أولا: توطئة:

بعد سنة من السنوات العجاف من تاريخ المخزن الطويل الجاثم على صدر المغاربة، وبعد عام من أعوام العطاء من تاريخ جماعة العدل والإحسان، ولو على قصره زمنيا، تتجسد الصورة على تمام الوضوح وكمال النموذجية في تصوير واقع التدافع بين إرادة العطاء وإرادة المنع؛ عطاء لأجل البناء الشامل والتحرر الكامل، ومنع كلي على طريقة مقيتة ساقطة عفّى عليها الزمن ولم يتخلص منها المغاربة لحد الآن للأسف الشديد!!!

أعلنت جماعة العدل والإحسان عن تنظيم ندوة صحفية، بمناسبة مرور سنة كاملة على حملة قمعية استهدفت عمقها الشعبي ووزنها السياسي الدعوي، لبيان حقيقة ما تتعرض له من قمع شامل لجأ فيه النظام/الدولة إلى أبشع أنواع القمع المادي والمعنوي، وكان مكان الندوة مقر مؤسسة مجتمعية تتكون من العارفين بالقانون والمدافعين عنه؛ هي نادي المحامين بالرباط.

فمن المفترض لو كانت هناك ثغرة في المسطرة القانونية لتنظيم الندوة لكان أعضاء النادي أعلم بها، لكن لما لم تكن هذه الثغرة كان منطق المخزن، فمنع الجميع من ولوج المكان وحلت أجهزته وبلّغت، شفاهيا، الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم الجماعة بالمنع الرسمي، لما تساءل عن سبب المنع ساعة حضوره عين المكان رفقة الأستاذ عمر أمكاسو عضو مجلس الإرشاد.

كان جواب الأستاذ فتح الله أرسلان: جئنا لندلي بحججنا على أن هناك من يريد أن يلبسنا اللباس الذي يريد ويلفق التهم كما يشاء ويتكلم باسمنا ويصورنا كيف يشاء لغرض التشويه والقمع، لكن ها قد رأيتم الواقع والدليل الواقعي: إننا ممنوعون من الكلام، ممنوعون من أن نبلغ صوتنا للناس ويعرفوننا من خلال ما نقول لا ما يريد أن يقول عنا غيرنا.

غريب: طرف يريد أن يتكلم فقط، وفق القانون الجاري به العمل، وطرف لا يطيق حتى أن يسمع مجرد كلام لن يستغرق أكثر من ساعة فيجند أجهزته ويرعب الناس ويعنف عليهم ويطردهم وكأنهم دخلوا حديقة من حدائقه خلسة.

منعت الندوة إذن، ولم تحترم الدولة/النظام حضور الصحفيين وبعض المواطنين، وطردت الجميع، فماذا يمكن أن نستفيد؟

ثانيا: من دروس المنع.

ليس غريبا أن تعلمنا السنوات العجاف في مغربنا الحبيب دروس المنع عوض دروس العطاء والبذل والتضحية، وأن تعلمنا، كذلك، أن من لم يأذن له المخزن بالكلام لن يتكلم:

1-عند الأمم المتحضرة لا يجتمع منطق القانون وعدم احترامه، أما في مغربنا الحبيب فقد جمع المخزن، فرضا، أن يعيش المجتمع المغربي، قهرا، أصعب صور التناقض: القانون وعدم احترامه. إنها مدرسة جديدة في تدبير الشأن العام تستحق أن تدرس بعناية في تاريخ البشرية وعلاقتها بالأنظمة السياسية الاستبدادية!!!!

فالدولة/النظام واضعة القانون أول من يخرقه على أبشع صور الخرق ولو أدى إلى واقع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

2-في الأمم الغابرة جرت العادة أن يكون المانعون أجلافا خشنين غلاظا شدادا لا تعرف منهم لحظة ليونة أو طيبوبة، ولو مصطنعة، أما عندنا، أي في مغربنا الحبيب اليوم، فالمانعون أنيقون ملبسا، مهذبون هنداما، منسقون ألوانا، يحملون بين أيديهم تكنلوجيا العصر، لكنهم يملكون الجرأة أن يسوقوا المواطنين، من صحفيين وحضور هو نخبة من أطر الوطن الحبيب، كما يساق قطعان البقر في الهوليود الأمريكي.

يخجل المرء لما يرى رجال الأمن يدفعون بعنف ثلة من خيرة أبناء الوطن مسافة دون استحياء، ويحرصون على أن لا يقوم الصحفيون بالتغطية الكاملة والهادئة للحدث!!!!

اقتربت من أحدهم قائلا: إنكم تدفعون بشرا وليس بقرا، ولو أن للبقر حرمته وكرامته، فأجاب المسيكن مبتسما: إنها التعليمات…..

3-كنا نمشي، وأجهزة المخزن تدفعنا دفعا، فانتابتني حالة من التأمل في مشهد صغير الحجم لكنه كبير الدلالة، فقلت في نفسي: ليس من حقنا نحن المغاربة أن نحلم بالحرية إلا أن يرحل عنا المخزن واستبداده، أو نتحول جميعا، ودون استثناء، إلى “مخازنية” فلا يدفع بعضنا بعضا ولا يمنع بعضنا بعضا ولا يتآمر بعضنا على بعض، فتساءلت بحق: هل المخزن و”المخازنية” أحرار حقا؟!!!! والحقيقة أنهم ليسوا أحرارا، فلم يبق إلا أن الحرية لن تكون إلا برحيل المخزن و”المخازنية” عنا. ولا يخفى كرم الشعب المغربي عن أحد، فلن يكون رأيه إلا قوله: ارحلوا عنا وخذوا أموالكم المنهوبة من أموالنا والمحصلة بعرق جبيننا وسرقة خيراتنا، واذهبوا “سالمين” “غانمين”، كما تتصورون السلامة والغنيمة، إلى أي مكان شئتم، فلن نكون منكم منتقمين، ارحلوا، فقط وفقط، نريد حريتنا وكرامتنا كاملة غير منقوصة واتركونا ندبر شؤوننا كما نشاء أحرارا!!!!

4-لقد أتعبت نفسي في أن أجد مبررا لواقع التناقض في عدم احترام القانون وحقوق الإنسان في بلدنا الحبيب:

أ-هل الشعب المغربي، كما يقول البعض، لم يصل بعد إلى درجة من الوعي والتطور، يستحق أن يمنح -يمنح فقط- جميع حقوقه، إذ قد يُحول ذلك إلى نوع امتيازات يتعدى بها على حقوق الآخرين؟

ب-هل كلمات، بين أربعة جدران، كانت ستحدث أمرا خطيرا في الوطن، ومن ثمة تقتضي مصلحة الوطن العليا- الوطن الذي لم يضع هذا القانون ولم يسطر تلك الحقوق- أن يمنع الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، أكبر تنظيم سياسي في المغرب، من الكلام ولو سويعة لا تقارن زمنيا، بالسنوات العجاف، بل القرون، التي استغرقها المخزن جاثما على صدر المغاربة؟

بعد التأمل: تبين أن منطق المخزن لا يؤمن بشيء اسمه الإنسان، لذلك فالذين وضعوا القانون، ومنحوا الحقوق، هم واعون بأنهم ينظرون لشيء آخر غير الإنسان. فكان الأمر طبيعيا لما أراد أن يتكلم إنسان عن الإنسان منع ببساطة وعنف دون أدنى عقدة أو خوف من تهمة عدم احترام القانون.

وعليه فلم يبق بين المغاربة جميعا إلا أن يختاروا بين خيارين، ولكل خيار ثمنه المعلوم:

-المخزن و”المخزنة”.

-الإنسان والإنسانية. ولعله مما علمنا التاريخ أن طريق العيش الإنساني لها ثمن العطاء والتضحية والبذل. أما طريق المخزن فما هي إلا منع أو أخذ….

ثالثا: من دروس العطاء.

لبناء الإنسان والوطن ثمن معلوم نعم، وطريق لاحب ولاشك.

جرب المخزن كل أساليب الترويض والتدجين والقمع المادي والنفسي مع جماعة العدل والإحسان، وبقيت المستعصي على الابتلاع أو الاحتواء، لم يفلح أن يحولها إلى مخزن وآلة “للمحزنة”، كما فعل مع جل معارضيه، وبقيت وفية لروحها الإنسانية وقيمها العظيمة في البذل والعطاء والصفاء والنقاء.

في كل جولة أو صولة مخزنية مع الجماعة يخرج المخزن خاوي الوفاض، وتخرج الجماعة مرفوعة الرأس عالية الهمة، والسبب ببساطة التحليل: إن هناك فرقا كبيرا بين من يريد المنع ومن يريد، طوعا، العطاء:

1-فمن يعطي طوعا وسخاء في سبيل وطنه وأمته ويرجو عطاء ربه، ليس كمن يمنع خوفا على كرسي أو مال أو جاه، هو يعلم، قبل غيره، أنه اغتصبه أو سرقه أو منح له زورا. فعطاء المتطوع بحوافز عالية لن يكون كمنع المانع الخائف أبدا. وعطاء جماعة العدل والإحسان لن ينقطع مهما كان عنف المانعين، لأن عطاء الرفق والرحمة لايقهره منع الخائف وعنفه العابر. وتظهر ثمرة العطاء ممتدة في الزمان في حين ينفضح وينكشف عنف المانع لأول وهلة؛ فيعرف الناس جمال المعطي وبؤس المانع. ولم تجتمع الصفتان إلا في الواحد القهار، فهو المعطي المانع سبحانه. فمادام المخزن قد طبع على المنع فلن يكون معطيا، ولما جبلت الجماعة على العطاء الواجب عليها، فلن تكون مانعة أبدا.

2-ساعة المنع والدفع كنت أتأمل وجوه “المخازنية” أدوات المنع المخزني بالتعليمات مرة، ومرة وجوه أهل العطاء طوعا. فظهر لي أن الأولين في حرج شديد وضيق مريع، ولكنها التعليمات. مساكين!. ويظهر لي على وجوه أهل العطاء معاني الرجولة والشهامة والإحسان. ولاشك أن من يعيش الحرج والضيق ليس في وضعية أفضل من وضع من يعمل تطوعا في سبيل أمته ووطنه ودينه. وتساءلت ألم يبق في المغرب إلا أهل العدل والإحسان صامدين صابرين أمام آلة المخزن المدجنة والمروضة رافعين مطالب العدل والحرية والكرامة لشعب مسخه المخزن ودجّنه ويبيعه اليوم بالجملة والتقسيط في سوق النخاسة العالمي؟

فما دام أهل العدل والإحسان تحت قيادة إحسانية فهم في دائرة الحفظ الإلهي يتنعمون وعلى أرض الله يجاهدون بالمنهاج النبوي رفقا ورحمة وتؤدة، والمخزن إلى زوال طال الزمن أم قصر.

و إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم