة المباشرة في العملية الانتخابية.

بداية ينبغي التأكيد على أن الذي ترسخ في الوعي الجماعي وفق التعبئة والتنشئة الرسميتين من كون العلمية الانتخابية مجرد علاقة بصوت الناخب خلال لحظة الحملة الانتخابية ووضع الصوت في الصندوق، وهذا لايمكن وصفه إلا بأنه تزوير كبير وخطير، لأن العملية الانتخابية لها علاقة بإرادة المواطن، أي إرادة الوطن في آخر المطاف، ومن هنا، أي نظرا لأن العملية لها علاقة بالإرادة، تُستمد قيمة الصوت لا من قيمة الربح المادي والسياسي المبتذل الذي يشكل جوهر العملية الانتخابية في مغرب اليوم.

وهو ما سيحدد طبيعة الأولويات وفق الموقف من إرادة المواطن والوطن في الحرية والاختيار الحر والواعي والمسئول.

ولن نتيه هنا في المعنى الأكاديمي للمشاركة السياسية عبر تصنيف أشكالها، لكن نقف على الفعل السياسي المعتبر حينما يكون له صدا بنائيا مستقبليا من خلال القدرة على التفاعل الإيجابي مع الواقع عبر عملية نقدية سالمة وسليمة لا تضع خطا أحمر إلا فيما يمس حرية الوطن والمواطن ويؤدي إلى تحرير الدولة والسلطة من قبضة الاستبداد القاهر، أما كل عمل يكرس الواقع السلبي ويطور عناصره السلبية إنما هو ضياع للوقت وجريمة في حق أمة قهرت قرونا من الزمن.

ومن هنا فإنه من الخطأ أن يلزم أحد أحدا بالدخول في العملية الانتخابية، كما ليس من المعقول أن يفرض أحد على أحد عدم المشاركة فيها، ذلك أن المواقع تختلف وزاويا النظر مختلفة وقد تتعارض موقعا وجوهرا، لكن يجب أن ندرك حقيقة المواقع والوظائف وأولويات كل طرف فضلا عن الخلفية المرجعية الدقيقة التي تؤطر كل ذلك ةترسم معالم الوظيفة الميدانية.

فيتبين أن المشهد السياسي يتكون من موقعين:

الأول: موقع التسليم بالقواعد الكلية العرفية والدستورية والواقعية مع ما يتفرع عنها من قواعد، وهي الناظمة للعملية السياسية جملة في المغرب. علما بأن هذه القواعد أخذت موقعها بناء على فرض تاريخي لا على اختيار حر جماعي.

الثاني: موقع العمل على الاشتغال الكلي لتقويض هذه القواعد وما تنظمه من روح استبدادية في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والنفسية التربوية والتعليمية داخل المجتمع المغربي، والتأسيس لقواعد جديدة تروم البناء الكلي السليم والدائر على معاني الحرية والقوة والاستقلال.

ولذلك فإن المشاركة السياسية إنما تعني إنشاء عمل سياسي صادر عن إرادة المجتمع الحقيقية في الحرية حيث تحتضنه الأمة وتقم الثمن من أجله، ولكلا الاختيارين أولويات ووسائل ومواقف مختلفة.

وبما أن الموقع يتحدد بناء على أولويات كل طرف في خطته السياسية البرنامجية والتصورية الإستراتيجية، فإنه لابد، ولظهور قيمة المقدمات المذكورة أعلاه وغيرها من المقدمات، الانتباه إلى أن قاعدة الأولويات المشتركة شبه منعدمة تماما بين طرفي الموقعين، لذلك ففي المرحلة الحالية لايمكن توحيد تصور جامع للعملية الانتخابية، لأن المرحلة تقتضي أن ينصب كل طرف في خدمة اتجاه أولوياته.

وهناك فرق بين من يعالج ويحدد الأولويات بناء على رغبة سياسية تدور على معنى المصالح الضيقة، وبين من يحدد الأولويات على قاعدة الحاجة الملحة للشعب المغربي في توفير العناصر النفسية والمادية والسياسية والدستورية والاجتماعية، وغيرها من العناصر، لبناء مدخل الحرية التي تضمن الاختيار الحر في عملية جزئية، هي عملية الإدلاء بالصوت، التي تتم في سياق له دلالاته المحلية والدولية.

ولذلك نجد في التاريخ المعاصر أن أكبر قوة سياسية في مجتمع ما قد تضطر إلى مقاطعة العملية الانتخابية بما هي عملية جزئية قد تكون على صورتها المعتمدة مدخلا للانحراف السياسي أو تكريسا لانحارف تاريخي يحتاج أولا إلى بناء القاعدة السياسية البشرية والبرنامجية لتقويمه أو تغييره إذا كانت الضرورة تدعو إلى ذلك.

فنخن لم نصل بعد إلى مرحلة التوافق على مستوى مرجعي جامع وموحد وفي دائرته يحصل التنافس عبر صور المشاركة التي تتوج بالتتنافس على تجسيد ثقة المواطنين من خلا عملية التصويت.

ولذلك لا يمكن إسقاط صور المشاركة السياسية القائمة في أوربا وأمريكا على مجتمعنا نظرا للشرخ الأفقي العميق الحاصل بعامل الهيمنة على الدولة والسلطة واحتكارهما احتكارا مطلقا لا يسمح إلا بوجود ألوان وليس برامج ومشاريع. إنه شرخ مس جسم الأمة كله ودمر جميع قدراتها الطبيعية والمادية والبشرية. ذلك أن الغرب قد حسم اختياره المرجعي الكلي منذ قرون فتوحدت حركته على الرغم من الاختلافات الحادة لكنها داخل نفس المجال مما جعلها عوامل تفعيل وتجديد، خلاف مجتمعاتنا التي تعاني من نوع صراع حاد بعامل التعارض الجوهري بين إرادة الحكم المتحالفة مع إرادة نخبة وبين إرادة الأمة في الحرية الكاملة والاستقلال الشامل والكرامة الدائمة.

فما هي أولويات العمل للدخول إلى مجال وحدة المشروع الكلي الجامع الذي على أساسه يتم البناء؟