مقــدمـــة:

– يقول الله عز وجل:” إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله والذين آووا و نصروا أولائك بعضهم أولياء بعض” ) الأنفال  الآية 73 (

الولاية بين المومنين قرب وتناصر وأخوة ووحدة وجهاد.. والجهاد يقتضي سياسة قلوب المومنين وعقولهم وجهودهم بما يضمن لكل منهم نيل رضى الله عز وجل ويضمن للأمة العزة بالله ورسوله ويضمن لدين الله وكلمته الظهور على الدين كله. وإذا عدنا إلى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم و عمله وتربيته نجده صلى الله عليه و سلم لم يكن يربط الرجال بروابط خارجية فقط من تنظيم ومجالس وهياكل وأجهزة ولجان .. بل كان أصحابه جماعة عضوية، يألم بعضهم لألم بعض، وينصر بعضهم بعضا على الحق عبر الطريق الصاعد في درجات القرب من الله عزوجل. قال عليه الصلاة والسلام :” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى ” ) رواه احمد ومسلم(. ففي هذا الحديث الشريف خاصية من خصائص البناء العضوي لجماعة المسلمين ألا وهي المحبة في الله. وفي كتاب الله وسنة رسوله خاصيتان أخريتان تضافان إلى هذه الخاصية وهما: التناصح والتشاور في الله، والطاعة لله ورسوله ولأولي الأمر منا. وبذلك يكتمل البناء العضوي للجماعة المؤمنة القادر على التعاطف والتفاهم والعمل الجهادي الجماعي.

التسمية و التعريف:

سمى الحبيب المرشد حفظه الله تلك الخصائص الثلاثة الرابطة لجماعة المؤمنين في أخوتهم وتناصرهم وجهادهم وتنظيمهم ووحدة أمرهم نواظم ثلاثا. يقول حفظه الله :” نسمي الروابط المعنوية التي تكون روح التنظيم نواظم لقرب المبنى بين كلمة تنظيم و كلمة نواظم . فلا تنظيم بلا نواظم” ) المنهاج النبوي : تربية و تنظيما و زحفا. ص: 84 (.

هي إذن نواظم من فعل نـظـم ) بفتح الظاء ( اللؤلؤ بمعنى جمعه في السلك ) بكسر السين و تشديدها( . والانتظام هو الاتساق . وانتظم الأمر استقام . فكأن المؤمنين جواهر نفيسة كل منهم على حدة، فإن هم انتظموا في عقد) بكسر العين ( ازدادوا نفاسة. و كأن تلك النواظم الثلاث هي ذلك السلك الذي يجمع قلوب المومنين وأرواحهم وأجسادهم على البر والتقوى والجهاد. وبدونها أيضا لن يحصل انتظام المؤمنين واتساقهم وانسجامهم . و بدونها كذلك لن يستقيم أمرهم، ولن تكون السفرة إلى رشاد لا قدر الله.

النواظم الثلاث:

1  الناظمة الأولى : الحب في الله.

– يقول الله عز و جل : ” و اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) آل عمران الآية103 (. و تربية القلوب المؤمنة على محبة الله ورسوله والمؤمنين هي أول خيط في الاعتصام بحبل الله المتين الضامن لوحدتنا وتآلف قلوبنا وقوة شوكتنا.. ذلك أن رباط الأخوة والتحاب في الله هو الطاقة التي لا تقهر . ومن هذه المحبة تبدأ عملية تأليف المؤمنين وجمعهم على قلب رجل واحد. قال الله تعالى مخاطبا رسوله الرؤوف الرحيم :” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.” )آل عمران، الآية( 159. وبهذه المحبة نكون جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وبها كذلك تتألف عناصر القوة الجهادية وعناصر الدفع في وجه العدو. قال الله تعالى:” محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ” )الفتح الآية 29 (. يقول الحبيب المرشد حفظه الله:” فبتلك المحبة الرحيمة كانوا جماعة.. وما قدروا على تلك الشدة إلا بوجود تلك الرحمة”.) المنهاج النبوي: تربية وتنظيما و زحفا. ص: 126-86 (.

ومن ثم فلا جهاد إلا بجماعة ولا جماعة إلا بتحاب في الله وصحبة فيه. و لا يكون التنظيم إسلاميا إلا بشرط المحبة بين المؤمنين وأخوتهم حقا وفعلا لا ادعاء. وقبل الانتقال من الناظمة الأخوية الحبية إلى ناظمة الشورى والتواصي بالحق لابد من الإلحاح على ضرورة تغليب المحبة وتسبقيها وجعلها بساطا نرتع ونجلس فيه جميعا على مائدة التشاور والتناصح في الله.

2- الناظمة الثانية: النصيحة و الشورى.

– مشروع المجتمع الأخوي المنشود بإذن الله عماده على صعيد القلب حب الله ورسوله والمومنين، وعماده على صعيد الفكر والفهم و الرأي والسياسة هو الشورى. قال الله عز وجل يصف المومنين :” والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم” )الشورى38 (. وما حققه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من جلائل الأعمال الجهادية ما كان ليتم لو بقي الأمر عند الألفة و المحبة. بل كان المربي المعصوم صلى الله عليه وسلم معا الصاحب المحبوب والقائد المطاع، وكان بين المحبة والطاعة مجال فسيح للتفاهم الفكري وتبادل الرأي والتشاور. كما فعل عليه الصلاة والسلام عندما سأله الحباب بن المندر رضي الله عنه عن منزله الأول ببدر: فعندما استقر جيش المسلمين في غزوة بدر بأدنى مصادر المياه أشار هذا الصحابي الجليل بالتقدم لأقرب موارد المياه لجيش العدو وطمس باقي الآبار حتى لا يظل على ساحة المعركة سوى مورد واحد بأيدي المسلمين يبنون عليه حوضا يملؤونه فيشربون منه ويمنعونه عن عدوهم. ولم يكن من الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم إلا أن نزل عند رأييه لما رأى فيه من تحقيق لمصلحة المسلمين.

نستفيد من هذه القصة أن الرسول صلى الله عليه و سلم رغم النبوة و الوحي والعصمة كان يستشير ويرجع للرأي السديد والصائب كما مر بنا في القصة السابقة. و” نحن- يقول الحبيب المرشد- مع غياب النبوة والعصمة أحوج أن يفهم كل منا داخل التنظيم، لم وكيف و متى و ماذا عن تشاور و تراض، لئلا يكون إمعة. والإمعة التابع لا غناء فيه للجهاد. بل الغناء لمن يلتزم بمهمات ينفذها بصدق و نصيحة ولو كان مخالفا لرأي الجماعة وقيادتها. بعد أن شارك في الشورى من مكانه في التنظيم، وعلى مستوى مهمته.” ) المنهاج النبوي : تربية و تنظيما و زحفا. ص:88.(

و للشورى مقدمات منها صلاة الاستخارة والافتتاح بآيات بينات من الذكر الحكيم ليشعر الجمع أن المجلس مجلس علم وحلم، وكذا التحضير القبلي لجدول أعمال المجلس حتى لا يدور المجلس في الخواء اللفظي. ولها آداب شرعية يجب مراعاتها حتى لا ننزلق في الجدل، والضابط العام فيها أن تكون المشورات دينا أي نصيحة لله ورسوله وللمومنين. عند البخاري و مسلم و اللفظ لمسلم عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:” الدين النصيحة ” قلنا لمن: يا رسول الله قال:” لله و لرسوله لأئمة المسلمين و عامتهم”.

و للشورى ميزان منه ألا مجال للتشاور في نص شرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واضح في الأذهان مقبول في النفوس قطعي الدلالة. وألا تستهدف مشورتنا الخلافات الفقهية الجزئية التي استفاض فيها أجيال علمائنا رضي الله عنهم أجمعين اجتهادا ومقارنة. إنما التشاور في الأعمال الجهادية وفي الكليات التي تتفاوت فيها معرفة المؤمنين بالنصوص، وكفاءاتهم في العقول، وإراداتهم التنفيذية…

والشورى النافعة هي التي تنتهي فكريا وعاطفيا بعد التصويت واتخاذ القرار، فينصرف كل إلى مهمته. لا التي تترك أصداء الغلوالحزازات، نعوذ بالله.

3- الناظمة الثالثة : الطاعة.

– ” الطاعة امتثال الأمر و إنفاذه توا في العسر واليسر والمنشط والمكره” ) مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله ص:397 (. يقول عز و جل مخاطبا جماعة المؤمنين:” يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”. ) النساء ، الآية ( 59 . فمن هم يا ترى أولو الأمر الذين أمرنا بلزوم طاعتهم؟

” أولي الأمر منكم”:” منكم” هنا تبعيضية تدل على أن ولي الأمر لابد أن يكون جزءا بل عضوا من جسم الأمة يألم لما تألم له. “منكم” نَبْعية فليس منا من لم ينبع من بيننا، نكون نحن اخترناه وبايعناه واشترطنا عليه. ” منكم” شوربة فليس منا من يستبد علينا ويتجر في مصيرنا. يقول الحبيب المرشد حفظه الله:” أولو الأمر منا من رضينا دينهم وأمانتهم وقوتهم على الجهاد واخترناهم على ملأ من الأمة. فعند ذاك تكون طاعتهم في غير معصية لأمر الله وسنة رسوله مشتقة من طاعة الله و رسوله.” ) المنهاج النبوي : تربية و تنظيما و زحفا. ص:95.(.

بعد هذه الوقفة الشرعية مع الأصول يقول الحبيب المرشد حفظه الله:”إن التنظيم الإسلامي والدولة الإسلامية يراد أن يكونا جسما قويا قادرا على التنفيذ. والطاعة عصمة الأمر كله مع المحبة والشورى وإن تنازعنا في شيء نرده إلى الله ورسوله. نقدر على الوقوف في وجه الأمير إلا إن كانت طاعتنا له تعبدا لله لا لمنصب و جاه .”

ومن جانب آخر لا ينبغي أن تكون علاقات الأمير بالجماعة علاقة قانونية إدارية. فليست طاعة ولي الأمر نسخة من الانضباط الثوري الحديدي، بل هي عبادة من القلب، وولي الأمر محبوب مهاب، معظم موقر. يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى:” لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعض ” قال رحمه الله :” فلابد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله صلى الله عليه و سلم حتى تستشعر كل كلمة منه و كل توجيه. وهي لفتة ضرورية، فلابد للمربي من وقار، ولابد للقائد من هيبة. وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم بعضا. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم، يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، و يستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل و التوقير.” ) تفسير سيد قطب في ظلال القرآن( .

خاتــــمـــــة :

قبل الختام بقي أن نشير إلى بعض وظائف هذه النواظم الثلاث على سبيل التمثيل لا الحصر:

وظيفة تربوية: بجمعها لقلوب المومنين على المحبة والذلة والتواد و التآلف والتعاطف والرحمة …

وظيفة تنظيمية: بتمثيلها لروح التنظيم، وربطها لأجزائه ولجانه وأجهزته.. فالنواظم الثلاث هي الخيط الرابط بين هذه الهياكل والملطف لصرامتها.

وظيفة جهادية: إذ هي الضامن – بعد الله تعالى- على تماسك الصف، وسيره على خطى ثابتة حتى النصر بإذن الله تعالى.