“التقويم عملية لا تقل أهمية عن عملية التدريس،ذلك أنه حتى في الحالة التي تكون فيها عملية التدريس على قدر كبير من الجودة والإتقان،فإنها تبقى دائما في حاجة إلى المساءلة عن النتائج التي حققتها.ومهمة المساءلة هذه هي المنوطة بالعملية التقويمية؛وهي صعبة ودقيقة،ولكنها ضرورية وحاسمة في التشخيص والتكوين والحكم…والحكم يعني إصدار الأحكام القيمية على وضعيات،وتكون هذه الأحكام على شكل جزاءات ومكافئات كالنجاح والرسوب والفصل والتتويج وغيرها.”(الأساس في اللغة العربية/السنة الثالثة ثانوي إعدادي/دليل الأستاذة والأستاذ/الطبعة الأولى:2005)

تنصيص وتأكيد واضحان على محورية التقويم في العملية التعليمية،ومع ذلك يتموقع التقويم في منطقة الظل في الإصلاح الأخير المعمول به منذ سنوات،والذي يؤطره ميثاق التربية والتكوين،هذا الأخير الذي يمثل المرجعية التنظيمية للتعليم جاء تناوله للتقويم فضفاضا،فلم يدقق في آليات النجاح والرسوب والفصل،ولم يشر إلى ضرورة التفصيل في هذه الآليات من خلال مناشير أو مذكرات وزارية،انسجاما مع مبدإ الجودة التي يعد بها الميثاق؛جاء في الدعامة الخامسة من الميثاق وتحت عنوان:التقويم والامتحانات،المادة:93،”ينظم التقويم والامتحانات في مستوى المدرسة الإعدادية كما يلي: يتم الانتقال من سنة إلى أخرى باعتماد نظام المراقبة المستمرة إلى غاية نهاية السلك،إذ يجتاز المتعلمون الذين نجحوا وفق هذه المراقبة المستمرة امتحانا موحدا ينظم على الصعيد الجهوي،من أجل نيل دبلوم التعليم الإعدادي.”(ص:43،42).

يروم هذا المقال تسليط الضوء على منطقة الظل والمسكوت عنه في نظامنا التعليمي، وخطورة شكل التقويم المعتمد،سواء ما تعلق بالمُعامل أو آلية الانتقال والرسوب في التعليم الثانوي الإعدادي. تقويم ونظام امتحانات أشبه بتقطيع انتخابي موجه لتحقيق نتائج محددة سلفا.

يقصد بالتعليم الثانوي ـ الإعدادي المرحلة التي تتوسط المرحلة الإبتدائية التي يقضي فيها التلميذ ست سنوات،وتنتهي بنيل شهادة التعليم الإبتدائي، والمرحلة الثانوية التي تنتهي بنيل شهادة الباكالوريا،وهذا تذكير فرضته التعديلات المتتالية لأسماء المراحل التعليمية،التي قد تختزل في بعض الأحيان إصلاحا لنظامنا التعليمي.والمغرب صاحب الرقم القياسي عالميا وبدون منازع في عدد “الإصلاحات”التي طالت منظومتنا التعليمية.

تتكون المرحلة الثانوية الإعدادية من ثلاث سنوات تسمى حاليا،وإلى غاية كتابة هذه السطور:السنة الأولى،السنة الثانية،السنة الثالثة،وينتقل المتعلمون الوافدون من المرحلة الإبتدائية بنسبة “نجاح” لا تقل عن:98% دون أن تمتلك الأغلبية الغالبة منهم المهارات التعبيرية والقرائية في حدها الأدنى،ينتقل هؤلاء من السنتين الأولى والثانية وفق المراقبة المستمرة باعتماد مُعاملات المواد الدراسية الذي يتراوح بين 2و5،ولا يعتبر تحصيل المعدل العام:10/20 شرطا للانتقال،فقد ينتقل المتعلمون بمعدل عام لا يتجاوز:06/20 تحت إكراه ـ والإكراهات عنوان المرحلة ـ الخريطة المدرسية التي تقتضي إفراغ المقاعد للوافدين،ثم بعد ذلك تصرف الوزارة جهودا وأموالا لدراسة ظاهرة الهدر المدرسي،لا سيما ما يرتبط منه بعدم القدرة على مسايرة البرامج والمقررات الدراسية،والأدهى أن تصنف تلك الجهود المادية والمعنوية في خانة الحرص على الحق في التعليم لقطع الطريق على الفكر الظلامي الذي ينتعش بالجهل والفقر.

هكذا ينتقل المتعلمون جميعا ـ إلا من أبى ـ وبشكل لا إرادي حتى لا نقول أوتوماتيكي إلى السنة الثالثة التي تعتبر “غول” هذه المرحلة،ليجد التلاميذ أنفسهم أمام عقبة النسبة المئوية التي لا تتجاوز:40% أي أن 60% منهم إلا النزر اليسير الذي يلتحق التحاق المضطر بمراكز التكوين المهني،سيفصل عن الدراسة.وأمام تدني المعدلات السنوية لتلاميذ السنة الثالثة،وسعيا لشيء من المصداقية اعتمدت الوزارة نظاما خاصا في المُعاملات في السنة الثالثة،أقل ما يوصف به هو أنه بدعة بيداغوجية منكرة،إذ أُلغِيَ نظامُ المُعاملات المعتمد في السنتين السابقتين،وصار لكل المواد نفس المعامل وهو:”1″،في محاولة للرفع من المعدلات السنوية حتى لا يوجه التلاميذ للثانوي بأقل من 10/20،فسوت بين ما يعتبر مادة أساسية كاللغتين العربية والفرنسية والرياضيات ذات الأربع ساعات أسبوعيا،وبين سائر المواد ذات الساعتين أسبوعيا،فلم يعد فرق بين مادة تفتح كالتربية البدنية أو الموسيقى أو التربية التشكيلية(الرسم)،وبين رياضيات أو علوم أو اجتماعيات،وكانت النتيجة تكريس تدني المستوى دون أن يتحقق سفق المعدل السنوي المطلوب.وللدكتور إدريس الكتاني،وهو ممن خبروا التعليم المغربي منذ عهد الحماية كلام بليغ في شأن المُعامل،يقول:”لا أحد في وزارة التربية الوطنية،ولا أحد من الخبراء أو الوزراء يدرك خطورة المُعامل،وهو أكبر سلاح سري…،لأنه الوسيلة الهامة والغامضة…يأتي وزير التعليم وقد يكون طبيبا أو مهندسا أو عميدا في كلية..،لا خبرة له بمشاكل التعليم،يأتي لتقديم مشروع إصلاح التعليم وهو ـ المشروع ـ في الأصل من البعثة الفرنسية،يأتي ويلقي خطابا ويعود إلى حال سبيله،فمن يهيء له كل شيء؟إنها البعثة الفرنسية التي تخطط وتدرس وتصمم..”(من مداخلة في ندوة تحت عنوان:نظرات في تاريخ السياسات التعليمية بالمغرب،ضمن فعاليات المناظرة الوطنية التي نظمتها مجلة”النداء التربوي” بوجدة سنة1998).

بدعة بيداغوجية أشد إنكارا نظام الامتحان الجهوي الموحد،حيث يمتحن المتعلمون في أربع مواد فقط ويستغنى عن بقية المواد.وبالنظر إلى المواد المعتمدة يظهر النزوع إلى المواد الأدبية، وتهميش المواد العلمية،في تناقض خطير مع ادعاء الوزارة تشجيع الشعب العلمية التي تقتضيها التنمية؛ولو حدث أن كان وزير التعليم محسوبا سياسيا ـ لا قدر الله ـ على الإسلاميين لسال مداد غزير احتجاجا على توجه يكرس الظلامية ويعادي العلوم التجريبية التي تحرر العقول.

يمتحن المتعلمون في امتحان جهوي حاسم في مواد:اللغتين العربية والفرنسية والرياضيات ومُعامل كل واحدة:3،كما يمتحنون في مـادتي الاجتماعيات والتـربية الإسلامية ومُعامل كل منهما:1. صحيح إنه إنتاج مغربي خالص وغير مسبوق في التجارب البشرية.

ولتكوين صورة متكاملة عن البدعة البيداغوجية المعتمدة لإخفاء هشاشة وتدني المستوى التعليمي لتلاميذ السنة الثالثة،نقف عند كيفية تحصيل المعدل السنوي:المراقبة المستمرة للدورتين:30%،الامتحان الموحد المحلي(يشمل جميع المواد):30%،الامتحان الموحد الجهوي (يشمل أربع مواد فقط):40%،وبمقتضى المذكرة المعمول بها في هذا الباب،يعتبر المتعلمون الحاصلون على معدل سنوي:10/20 فما فوق موجهون مباشرة،على أن تنظر مجالس الأقسام في المتعلمين الذين لم يحصلوا على المعدل بلوغا لنسبة التوجيه المطلوبة من مجموع تلاميذ السنة الثالثة ثانوي ـ إعدادي السالفة:40%،وفيما يلي مثال لهذه النتائج من مؤسسة من الوسط الحضري خلال الموسم الدراسي الماضي:مجموع تلاميذ السنة الثالثة:352،الذين انتقلوا أو وجهوا وفق متطلبات الخريطة المدرسية:222،المحصلون على معدل(10/20)فما فوق:134،أي أن كل تلك المناورات ـ من قبيل التقطيع الانتخابي ـ لم تنجح في تجاوز حرج انتقال التلاميذ دون معدل،إذ تم توجيه88 تلميذا بأقل من المعدل.ونفس الأمر يعتمد في المرحلة الثانوية،حيث يتم الانتقال إلى السنة النهائية بأي معدل مهما كان متدنيا،ويشترط معدل:10/20 لنيل شهادة الباكالوريا،ويطلب ممن انتقل من السنة الأولى باكالوريا بمعدل:06/20 مثلا أن يستدرك النقص،وأنـى له ذلك،لتكتظ شوارع المجتمع بالمفصولين مشاريع المهاجرين السريين أو الباعة المتجولين الذين يخوضون صراعـا أبديـا مع أعوان السلطة من القوات المساعدة،فيما يعرف حرب المواقع ومحلات عرض منتجات “الـريكـلام” في الشوارع والساحات العمومية.

إن هذه الإجراءات اللاتربوية تعمق كارثة نظامنا التعليمي،وتكشف بجلاء فشل سياسة النعامة للتستر على النزيف الذي يهدد تعليما يراهَـنُ عليه لتحقيق تنمية غدت سرابا،مثلما يراهـَنُ عليه في السياسات التنويرية التي يرجو القائمون على الشأن التعليمي أن يواجهوا بها كابوس الخطر الأخضر.