يبدو أن الملاحظة التي لاحظها “بول شامبرجا”عن الانتخابات بالمغرب، منذ ما يزيد عن أربعين سنة، لم تتغير بعد، فوزارة الداخلية هي التي تشرف على الانتخابات من بدايتها إلى نهايتها، وهي التي تهيمن حاليا هيمنة كاملة على إدارة انتخابات 2007، والذي تغير هو أحزاب المعارضة السابقة، التي يبدو أنها تخلت إلى غير رجعة عن مطلب النزاهة، إلى درجة أصبحت معها وزارة الداخلية لا تحتاج إلى غطاء لإخفاء هيمنتها، كما حدث سنة 1984 بتشكيل حكومة وطنية بمشاركة زعماء الأحزاب للإشراف على الانتخابات ، وسنتي 1993 و1997 بتشكيل لجنة وطنية ولجان إقليمية لمتابعة الانتخابات. بكل تأكيد لم تكن تلك الأشكال الديمقراطية في ظاهرها إلا غطاء يخفي الهيمنة الكاملة لوزارة الداخلية على الانتخابات، وقد تحدثت أحزاب المعارضة آنذاك بما يكفي عن تلك الحقيقة، أما اليوم فهناك هيمنة واضحة للداخلية شكلا ومضمونا، وهناك قبول بالهيمنة من قبل الأطراف المشاركة في اللعبة الانتخابية. و حتى لا يبقى الكلام على عواهنه هذه بعض صور الهيمنة الحالية:

– وزارة الداخلية هي التي أعدت تعديلات القانون الانتخابي وجندت أحزاب الأغلبية الحكومية للدفاع عن تلك التعديلات، رغم أن منها ما كانت تعارضه تلك الأحزاب سابقا، فهو نفس سيناريو 2002 فيما يخص نمط الاقتراع يتكرر، إذ سرعان ما تحولت أحزاب الأغلبية إلى الدفاع عن نمط اقتراع غير ذلك النمط الذي صوتت عليه قواعدها في مؤتمراتها.

– وزارة الداخلية، وهي التي ينبغي أن تلتزم الحياد، أنجزت استطلاعا للرأي وسربته إلى وسائل الإعلام لصناعة توجه عام، وكانت أهم الرسائل التي بعثت بها محاولة الفصل بين عدم الثقة في الأحزاب والمشاركة في الانتخابات، فرغم أن نسبة الثقة في الأحزاب لا تتجاوز 2 في المائة، فإن نسبة الذين اتخذوا موقف المشاركة في الانتخابات  حسب وزارة الداخلية- بلغت61 في المائة، إنها محاولة استباقية لاحتواء ظاهرة العزوف المنتظرة في انتخابات 2007، وكأن لسان حال الداخلية يقول: “أيها المواطنون لا تجعلوا عدم ثقتكم في الأحزاب سببا لعدم المشاركة في الانتخابات”. قد يكون من حق وزارة الداخلية إجراء استطلاعات خاصة بها تفرضها عليها المهام الإدارية والأمنية المنوطة بها، لكن أن تتدخل في الشأن السياسي وتبعث برسائل سياسية من موقع شبه المحتكر لاستطلاعات الرأي – إذ لا توجد عندنا في المغرب مراكز مستقلة ومتخصصة في ذلك- فهذا ما لا ينبغي قبوله، وإذا كان صمت أحزاب الأغلبية مفهوما لأن الاستطلاع بشر باستمرارها في الحكومة، فإنه من غير المستساغ صمت باقي الأحزاب.

– عملية التسجيل في اللوائح الانتخابية عرفت هيمنة واضحة لوزارة الداخلية، فمن جهة أولى هي التي قامت بمختلف أشكال التعبئة، في مقابل عمل تعبوي جد ضعيف لبعض الأحزاب والجمعيات، ومن جهة ثانية ظلت هي المتحكمة في أرقام المسجلين في ظل غياب أي رقابة مدنية وسياسية، واستعملت نوعا من “الديماغوجية” في عرضها لتلك الأرقام، إذ ظل ممثلوها في وسائل الإعلام يهربون إلى المقارنة بين الأرقام الحالية وأرقام التسجيل في الانتخابات السابقة، عوض مقارنة عدد المسجلين بعدد من بلغوا سن التصويت، وبالإضافة إلى ذلك تولت وزارة الداخلية بنفسها الرد على كل من ندد ببعض الخروقات التي شابت عملية التسجيل، حتى وإن كان المندد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ليسود بعد ذلك إجماع سكوتي حول وزارة الداخلية، ويغيب أي نقاش جدي بخصوص هذه العملية التي تعد من أهم العمليات الانتخابية.

– تحدثت بعض وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة عن إعداد وزارة الداخلية لقائمة من الممنوعين من الترشيح، وفي هذا، إن صح، خرق واضح للقانون، لأن مدونة الانتخابات حددت موانع الترشيح، وكل من لا تتوفر فيه تلك الموانع من حقه ترشيح نفسه، ولا يحق لوزارة الداخلية، بأي حال من الأحوال، أن تمنع أحدا بمبرر أنه يشتغل بالتهريب أو يتاجر في المخدرات أو غير ذلك من المبررات ما لم يثبت ذلك قضائيا. ولا ندري من المستفيد من هذه الوضعية الشاذة فمن جهة أولى لا يتابع “مجرمون”- حسب وزارة الداخلية- قضائيا، ومن جهة أخرى يمنع مواطنون تتوفر فيهم الشروط المنصوص عليها في مدونة الانتخابات من الترشيح رغم قوة القانون.

– وزارة الداخلية تحاول هذه الأيام منع حزبين اثنين؛ حزب الأمة والحزب الوطني الديمقراطي، رغم احترامهما للمسطرة القانونية المنصوص عليها، حسب ما صرح به كل من محمد المرواني وأحمد فطري، وقد يكون سبب ذلك المنع انتهاء وزارة الداخلية من رسم الخريطة السياسية المقبلة، وتشويش هذين الحزبين “الطارئين” على ما هو مرسوم سلفا.

لم تتغير ملاحظة “شامبرجا” إذن، وكان بالإمكان أن لا يثير إشراف وزارة الداخلية أي اعتراض لو توفرت بعض الشروط كالاستقلالية والحياد والاحترافية في وزارة الداخلية، والقوة الاقتراحية والمعارضة الشجاعة والدفاع المستميت عن النزاهة في الأطراف السياسية المعنية بالعملية الانتخابية. وهي كلها شروط شبه غائبة في المشهد السياسي المغربي، فوزارة الداخلية، وبتعبير رقية مصدق، عبارة عن “حارس أمين”، يحرس ما يخطط له الماسكون بزمام الحكم، وإن كان ذلك على حساب آلام المغاربة وآمالهم، وجل الأطراف السياسية المعنية بالانتخابات أصبح همها الأول والأخير تأمين مناصبها في البرلمان والحكومة، وإن كان ذلك على حساب نزاهة الانتخابات ومصداقية المؤسسات، لتتحول بفعل ذلك إلى تابع لوزارة الداخلية، ضاربة عرض الحائط بمطالبها السابقة، ألم تطالب أحزاب الكتلة مثلا في مذكرتها سنة 1996 بإحداث مؤسسة دستورية يعهد إليها الإشراف على الانتخابات، ثم شاركت سنة2002، دون اعتراض، في انتخابات بإشراف وزارة الداخلية، ونفس الأمر يتكرر في انتخابات 2007، وخاطئ من يحاول إيهامنا بأن هذه الانتخابات تتم بإشراف الحكومة، لأن هذه الأخيرة اختزلت دورها في مباركة ما تقترحه وزارة الداخلية. وتلاوة وزير الاتصال لبلاغات حكومية باردة بخصوص الانتخابات لا يغير من تلك الملاحظة التي تؤكد شكلية الانتخابات في النسق السياسي والدستوري المغربي، لتبقى وزارة الداخلية، وحسب الخصوصية المغربية دائما، مدربا وحكما ولاعبا أساسيا واحتياطيا في اللعبة الانتخابية. ولاشك ستتأكد الهيمنة بشكل أوضح في الأيام المقبلة، ومن يدرينا لعل الوزير الأول، وعلى غرار ما حدث سنة 2002، يكون هو شكيب بنموسى أو فؤاد عالي الهمة.