8   +   8   =  

اعلم أيها المحب للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، الباحث عن تفاصيل جميل قدره العظيم أن خصال الجلال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا، ومكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله، ويقرب إلى الله تعالى زلفى.

ثم هي على فنين أيضاً: منها ما يتلخص لأحد الوصفين. ومنها ما يتمازج ويتداخل.

فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب، مثل ما كان في جبلته من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه، من غذائه ونومه، وملبسه ومسكنه، ومنكحه، وما له وجاهه.

وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة وقوانين الشريعة.

وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية: من الدين والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والمروءة، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب والمعاشرة، وأخواتها، وهي التي جمعها حسن الخلق.

وقد يكون من هذه الأخلاق ما هو في الغريزة وأصل الجبلة لبعض الناس.

وبعضهم لا تكون فيه، فيكتسبها، ولكنه لابد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة كما سنبينه إن شاء الله.

وتكون هذه الأخلاق دنيوية إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة، ولكنها كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة، وإن اختلفوا في موجب حسنها وتفضيلها. فإذا كانت خصال الكمال والجمال ما ذكرناه، ووجدنا الواحد منا يشرف بواحدة منها أو باثنتين إن اتفقت له ـ في كل عصر، إما من نسب أو جمال، أو قوة، أو علم، أو حلم، أو شجاعة، أو سماحة، حتى يعظم قدره، ويضرب باسمه الأمثال، ويتقرر له بالوصف بذلك قي القلوب إثرة وعظمة، وهو منذ عصور خوال رمم بوال، فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال إلى ما لا يأخذه عد، ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب ولا حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال، من فضيلة النبوة والرسالة، والخلة والمحبة، والاصطفاء والإسراء والرؤية، والقرب والدنو، والوحي، والشفاعة والوسيلة، والفضيلة والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة والمكانة عند ذي العرش والطاعة ثم، والأمانة والهداية ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضا والسول، والكوثر، وسماع القول، واتمام النعمة والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأمة والدعاء إلى الله، وصلاة الله تعالى والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم، والقسم باسمه، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات والعجم، وإحياء الموتى، وإسماع الصم، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق القمر، ورد الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب، والاطلاع على الغيب، وظل الغمام، وتسبيح الحصا، وإبراء الآلام، والعصمة من الناس، إلى ما لا يحويه محتفل، ولا يحيط بعلمه إلا مانحه ذلك ومفضله به، لا إله غيره، إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة والحسنى والزيادة التي تقف دونها العقول ويحار دون أدانيها الوهم.

فإن قلت أكرمك الله: لا خفاء على القطع بالجملة أنه صلى الله عليه وسلم أعلى الناس قدراً، وأعظمهم محلاً، وأكملهم محاسن وفضلاً، وقد ذهب في تفاصيل خصال الكمال مذهباً جميلاً شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه صلى الله عليه وسلم تفصيلا… فاعلم نور الله قلبي وقلبك، وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك، أنك إذا نظرت إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة في جبلة الخلقة وجدته حائزاً لجميعها، محيطاً بشتات محاسنها دون خلاف بين نقلة الأخبار لذلك، بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع. أما الصورة وجمالها، وتناسب أعضائه في حسنها، فقد جاءت الآثار الصحيحة والمشهورة الكثيرة بذلك، من حديث علي، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، والبراء بن عذب، وعائشة أم المؤمنين، وابن أبي هالة، وأبي جحيفة، وجابر بن سمرة، وأم معبد، وابن عباس، ومعرض بن معيقيب، وأبي الطفيل، والعداء بن خالد، وخريم بن فاتك، وحكيم بن حزام، وغيرهم، من أنه صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون، أدعج، أنجل، أشكل، أهدب الأشفار، أبلج، أزج، أقنى، أفلج، مدور الوجه، واسع الجبين، كث اللحية تملأ صدره، سواء البطن والصدر، واسع الصدر، عظيم المنكبين، ضخم العظام، عبل العضدين والذراعين والأسافل، رحب الكفين والقدمين، سائل الأطراف، أنور المتجرد، دقيق المسربة، ربعة القد، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردد، مع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله صلى الله عليه وسلم رجل الشعر، إذا افتر ضاحكاً افتر عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رئي كالنور يخرج من ثناياه، أحسن الناس عنقاً، ليس بمعطهم ولا مكلثم، متماسك البدن، ضرب اللحم. قال البراء بن عاذب: ما رأيت من ذي لمه في حلة حمراء أحسن من رسول صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: “ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر”.

وقال جابر بن سمرة ـ وقال له رجل: كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ فقال: “لا، بل مثل الشمس والقمر. وكان مستديراً”.

وقالت أم معبد ـ في بعض ما وصفته به ـ: “أجمل الناس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب” صلى الله عليه وسلم تسليمًا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. وفي حديث ابن أبي هالة: “يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر”. وقال علي رضي الله عنه في آخر وصفة له: “من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم”.

والأحاديث في بسط صفته مشهورة كثيرة، فلا نطول بسردها. وقد اختصرنا في وصفه صلى الله عليه وسلم.