احتضنت مانهاست، بضواحي نيويورك، يومي 18 و19 يونيو 2007 جولة من المفاوضات بين المغرب والبوليساريو تحت إشراف بيتر فان والسوم مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك تنفيذا لقرار مجلس الأمن 1754 الصادر في 30 أبريل 2007 والذي دعا أطراف النزاع إلى مفاوضات مباشرة وغير مشروطة للوصول إلى حل سياسي نهائي متوافق حوله لأقدم نزاع في القارة الإفريقية، نزاع طال أمده لأكثر من 32 سنة وأنهك أطرافه وألقى بظلاله على المسار الوحدوي للمغرب العربي، وفشلت كل الجهود التي بذلت لإنهائه وعلى رأسها جهود خمسة أمناء عامين للأمم المتحدة (فالدهايم، بيريز ديكويار، بطرس غالي، كوفي أنان، بان كي مون) وسيعقب هذه الجولة، طبعا، تقرير يرفعه الأمين العام للأمم المتحدة لمجلس الأمن حول التقدم الحاصل في هذه المفاوضات في غضون 30 من الشهر الجاري.

فهل تكون هذه المفاوضات الخطوة الأخيرة لفك طلاسم صراع طال عمره واتسعت رقعة انعكاساته السلبية لتتجاوز أطرافه إلى دول الجوار فعاقت وحدتها وأمنها واستقرارها ونماءها؟

الملاحظ أن هذه المفاوضات تحظى باهتمام بالغ حيث تشهد حضور طرفي النزاع على طاولة واحدة من خلال وفدين يضمان مسؤولين رفيعي المستوى، وهذا لم يتحقق منذ سبع سنوات، أي منذ لقاء برلين سنة 2000، كما تشهد حضور الجزائر وموريتانيا ودول مجموعة أصدقاء الصحراء ( الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، روسيا) وتغيبت إسبانيا نزولا عند رغبة طرفي النزاع بسبب حساسية موقفها ووضعها تجاههما، كما لوحظ استباق المفاوضات بتصريحات لممثلي المغرب والبوليساريو أبدى فيها كل طرف صدق إرادته وعبر عن حسن نيته وأعلن استعداده ورغبته في إنجاح هذه المفاوضات. ومن هنا مصدر الاهتمام ومبعث التفاؤل.

ولكن بالموازاة مع تلك التصريحات تمسك كل طرف بمقترحاته التي تقدم بها إلى الأمم المتحدة في 10 أبريل الماضي والمناقضة لمقترحات الطرف الآخر، وبتأويله الخاص لنص القرار 1754 وهذا ما جعل التفاؤل السابق مشوبا بالحذر والتوجس والتحفظ على مصير وجدوى التفاوض طالما أن المنطلقات والمآلات متباعدة، إن لم نقل متناقضة. كما أن هذا النوع من التصريحات يفتح باب التساؤل حول سبب رضى الطرفين بالدخول في مفاوضات مباشرة على طاولة واحدة وعلى أرضية مقترحات متباعدة. أهو المناورة السياسية والحرص على كسب تعاطف المنتظم الدولي؟ أم اقتناع ذاتي بأن لا حل إلا الجلوس على مائدة التفاوض لإزالة هذا الجبل من الجليد المتراكم على مر عقود من الزمن؟ أم هو استجابة للضغط الدولي الذي يشعر بمسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه هذا النزاع؟ أم هو الرغبة في طي صفحة أليمة لنزاع عمر طويلا وأثبتت كل مراحله أنه لن ينتهي بصيغة غالب ومغلوب؟

المغرب، من جهته، استبق جلسة المفاوضات فأعلن ابتهاجه بالقرار 1754 الذي نوه بمقترحه ” المبادرة المغربية للتفاوض بشأن الحكم الذاتي لجهة الصحراء” والداعي إلى منح منطقة الصحراء حكما ذاتيا في ظل السيادة المغربية ومشيرا إلى أن مقترحه يشكل قاعدة صلبة للتفاوض، ومبديا استعداده لإجراء استفتاء شعبي حولها، ومؤكدا أنها مبادرة تتماشى مع المعايير الدولية في أنظمة الحكم الذاتي، وأنها ليست صيغة نهائية ولا منغلقة.

أما البوليساريو فتمسك، هو الآخر، بمقترحه الداعي إلى استفتاء يمنح للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير سواء بالانضمام إلى المغرب أو الاستقلال عنه أو قبول حكم ذاتي في إطار السيادة المغربية.

كل ذلك جعل تفاؤل المتتبعين ممزوجا بالحذر، وجعل التحفظ على نتيجة هذه الجولة سيد الموقف سيما أن مبدأ الأمم المتحدة في هذا النزاع بالضبط هو الوصول إلى حل متوافق عليه ومقبول من قبل كل أطراف النزاع، وعدم مناصرة طرف على آخر، أو تحميل طرف دون آخر مسؤولية فشل المفاوضات حتى لا تفقد حيادها؛ ولتضمن عدم عودة الطرفين إلى ما قبل سنة 1991 أي المواجهة المسلحة. هذا فضلا عن أن الحل لن يكون إلا برضى الدول الكبرى المتنفذة في الأمم المتحدة وصانعة القرار فيها.

في ظل هذه الأجواء، إذن، جرت الجولة الأولى وانتهت بعد يومين بالاتفاق على الأسبوع الثاني من شهر غشت القادم كموعد لجولة أخرى في نفس المكان لمواصلة التفاوض حول نفس الموضوع مع الإعلان أنه لم يتم الاتفاق على كافة القضايا. واعتبر البعض هذا مؤشر نجاح ومقدمة لتوافق قد يأتي مستقبلا؛ لكن الذي خبر مفاوضات هذا النوع من النزاعات، ومن درس ميكانيزمات هذا النزاع ( أسباب اندلاعه، أسباب استمراره، رهانات أطرافه، الظروف المحيطة به، خلفياته…) سيدرك أن الطريق إلى حل نهائي مازالت طويلة وبعيدة، أما تلك التصريحات المتفائلة فغايتها الاستهلاك السياسي والإعلامي.

الحل المفترض الوصول إليه، ومن شأنه أن يرضي أطراف النزاع لا بد أن يراعي:

أولا: إجماع وتوافق أطراف النزاع، وخاصة المغرب والجزائر والبوليساريو.

ثانيا: الوصول إلى صيغة إبداعية توفيقية تلائم بين مبدأ تقرير المصير الذي نصت عليه كل قرارات الأمم المتحدة بما فيها القرار 1754 ومبدأ السيادة المغربية الذي يعتبره المغرب خطا أحمر.

ثالثا: رضى الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسبانيا.

وهذا كله صعب التحقيق، الآن على الأقل، إن لم نقل مستحيلا، لأن الجو العام الذي تجري فيه هذه المفاوضات غير مساعد على الوصول لحل نهائي للصراع. فالمؤشرات كلها تصب في اتجاه عدم استعداد الأمم المتحدة استعمال سلطتها لمناصرة طرف على آخر، والدول الكبرى تسير في نفس الاتجاه لأن حسم الصراع في المنطقة سيزيل أكبر حاجز لبناء سوي للاتحاد المغاربي وسيفتح الباب لميلاد كتلة اقتصادية وقوة سياسية من شأنها خلخلة ميزان القوى السائد وخاصة تجاه الاتحاد الأوربي وتجاه فرنسا/ ساركوزي الذي بشر في حملته الانتخابية باتحاد متوسطي لقطع الطريق على انضمام تركيا للاتحاد الأوربي وليس من مصلحته ميلاد تكتل من هذا الحجم يمكن أن يتحالف مع تركيا بحكم الروابط التاريخية والدينية والسياسية، أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم تستسلم بعد للهيمنة الفرنسية على المنطقة وما زالت تبحث لها عن موطئ قدم ومركز نفوذ. ولذلك فهو صراع ما زالت تتداخل فيه مصالح الكبار وتتعارض وما زالوا لم يصلوا بشأنه إلى حل يرضيهم جميعا، وأسلم حل هو إبقاء الوضع على ما هو عليه والحيلولة دون تفاقمه بمنع الرجوع إلى العمل المسلح الذي تهدد به البوليساريو بين الحين والآخر وما يمكن أن ينتج على ذلك من رواج في تجارة الأسلحة ونشاط للتيارات “الجهادية”، وكذا منع الهدوء المطمئن للمغرب الذي يعلن بين الفينة والأخرى أن المغرب موجود على صحرائه بقوة الأمر الواقع.

أما الجزائر فتعيش تقلبات داخلية وصراعات بين أجنحة السلطة فيها وليس من مصلحتها إنهاء الصراع في هذا الوقت حتى لا يتأثر بذلك سلبا بعض الجنرالات الذين دعموا الحرب منذ عقود.

والمغرب كذلك معني، فأي حسم للصراع في اتجاه لا يبقي على المنطقة تحت السيادة المغربية من شأنه أن يعقد وضع النظام السياسي أكثر ويفقده مصداقية وشعبية هو أحوج إليها بحكم فشله في رهانات أخرى تنموية وحقوقية وسياسية، ولذلك سيكون الأمر ضربة قاضية له لأنه رهن مستقبله وحنكته ورفاه المغاربة بكسب هذا الصراع وضم هذه المنطقة الغنية بالثروات، وعلى هذا الأساس طالب المغاربة بالتضحية لعقود كثيرة.

بناء على كل ما سبق لا أمل يرجى من مفاوضات تجري في هذه الظروف وتتحكم فيها هذه الإكراهات ومضبوطة بهذه الحسابات سوى تحريك بركة الماء الراكدة حتى لا تتعفن، وتحميل مسؤولية الفشل لطرفي النزاع عوض المنتظم الدولي، وقد كان بان كي مون صرح في لقاء لقناة الجزيرة في أبريل الماضي باستبعاد الوصول إلى حل في المستقبل القريب وهذا ما يشم كذلك من تصريحات ميشيل مونتا المتحدثة باسم الأمم المتحدة حين قالت “أظن أننا في بداية عملية طويل.”وكذلك حين قالت “وكما ترون فإنها لن تكون عملية سهلة.”. أما التصريحات المتفائلة التي أعقبت نهاية الجولة الأولى فسببها بالأساس أن المفاوضات لم تدخل مرحلة النقاط الخلافية حيث اقتصرت هذه الجولة على عرض كل طرف لوجهة نظره، وإبداء استعداد لمناقشتها بدون تحفظ.

إن حل هذا النزاع يفوق إرادة أطرافه ورغباتهم وإمكانياتهم، وآليات حسمه ليست في متناولهم، وهذا ما ينطبق على صراعات عديدة في مناطق مختلفة يراد لها أن تبقى بؤر توتر تخضع دولها لرغبات ومصالح الكبار. الدول المتنفذة في مجلس الأمن هي صاحبة المفتاح ولن تستخدمه حتى تستنفد أغراضها من المنطقة تشتيتا ونهبا وعزلا وإضعافا. ووحدها الشعوب تدفع الثمن مضاعفا: مطرقة الوصاية الاستكبارية وسندان الأنظمة الاستبدادية.