تقديم:

انخراطا في إحياء الذكرى الأربعينية للهزيمة المدوية للعرب أمام الدويلة الصهيونية في حرب 5 يونيو/حزيران 1967، والتي اتخذت لها مؤسّسة القدس الدوليّة شعار “القدس 40 عاما تحت الأسر.. فلنشعل قناديل صمودها”، ينظر هذا البحث في النكسة وآثارها القوية على الواقع العربي بعيد 1967-المقالة الأول-، ويرصد معالم الانتصار التي أخذت ترتسم في واقع أمتنا الإسلامية بعد مرور 40 سنة على الهزيمة-المقالة الثانية-، ويتأمل في الطريق إلى المستقبل الذي يسلكه رجال القدس ما بين تعقيدات الواقع وحسابات النصر-المقالة الثالثة-.

آثار نكسة 67 وتفريط الدولة العربية في القدس

استطاعت “إسرائيل” في يونيو 1967 أن تهزم الجيوش العربية في زمن قياسي، حيث توغلت في صحراء سيناء وهضبة الجولان والقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة في ظرف 6 أيام لذلك سمتها الدويلة الصهيونية ب”حرب الأيام الست” وأسماها الغرب ب “الحرب الخاطفة”. انهارت الحصون والثكنات وتهاوت الأقاويل والشعارات وخارت العزائم والإرادات، وشكلت الهزيمة المدوية حدثا مفصليا في مسار القضية الفلسطينية والمشروع العربي السائد آنذاك.

ولم يكن لكلمة “النكسة”، القاصرة عن وصف ما جرى، أن تحجب الآثار العسكرية والسياسية والإيديولوجية التي خلفتها الحرب، وهو ما انجلى بوضوح وتكشف بعد نفض غبار الهزيمة العسكرية على الخيار القومي ومركزية القدس في أولويات النظام السياسي العربي.

1- الدولة العربية والهزيمة العسكرية.. وداعا للوهم

خسرت الجيوش العربية، وأساسا المصرية والسورية والأردنية حرب 1967 في زمن لم يتعد 6 أيام، بل كانت لحظات المواجهة الحاسمة والضربات القاصمة محدودة حتى سمى البعض المعركة كاملة بحرب “الساعات الست”. وفعلا ففي ظرف ثلاث ساعات صبيحة يوم 5 يونيو استطاع الطيران الحربي الإسرائيلي أن ينفذ 492 غارة دمرت فيها 25 مطاراً حربياً وما لا يقل عن 85% من الطائرات وهي جاثمة على الأرض في مصر وحدها، ولم تكتف “إسرائيل” بقصف السلاح الجوي المصري بل قصفت عدة مطارات أردنية منها المفرق وعمان ودمرت 22 طائرة مقاتلة و5 طائرات نقل وطائرتي هليكوبتر. ثم قصفت المطارات السورية ومنها الدمير ودمشق، ودمرت 34 طائرة مقاتلة، كما هاجمت القاعدة الجوية هـ3 في العراق. وقدرت المصادر الإسرائيلية أنها دمرت 416 طائرة مقاتلة عربية. وقدرت خسائر إسرائيل بـ26 طائرة مقاتلة.

ويكفي أن نذكر أن عدد القتلى في صفوف الجيوش العربية تراوح بين 15 و25 ألفا مقابل 650 إلى 800 في الجيش الإسرائيلي، والجرحى قاربوا 45 ألفا في الصفوف العربية في حين لم يتعدوا 2500 جريح صهيوني، أما الأسرى فقد فاق عددهم 4000 جندي عربي في حين لم يتجاوزوا 20 أسيرا إسرائيلي.

بل إن نكسة 67 فاقت في خسارتها الجغرافية نكبة 48، حيث وصل مجموع المساحة التي احتلتها “إسرائيل” إلى 69347 كلم2 في أراضي أربع دول، وهي مساحة شاسعة تلك التي استولت عليها إسرائيل في هذه الحرب، وإذا قارناها بما استولت عليه عام 1948 وأقامت عليه “دويلتها” المستعمرة (20700 كلم2) يتضح أن هزيمة يونيو أضافت لإسرائيل ما يعادل ثلاثة أضعاف ونصف من مساحتها التي كانت عليها قبل حرب 1967.

ويرى خبراء عسكريون أن هذه المساحات الجغرافية الشاسعة حسنت من وضع إسرائيل الإستراتيجي وقدرتها على المناورة العسكرية، ومكنتها لأول مرة منذ نشأتها من الاستناد في خططها الدفاعية إلى موانع جغرافية طبيعية مثل مرتفعات الجولان ونهر الأردن وقناة السويس.

خسرت الأنظمة العربية إذن القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان، وتحطمت معنويات الجيوش العربية، وأصبحت الحرب التي أطلق عليها اسم “النكسة” هروبا من وصف الهزيمة إحدى العلامات الفارقة في التاريخ العربي الحديث.

أنهت هزيمة 5 يونيو 1967 بطرا إعلاميا ناصريا لوَّح بالقدرة العسكرية زمنا ضد العدو الصهيوني في شاشات التلفزات وأمواج الإذاعات وصفحات الجرائد، دون أن تكون له القدرة الحقيقية على الأرض والإعداد الكافي لمواجهة الجيش الإسرائيلي المعزز بدعم أمريكي غربي.

إن الحرب تتقرر على مستوى الإرادات والسياسات قبل أن تحسمها أرض المعركة، وعندما تكون الإرادات واهنة أو واهمة لا ينفع معها النفخ في رماد الخطب النارية والشعارات الحماسية. وقد صدق من قال: “لا فائدة من أى قوة مسلحة لا تعززها إرادة سياسية، بدون الإرادة السياسية تتحول القوة إلى مخزن سلاح”.

2- الدولة العربية والسقوط الإيديولوجي.. وداعا للقومية

لم تكن هزيمة 5 يونيو 1967 هزيمة عسكرية فحسب بل كانت اندحارا إيديولوجيا ونكسة للقومية التي خيضت الحرب تحت لوائها. فقد كان من نتائج الهزيمة أن سقطت الإيديولوجية القومية، التي ألغت الدين من حساباتها بل حاربته وأهله، سقوطا مدويا أدى إلى نكوص الخطاب القومي والناصري والاشتراكي وتراجعه وانحساره.

ورغم دخول القوات العربية بعد 1967 في ما سمي بحرب استنزاف وصولا إلى ما سمي أيضا نصر 1973 ورغم التشبث بالرئيس جمال عبد الناصر الذي قاد معركة الهزيمة، فإن الإيديولوجية القومية أصيبت في مقتل وانهزمت استراتيجيا حين أفاقت الشعوب على حقيقتها. وأصيبت الأمة بصدمة قوية في حجم الضعف والهوان الذي ميز قادتها السياسيين والعسكريين، والطريقة المذلة والزمن القياسي الذي انهزم فيه العرب.

وشاعت حالة فكرية وسياسية وشرعية تبحث عن الأسس السليمة التي ينبغي على الأمة أن تبني عليها من جديد نظرتها وحركتها وتدافعها. فكان أن تجّذرت الصحوة الإسلامية واتسعت لتعم ربوع الوطن العربي ولتمزجه بفطرته وترده إلى أصله وتذكره بحقيقة المعركة وتعيد ترتيب مفاهيم الصراع وموازين القوى على الساحة الإقليمية والدولية.

وفعلا قد تكون الهزيمة الآنية منطلقا للنصر المستقبلي، إذ أن هزيمة 5 يونيو دفعت الأمة وقواها الحية إلى إعادة التأسيس الشرعي والسياسي للقضية وفق تفكير استراتيجي مبني على حقائق الدين والسنن الكونية وبناء على خطوات آنية انطلقت معها المقاومة الإسلامية والوطنية الشريفة في الشعوب.

وما كان لزعماء قوميين يزايدون على شعوبهم ويغالطون الحقيقة إلا أن يهزموا، فقد قالوا “إنّنا لم نكسب ولم نخسر المعركة” لأن هدف العدوّ كان هو إسقاط الأنظمة القومية الثورية، وليس احتلال الأرض، فإذا بقي النظام القومي العربي ولم يسقط فهذا يعني أن العدوّ الصهيوني قد فشل وارتد مدحوراً مهزوما!!.

وما كان لقيادات وطلائع أمة العرب، التي أعزها الله بالإسلام، أن تتجنب الهزيمة وشعارها المدوي:

لا تسل عن ملّتي عن مذهبي * * * * * أنا بعثيّ اشتراكي عربي

وعقيدتها الفاسدة تجاهر:

آمنت بالبعث رباً لا شريك له * * * * * وبالعروبة ديناً ماله ثاني.

وعبقريتها الفلسفية والفكرية التي نبذت “الرجعية” حين عانقت “التقدمية” تقول، وبئس ما قالت، في مجلّة “جيش الشعب” السورية: “والطريق الوحيدة لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هي خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد، الذي يؤمن أنّ الله والأديان والإقطاع والرأسمالية والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمىً محنّطة في متاحف التاريخ”.

وما كان لأمّة أن تنتصر وأصاغرها يجترئون على أكابرها ويحقرونهم ويسجنوهم ويعذبوهم في السجون الناصرية وفي تطاول على الذات الإلهية لا يجلب معه إلا النقمة والخسارة، وزعيم الهزيمة العبد الخاسر يعدم في غشت 1962 الرجل الجليل الشهيد سيد قطب صاحب الظلال رحمه الله غير مبال بفضل الرجل ومكانته ووساطات العلماء والزعماء.

إننا لا نغالي إذا قلنا أن النكسة كانت خيرا للأمة، لأن النصر الذي يتم تحت راية عمية وعصبية جاهلية وزعماء مفارقين لدين الشعوب وأمة واقعة تحت سكر الإيديولوجية المزيفة، خير منه هزيمة توقظ الأمة على حقيقتها وتنبه طلائعها إلى مرجعيتها وتدفع الجميع نحو الإعداد للنصر الحقيق.

انهزمت الجيوش العربية ومن ورائها اندحرت القومية العربية، وقالت الأمة وداعا للقومية التي حرَّفت الفطرة وخاصمت الدين وجلبت الهزيمة، وحتى الأنظمة الحاكمة قالت، استراتيجيا، وداعا للقومية إذ لم تلبث أن تحولت عن الوحدة العربية والسوق الاقتصادية المشتركة والهم القومي الواحد إلى دينها الجديد المصلحية والبرغماتية والواقعية السياسية.

وإذا كانت القومية اليوم محترمة في شخص بعض المؤتمرات والمنتديات، فلأن حاملها ومنهجها اليوم يخالف الذي كان عليه أمس. فاليوم يحملها شرفاء وطنيون ممانعون يصطفون، مع باقي الأصلاء،

إلى جانب الأمة دفاعا عنها وعن مقدراتها. واليوم منهجها-القومية- اللائكي القح المعادي لدين الأمة توارى أمام احترام الجميع للإسلام عقيدة الأمة الأصيلة ودينها القويم.

3- الدولة العربية والأجندة القطرية.. وداعا للقدس

الهزيمة الثالثة للنظام السياسي العربي في يونيو 1967 تجلت في تحوله عن الهم المشترك وانكفائه إلى المصالح الوطنية والأجندة القطرية، وهو ما استتبعه تصدير القضية الفلسطينية إلى “أصحابها الأصليين” فلسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، وهو ما تجلى في التفريط الواضح للدول العربية في القدس الشريف وقبولها بأقل التسويات وأبخس الرهانات.

فبعد أن كانت مطالب النظم العربية هي التحرير الكامل للأرض الفلسطينية من النهر إلى البحر، أصبحت أقصى المطالب دولة فلسطينية على حدود 1967.

وبعد أن كانت مواقف جامعة الدول العربية تصدِّرها بلاءاتها الثلاث، كما في مؤتمر الخرطوم في غشت 1967 لا صلح.. لا اعتراف.. لا مفاوضات، صارت تذيِّلها ب”نعماتها” الثلاث كما في قمة الرياض 2006 نعم للصلح.. نعم للاعتراف.. نعم للمفاوضات.

وبعد أن كان القاموس العربي مشحونا بألفاظ المفاصلة والمقاطعة مع العدو والمحتل والصهيوني، أصبح مليئا بنغمات الدولة الصديقة والسلام والتطبيع والتفاوض.

وبعد أن كان العرب يُفعِّلون بعض الأوراق الضاغطة كما في معركة حظر البترول عام 1973، خصخصوا كل الثروات والخيرات لصالح الشركات الغازية والدول الاستعمارية.

وبعد أن كانت القدس، بل وكل فلسطين، خطا أحمر لا يمكن التفريط فيها ومن أجله دخلت قوات خمس دول عربية (وهي مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق) فلسطين لمنع نكبة قيام “الدولة العبرية” على أرض فلسطين، لم تعد كذلك وأصبح القبول فقط بالقدس الغربية واردا بل أمنية.

ورمت الدول العربية بالقدس وفلسطين وراء ظهرها، ويممت وجهها نحو المصالح الخاصة، للحكام لا للمحكومين، حتى وإن كانت عبر طريق التطبيع مع العدو الصهيوني وعقد اتفاقات وإبرام صفقات.

ولم يجد وزير الخارجية الأميركي آنذاك “هنري كيسنجر” صعوبة كبيرة في إقناع “أنور السادات” بتحويل “التسوية” إلى عملية سياسية تجرى على مسارات منفصلة وليس إلى مفاوضات جماعية تستهدف التوصل إلى حل شامل ونهائي من خلال مؤتمر دولي ووفد عربي موحد، كما كانت تطالب سورية.

ورغم أن كل الدول شجبت هرولة السادات نحو الصهاينة في كامب ديفد في 17 سبتمبر 1978، وجمدت عضوية مصر في الجامعة العربية وتم تحويل المقر إلى تونس، فإنها لم تلبث أن التحقت بالركب، علنا وخفية، فرادى تُساق كالقطيع إلى المسلخة. وعلى حد تعبير أحمد مطر “لم يرجع الثور ولكن ذهبت وراءه الحظيرة”.

وبقيت فلسطين حاضرة رسميا في الشعارات والأغاني والكلمات والخطب والبلاغات الرسمية في أحسن الأحوال، حفظا لماء الوجه ودبلوماسية يقتضيها الوضع الراهن. وأصبحت ملفا ثقيلا عند البعض تخلص منه ورمى به في وجه أصحاب الأرض أو ما يسمى بدول الطوق، وصارت عند آخرين ورقة للابتزاز السياسي الداخلي وكسب النقاط في الرصيد الإقليمي وجلب المصالح على المستوى الخارجي. أما عمليا فقد أعلنت الدول العربية رسميا في مؤتمرات الجامعة، وخاصة في قمة فاس الثانية سنة 1982، أن القدس قد انتهت من حسابات الصراع الوجودي العربي وأن الموجود الذي تقدمه “إسرائيل” أفضل من المفقود الذي يعد به “المثاليون”.

نعم قالت الأنظمة الحاكمة، خلافا لمطلب شعوبها، وداعا للقدس ودفعت “القضية المركزية” في سلم أولوياتها لصالح أجندتها القطرية ومصالحها الخاصة. لتحتضن الشعوب وقوا