لا حديث في هذه الأيام للمخزن ومؤسساته وأجهزته وأحزابه وأشياعه إلا عن الاستحقاقات التشريعية المقبلة وضرورة المشاركة العريضة لكل الفئات الشعبية للإدلاء بصوتها وتحمل المسؤولية في انتخاب نواب الأمة المسؤولين غدا عن تدبير شأنها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي…

البعض منهم، ذهب إلى حد اعتبار المشاركة في هذه الانتخابات مسألة حياة أو موت لبلد على شفا حفرة من أزمة شاملة خانقة، بل سكتة قلبية محققة.

والحقيقة أنها تكون صرخة عاقل صادقة لو كانت الدار غير الدار، والشروط غير الشروط.

الحقيقة أنها تكون صرخة عاقل صادقة لو كانت المأدبة مأدبة كرام وشرفاء.

أما وأنها دعوة مكر أخرى للشعب إلى دار الإفك لمأدبة اللئام من خونة انتهازيين ووصوليين لئام فإن الأمر مختلف ويستحق منا، من باب المسؤولية والشهادة بالقسط، بعض البيان والتوضيح.

قلت بعض التوضيح لأن لعبة المخزن القذرة هته قد افتضحت وفاحت رائحتها. والشعب، ولله الحمد، وعى بما فيه الكفاية المؤامرة، وما عادت تنطلي عليه حيل ومكر وكذب ونفاق نظام عجوز أشمط مخرف. وما المشاركة الهزيلة السالفة والعزوف الحالي المهول عن التسجيل في اللوائح الانتخابية إلا دليل ساطع على كلامنا لو كان للقوم حياء أو بقي في وجوههم ماء.

عن أية مشاركة سياسية تتحدث يا مخزن؟! ولأي مشاركة انتخابية تطبلين يا أحزاب؟!

وإلى ما تدعونا بهذه القوة وهذا الإلحاح وهذا الصوت العالي المتناغم حيثما كنا وأينما تولينا؟!

أهي دعوة وصرخة صادق غيور ملتاع أم نعيق ماكر مأجور محترف؟!

نتناول في هذا العرض موضوع المشاركة الانتخابية من وجهة قانونية صرفة بعيدا عن بهرجة المخزن ودجله السياسي. وسنقاربه من خلال التطرق إلى إشكاليتين اثنتين:

ــ إشكالية الدولة باعتبارها الإطار القانوني للممارسة السياسية وما تستلزمه من سيادة، وشخصية معنوية، وموافقة للمحكومين، ووجود سلط قائمة ومستقلة وذات صلاحيات حقيقية وفعلية…

ــ إشكالية الفعل الانتخابي باعتباره مظهرا من مظاهر المشاركة السياسية، وشكلا من أشكال ممارسة الحكم.

الإشكالية الأولى تحيلنا على سؤال الهوية والإطار العام لهذه المشاركة السياسية. والإشكالية الثانية

تحيلنا على سؤال الجدوى والمصداقية هذه المشاركة.

المبحث الأول: الدولة أو الإطار القانوني للممارسة السياسية

يعرف فقهاء القانون العام الدولة على أنها المؤسسة العليا التي تتركز فيها الحياة السياسية على المستوى الداخلي والخارجي. ويعرفونها كذلك على أنها شكل لتنظيم المجتمع البشري على إقليم معين. كما يعرفونها بكونها إطار القانون الدستوري، أي تنظيم الحكم وضبط سيره وضمان استمرار يته سواء تعلق الأمر بالشعب عن طريق الاقتراع، أو نواب الأمة بالتشريع، أو الحكومة بالتنفيذ.

هذه التعريفات تؤكد كلها أن الدولة هي مؤسسة المؤسسات بل أمها. وعليه فإن الحديث عن أي شكل من أشكال ممارسة الحكم كيفما كان نوعه ومستواه في غياب إطار حقيقي لهذه الممارسة إنما هو بمثابة البناء على الرمال.

بعد هذه التعريف المقتضب لمفهوم الدولة وبيان أهميتها كإطار للممارسة السياسية نحاول إلقاء نظرة سريعة على بعض أسسها ودعائمها في القانون الدستوري لنقيس نسبة حصولها في المغرب ونرى تبعا لذلك إمكانية الحديث عن مفهوم الدولة في بلادنا بالمعنى القانوني الدستوري.

1 ــ الأساس الأول موافقة المحكومين:

أهم هذه الأسس هو”موافقة المحكومين”، وهو العنصر الذي تحدث عنه فقيه القانون الدستوري Georges Burdeau في كتابه: Traité de science politique, tome 2كشرط رابع وأساسي من الشروط المكونة للدولة، إضافة إلى”الشعب” و”الإقليم” و”السلطة السياسية”.

يرى العالم G. Burdeau أن حقيقة السلطة وجوهرها يكمن في موافقة المحكومين ورضاهم، لا إرادة الحاكمين وتسلطهم. لذلك فإن السلطة عندما تتحول إلى نوع من القهر والجبر والإخضاع فإنها تصبح ظاهرة غير طبيعية يجب العمل على إصلاحها وتغييرها.

2 ــ الأساس الثاني الشخصية المعنوية:

ثاني هذه الأسس هو”الشخصية المعنوية”. وتعني أنه لا بد للدولة من امتلاك شخصية مستقلة عن شخص الحاكم. فمن الدعائم الكبرى لدولة الحق والقانون التمييز بين “سيادة الدولة” و”السيادة داخل الدولة”، بين الحكم والأشخاص الذين يمارسونه.

“سيادة الدولة” في القانون الدستوري العام لها مفهوم موضوعي مجرد عن الأشخاص الذين يمارسونها، وتقضي هذه الشخصية بأن الدولة صاحبة حقوق ومحل التزامات ولها أموالها وممتلكاتها المستقلة عن الأفراد والحكام. وهذه الشخصية المعنوية هي التي تفسر دوام الدولة واستمرارها رغم التحول الطارئ على تشكيلها وحكامها وإدارتها.

أما “السيادة داخل الدولة” فهي مرتبطة بالأشخاص الذين يمارسونها. ومن ثم فان الحكام ليسوا إلا ممثلين للسلطة وممارسين لها باسم الدولة، وتصرفاتهم تنسب إليها. وتبقى هذه السلطة مستمرة بعد زوال الحكام إما بالموت أو التغيير لأنها تتعلق بمؤسسة الدولة.

هذا التمييز بين “سيادة الدولة” و”السيادة داخل الدولة” يجعل السلطة السياسية مركزة في المؤسسات السياسية للدولة سواء تعلق الأمر بالمؤسسة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية ويفرز تصورا وممارسة سياسية للحكم مبنية على القانون ويؤسس لدولة الحق والقانون.

3 ــ الأساس الثالث السيادة:

ثالث هذه الأسس هو”السيادة”. وتعني تلك السلطة العليا التي لا تسمو عليها سلطة لا داخل الدولة ولا خارجها. وهذه “السيادة” هي التي تخول للدولة حق وحرية وضع الدستور واختيار نظامها السياسي والاقتصادي، وشكل ممارسة الحكم، وتحديد الاختصاصات بين مختلف السلط وتوزيعها…

هذه “السيادة” تمارسها الدولة دستوريا على المستوى الداخلي من خلال ممارسة سلطتها وقانونها على جميع من يقيم على إقليمها، ومن خلال تصرفها الكامل في كل الممتلكات الوطنية المادية والمعنوية؛ وعلى المستوى الخارجي بالحرية والاستقلال التام عن أي سلطة أو هيئة أجنبية، إلا ما التزمت به بمحض إرادتها باتفاقات ومعاهدات دولية.

أمر “السيادة”هذا يطرح أكثر من تساؤل. فالتبعية الكاملة للقوى العظمى وتدخلها في توجيه سياسات البلاد بشكل مباشر أو عن طريق مؤسساتها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية يفرغ هذا الأساس من مضمونه ويجعل الدولة دمية في يد الدول والمؤسسات الخارجية القوية. هذا التسلط وهذا القهر الخارجي ينعكس سلبا على أوضاع البلا د الداخلية فتواجه أية حركة أو مجموعة احتجاجية حرة أبية مطالبة بحقوقها وكرامتها بالقمع والمنع. وهكذا يتم اختزال السيادة الداخلية في الدول المتخلفة المستبدة ومن بينها المغرب في بسط سلطتها ونفوذها على شعوبها المستضعفة داخل رقعتها الجغرافية متجاهلة بذلك كرامة المواطنين وحقوقهم، وحقهم في المعارضة والاحتجاج، واستقلاليتها في اختيار سياساتها وتوجهاتها.

4 ــ الأساس الرابع وجود سلط قائمة ومستقلة:

رابع هذه الأسس هو”وجود سلط قائمة ومستقلة”. ويقصد بها السلط الرئيسية الثلاثة: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية.

ينص القانون الدستوري على أن مبدأ الفصل بين هذه السلط أمر ضروري لقيام دولة الحق والقانون. وهذا المبدأ يقوم على فكرة أن السلطة ينبغي أن تحد من السلطة، ذاك أن توزيعها على أجهزة متفرقة يحدث التوازن والرقابة المتبادلة بينها، بينما تركيزها في يد واحدة يؤدي إلى الاستبداد وإلى الحكم المطلق.

كيف يعرف فقهاء القانون هذه الوظائف وكيف يحددون مؤسساتها وأجهزتها؟

أ ـ الوظيفة التشريعية: وتعني إصدار القوانين والتشريعات المنظمة لعلاقات الأفراد والجماعات. وتصدر إما على شكل قوانين أو مراسيم قوانين لتنظيم المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي… والمؤسسة المنوط بها القيام بهذه الوظيفة هي البرلمان المكون من نواب الأمة الذي قد يتكون من مجلس أومجلسين. وبذلك يشارك الشعب في عملية التشريع بطريقة غير مباشرة، من خلال النواب الذين يختارهم لتمثيله في البرلمان.

ب ـ الوظيفة التنفيذية: وتعني سهر الجهاز التنفيذي على تطبيق القوانين والتشريعات الصادرة عن البرلمان عن طريق إدارات متخصصة موضوعة رهن إشارة هذا الجهاز. والهدف من هذه السلطة هو ترجمة إرادة الشعب ومطالبه على أرض الواقع. جوهر هذه السلطة إذن هو تنفيذ ما يشرعه البرلمان، بغض النظر عن شكل جهاز التنفيذ الذي ق