بعد أسبوع من المواجهة المسلحة، تمكنت حركة حماس يوم الجمعة 15/06/2006 م من بسط سيطرتها على مجمل المقرات الأمنية والسياسية التي كانت بمثابة ثكنات تتمترس بها الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس الفلسطيني.

يأتي ذلك متزامنا مع إصدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس ثلاث مراسيم لإقالة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية وإعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة إنفاذ طوارئ، تلاه موقف رافض من طرف حماس ومتشبث بحكومة الوحدة الفلسطينية الممثلة لحوالي 96 في المائة من الشعب الفلسطيني.

ترى إلى أي حد يخدم قرار عباس الأخير القضية الفلسطينية؟ وما هي انعكاساته المستقبلية على مجمل أراضي السلطة؟ ومن هي الأطراف الدافعة باتجاه تنحية حماس عن الحكومة؟

1) بعد لقاء سريع مع ما تبقى من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يوم 14/06/2007 م، طلع علينا ممثل الرئاسة الطيب عبد الرحيم “يزف البشرى” التي طالما انتظرها حكام تل أبيب والبيت الأبيض وحكام الهزيمة العرب بعد إعداد وتهييئ محكم منذ 18 شهرا هو عمر أول مشاركة سياسية قوية لحركة إسلامية فلسطينية فتية، أفرزتها انتخابات ديمقراطية شهد العدو قبل الصديق بنزاهتها.

شواهد التاريخ تقول أن حركة حماس جدت واجتهدت عقب نجاحها في تلك الانتخابات لإشراك أكبر قدر ممكن من الفصائل الفلسطينية في التشكيلة الحكومية، مقابل رفض مطلق لحركة فتح التي لم تستسغ الهزيمة واعتبرتها مسا بكبريائها وهذا ما عبر عنه محمد دحلان بالزلزال السياسي الذي مني به الشعب الفلسطيني جراء فشل حركة (فتح) في الانتخابات، وهو يدعو لانعقاد المجلس الثوري واللجنة المركزية لتدارس هزيمة حركته.

و قبل حوالي شهرين أثمر لقاء مكة المكرمة بإشراف الملك السعودي عن ولادة حكومة الوحدة الوطنية على أساس وثيقة الوفاق الوطني بعد أن تدارك عباس تسرعه في إعلان انتخابات جديدة، في خطوة كان المأمول منها: رفع الحصار وتقديم المساعدات والاعتراف بحكومة الوحدة.

2) هذا ظاهر الأمر أما في الخفاء فقد كانت معاول الهدم تنشط على أكثر من صعيد فقد ذكرت صحيفة “يونجا فيلت” الألمانية أن التيار الأمريكي الإسرائيلي داخل فتح لم ينجح رغم كل الدعم السخي المقدم له في كسر شوكة حماس جيدة التنظيم والتسليح عبر القتال المباشر. وقالت إن هذا الفشل دفع سي.آي.أي لاستدعاء خبرتها السابقة في جمهورية السلفادور وتوجيهها الدمى الفتحاوية التي تحركها لتشكيل فرق موت لاغتيال قادة وكوادر حماس. وتحدثت عن وجود خيوط كثيرة تربط بين هذه الفرق والحرس الرئاسي الذي يشرف عليه محمد دحلان. ( 1)

من جهة أخرى فقد رصدت مجلة “الأهرام العربي” القاهرية، من قطاع غزة والضفة الغربية، آراء كثيرين من قادة حركة “فتح”، قائلة إنهم غاضبون ويشعرون بأنّ محمد دحلان قد “خطف الحركة بموافقة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس”. وأضافت المجلة في تقرير لها بهذا الشأن، أنّ ما وصفته بتيار محمد دحلان استطاع خلال الأشهر القليلة الماضية أن “يتغلغل” داخل العديد من أطر الحركة، ليكون هو التيار السائد وسط “غفلة” من الأطر والقيادات التاريخية بالحركة، وفي مقدمتهم أعضاء لجنتها المركزية وأعضاء مجلسها الثوري. فهؤلاء باتوا في مقاعد المتفرجين ولا يقدمون على التحرك والأخذ بزمام المبادرة، وهو ما نجح فيه دحلان ومجموعته، خاصة رشيد أبو شباك مدير الأمن الداخلي وسمير المشهراوي، بحسب المجلة.

وتنقل “الأهرام العربي” عن عضو باللجنة المركزية لحركة فتح قوله، مفضِّلاً عدم الكشف عن اسمه؛ “إنّ اللجنة وجدت نفسها في موقف صعب‏،‏ فهي لا تريد الدخول في صدام مع عباس والذي يغضّ النظر عن تجاوزات دحلان، كما أنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتحدث ضدّه في الوقت الذي تشتعل فيه الاشتباكات بين حماس وتيار دحلان في فتح‏”. وقد أكدت “مصادر فتحاوية”، لـ “الأهرام العربي”، أن مفتاح نجاح دحلان في الحصول علي الدعم كان من ما أشارت إليه على أنه “مصدر سياسي عربي مهم‏‏ وتربطه بالإدارة الأمريكية الجمهورية علاقة قوية للغاية”‏،‏ حيث كان صاحب الفضل في فتح “صنبور المال العربي” مجدداً على دحلان، بعدما كان قد توقف الدعم عن الوصول إلى حركة “فتح”‏.

3) إذا أضفنا لهذا التورط الأمريكي في تأجيج الصراع الفلسطيني ضعف الموقف العربي في جانب وتواطئه في جانب آخر لدرجة أن يمتنع النظام الأردني حتى عن مجرد استقبال وزير الخارجية الفلسطيني السابق الدكتور محمود الزهار، عملا بتوصيات السيدة رايس التي قسمت حكام العرب لمعتدلين ومتطرفين، مع إحكام الحصار بشتى أنواعه على غزة بالخصوص، أدركنا حجم الضغوطات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية المسلطة على حكومة الأستاذ إسماعيل هنية.

مع كل ذلك أبانت الحكومة الفلسطينية عن قدر كبير من الحكمة والتروي وهي الممنوعة من ممارسة سلطتها على الأجهزة الأمنية الفتحاوية التابعة لعباس وعلى الإعلام الفلسطيني بل حتى أعضاء المجلس التشريعي من حماس بغزة ممنوعون من المغادرة للاجتماع مع زملائهم في الضفة الغربية.

ويبدو أن القيادات المتصهينة ضاقت ذرعا بصبر حماس وصمودها فلم تجد بدا من دفع عباس لاتخاذ قرار إقالة حكومة الوحدة الوطنية في خطوة مرغت الديمقراطية الفلسطينية الفتية في وحل الديكتاتورية، ودفعت بالتالي النظام السياسي نحو الإفلاس.

4) خلص التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2006 إلى أن الأزمة الفلسطينية ولدت من خلاف متعدد المستويات بين حكومة حماس ومعسكر الرئيس الفلسطيني حول السياسات والصلاحيات، وحول الحكم والقرار، و لكنها ولدت أيضا من الرفض الإسرائيلي والأمريكي لتبلور نهج سياسي فلسطيني وطني جديد للتعامل مع القضية الوطنية.

إذا المقصود من كل هذه الحرب على حماس محليا وإقليميا ودوليا هو منع تبلور نهج جديد في التعاطي مع القضية الفلسطينية بعيدا عن النهج الاستسلامي التفاوضي المفرط بمصالح الشعب الفلسطيني وقضيته، وكلمة واحدة من حماس ترفع عنها وعن الجماهير التي اختارتها للقيادة كل هذا الذي تعانيه… طبعا كلمة الاعتراف بشرعية الإحتلال.

وللمشاهد العادي فضلا عن السياسي المتابع أن يلحظ شدة معانات الفلسطينيين بغزة أكثر من أي مكان باعتبار تجذر حماس أكثر بها، والرسالة واضحة هنا، وقد نطق بها عراب الإحتلال بفلسطين دحلان عقب فوز حماس: سنجعل الفلسطينيين يندمون على اليوم الذي انتخبوا فيه حماس.

والحق أن حماس ما فتئت تذكر أنه من الحمق والمغامرة أن يزعم فصيل مهما بلغت قوته أن يتصدى لوحده لمهمات التحرير والبناء وأن يحمل على كتفيه لوحده أوزار الماضي وكوارث الحاضر وآمال المستقبل.

5) ألا فليهنأ فريق دحلان المسترزق بقضية شعبه على موائد الأمريكان والصهاينة، وليطمئن حكامنا المًَُوصدون أبوابهم بإحكام في وجه الشعب الفلسطيني الذي طالما تاجروا بقضيته وكتموا أنفاس شعوبهم بحجة الدفاع عنها، ولترتقب أمريكا هل تلين للمجاهدين قناة وهم الذين أطربونا ولا زالوا:

نحن الذين عاهدوا محمدا….على الجهاد ما بقينا أبدا

بقي أن نذكر أنفسنا بواجب النصرة المطلوب شرعا وخلقا، وبالمناسبة أهمس في أذن من يقرأ مقالتي: ها هي فلسطين يراد لها أن تكون لقمة سائغة للعدو الصهيوني، يقامر بها المطبعون على موائد الاستسلام.

وهاهم المجاهدون يُحشرون في سجن كبير إسمه غزة، يحيط بهم العدو برا وبحرا وجوا ويهدد بقطع الماء والكهرباء عنهم في كل لحظة، بعد أن قطع عنهم أسباب العيش الأخرى.

وها هو التوجيه النبوي يعلمنا: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” ( 2)

وآخر دعوانا: اللهم احقن دماء المسلمين… آمين.

هوامش:

( 1) مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

( 2) حديث نبوي رواه أحمد ومسلم.