حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني ، وهو من ضحايا القمع المجاني ، فقال : دعتني الضرورة والضرورات تبيح المحظوراتْ ، إلى تحري الصدق فيما يرَوّج حولنا من شعارات وشعاراتْ ، وإلى البحث في ماضينا المنكشف العوراتْ ، فلم أجد فيه إلا ما يدمي الفؤادْ ، ولم ألفي بين يديه إلا مآسي تشيب لهولها الأولادْ ، ولم أستخرج منه إلا عناوين الهزائم الملحقة بكل بلادْ ، فالنكبة والنكسة فيه أبرز ما جرَى ، والتهاون والخذلان جل ما ترَى ، والتقهقر والرجوع معالم كل المدن والقرَى ، ولأن ماضينا تكسوه الغيوم والضبابْ ، ولا تُشرح فيه ما وراء النكبات والنكسات من أسباب وأسبابْ ، ولأنني أنتمي لجيل الصحوة والفتوة والشبابْ ، لملمت أوراقي المليئة بقصائد الرثاءْ ، وتركت بيتي الماثل أمام البؤس والشقاءْ ، وسرت بدون جهد يذكر أو عناءْ ، حتى وصلت إلى مجمع الشيخ ابن أبي الرعايهْ ، صاحب الألف حكاية وحكايهْ ، فطلبت منه وهو الشاهد على كل مأساة وروايهْ ، أن يميط اللثام عن اسباب النكسة والنكبهْ ، وأن يبوح لنا بأسرار ذلك الزمان وتلك الحقبهْ ، فقال ومن دون خشية أو رهبهْ ، : > .

قال المفجوع : فلما انتهى صاحبنا من هذا التوضيح القصيرْ ، قلت له وأنا الذي أسمع عن النكسة الشيء الكثيرْ ، إننا ياصاحب الحكي والقص المريرْ ، ما استفدنا من النكسة إلا الرجوع إلى الوراءْ ، والعيش خلف قضبان الشقاءْ ، والبقاء تحت رحمة الطغاة الأقوياءْ ، وإنك أوجزت في كلامك على غير المعهودْ ، وما ذكرت لنا أن مرتزقة الخنازير والقرودْ ، قد كبلونا بمختلف الأغلال والقيودْ ، فبعد النكسة حدثت أشياء عظيمة وعظيمهْ ، إنتهت كما هوجلي في الصورة الجديدة القديمهْ ، باحتلال العراق ووأد النفوس الكريمهْ ، فصرت تسمع عن مصطلح الشرق الكبيرْ ، ومحاربة شر الإرهاب المستطيرْ ، والإصلاح الموجه لكل بلد بالإسلام يستنيرْ ، وصرنا ونحن الذين ملكنا مامضى من الأيامْ ، أضيع من الأيتام في مأدبة اللئامْ ، نحاكي انتفاخة الأسد والذل يرافقنا بالدوامْ ، فبم تنصحنا لإلحاق النكسة بالأعداءْ وجعل راية الإسلام والعروبة ترفرف في العلياءْ ، فقال بعدما تجرع مرارة الأسف والإستياءْ ، : << حقا يا مفجوع الزمان الجوعاني ، فقد حدثت بعد النكسة التي وقعت في زماني ، نكسات أخرى خطيرة في المباني والمعاني ، فحرب الخليج الأولى نكسهْ ، واحتلال العراق بدوره نكسهْ ، وبناء الجدار الفاصل العازل أكبر وأعظم نكسهْ ، ولو أنه أعطيت الكلمة للشعوبْ ، وأطلق سراح من في حب العروبة يذوبْ ، وباسم الإسلام يجيب ويجوبْ ، ولو أننا أدركنا أن النكسة كبوة جواد مضتْ ، وان الإنتفاضة بالنصر لنا قد قضتْ ، لأتتنا الرياح بما السفن اشتهتْ ، ولرفرفت في الأعالي رايات الإسلامْ ، ولكنه يا أيها الإخوة الكرامْ ، حب الدنيا وكراهية الموت الهدامْ ، طغى على كل النفوسْ ، حين اهتمت بجمع الريال والفلوسْ ، ونست قبورا ستحفرها المعاول والفؤوسْ ، ... ولو أن لنا إرادة قويهْ ، وهمة ونشاطا وعزما وحيويهْ ، ورؤية مقاصدية شرعيهْ ، لأدركنا أن سبب ما نحن فيه من نكبات ونكساتْ ، يرجع في الأصل وفي الجذور البيناتْ ، إلى تربع الذئاب على عروش الدول والولايات والإماراتْ ، وسيرهم بغير نهج المصطفى الأمينْ ، ومحاربتهم للملة والعزة والدينْ ، وتشبتهم بكراسي الأولين والآخرينْ ، ومصاهرتهم لمن زنوا بالبقر والحميرْ ، وإمضائهم على الجهاد الكبير والصغيرْ ، ضد كل مجاهد ومناضل عربي مسلم فقيرْ ، وموافقتهم على إثقال الشعوب بالمآسي ، وإيهامهم بأن الحرب ضد المغضوب عليهم من الناسِ ، ومجابهتهم في كل ميدان أساسي ، لن تجدي نفعا في الوقت الحاضرْ ، ما دام الضعف والتخلف هو الناهي وهو الآمرْ ، وما دامت الموازين تتغير بشكل مغايرْ ، ...ولو أننا استفدنا من أخطاء الماضِي ، وجعلنا شرع الله بيننا هو القاضِي ، وانتصرنا للمظلوم في القدس والعراق وباقي الأراضِي ، ولو أننا تمعنا في قوله عز وجل لأحباب الفتوَّهْ ، " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوَّهْ " ، وقلصنا ما بيننا وبينهم من هوَّهْ ، ولو أننا اطلعنا على خصال الأعداءْ ، وعرفنا مكمن العلة والداءْ ، والتمسنا من القرآن والسنة سبل العلاج والشفاءْ ، لجاءنا الخبر اليقين المصونْ ، بأن ملة الكفر وأمة بني صهيونْ ، لن ترضى أن يسوسها أو يسودها المؤمنون الموحدونْ ، ولعرفنا أنها لاتخاف إلا من الجهاد تحت راية الإسلامْ ، خلف رجل مؤمن يخاف الواحد العلامْ ، ويقود جيشا عرمرما يسبح لله في سائر الأيامْ ، ... ولو أننا أدركنا أن العقيدة لا تحارب إلا بالعقيدهْ ، وأن الفكر والأفكار العتيدهْ ، لا تجابه إلا بالأفكار والرسالات المجيدهْ ، لوقفنا بحق على الحقيقهْ ، ولعلمنا أن ما أصابنا من نكسة عتيقهْ ، مرده البعد عن العقيدة والسنة الرفيقة ، ولو أننا تأكدنا أن قردة اليهود لا تعترف بمواثيق السلمْ ، ولا تلقي بالا لأصوات اللومْ ، ولا يهمها إلا البقاء على سدة الحكمْ ، لما وقعنا معهم اتفاقَا ، ولما قبلنا منهم أصدقاء ورفاقَا ، ولأحرقناهم بكيدهم إحراقَا ، ولكنه الجهل بالعدو وبالعقيدة وبالماضِي ، طغى علينا فصار هو الخصم وهو القاضِي ، وصار كل واحد منا وللأسف به راضِي ، ومتى تخلصنا منه يا سادهْ ، فسيكون النصر حليفنا كما جرت به في الأمس العادهْ ، فبالعلم يا أيها الباحثون عن السعادهْ ، نبني غد النصر والكرامة والحريهْ ، وبالعزم وبالفتوة الواعية بالقضيهْ ، نسترجع ما لنا عند أتباع اليهود وحماة الجبريهْ ، وبالإسلام الحقيقي لا المزيفْ ، نقاط قوتنا تـُأخذ وتعرفْ ، وبه لا بغيره نقط ضعفنا تمحى وتحذفْ ، فحيهلا يا أيها الأصدقاء ويا أيها الأوفياءْ ، على استرجاع عقيدتنا وهويتنا وتصحيح الأخطاءْ ، وحيهلا على التماس أسباب النصر بالصبح قبل المساءْ ، فهذا نصحي والدين النصيحهْ ، والله أسأل وبعبارات صحيحهْ ، أن يرجع القدس المسلوبة الجريحهْ ، إلى حظيرة الإسلام والمسلمينْ ، وأن يرينا في الطغاة الظالمين الغاشمينْ ، يوما أسودا بحق السبع المثاني والذكر المبينْ ، وأن يجعل النكسة القادمة على أعداءنا لا علينَا ، وأن يعجل بالنصر عليهم إلينَـا ، وهذا الكلام منا إليكم وإلينَا ، وهو بالصلاة والسلام على الحبيب المصطفى يختمْ ، واللبيب الحصيف من بالإشارة يفهمْ ، وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي في كل زمان ومكان يعظمْ ".