كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن حقوق الأقليات في الشرق الأوسط والذي يقصد به الوطن العربي على وجه التحديد إلى درجة أن تحول الكلام حول هذه الأقليات وغدا بمثابة “دين العصر” حتى أصبح لا يستقيم الحديث عن حقوق الإنسان دون تكرار هذه اللازمة.. أي حقوق الأقليات.. وتناسلت الندوات والمؤتمرات وتكاثرت المنظمات والجمعيات الحقوقية ومراكز البحث المرتبطة بأجندة خارجية مركزة همها على الأقليات الدينية والطائفية والعرقية والثقافية..

لكن هذه الدعوات غالبا ما تقاوم بانتقادات حادة في بعض الأحيان، بزعم أنها غير بريئة لأنها تستهدف تكريس الانقسام وإشعال خلافات مفتعلة قد تؤدي في النهاية إلى تمزيق لحمة الاجتماع العربي الإسلامي داخل الدولة الواحدة وتقسيمها إلى دويلات وكانتونات عرقية وطائفية مستجيبة للأجندة الأمريكية في المنطقة.

إن الحديث عن حقوق الأقليات، برأي البعض منا، مغلوط لأنه يرمي إلى زعزعة الاستقرار واختراق المنطقة العربية لتفكيكها وتجزيئها وحسب، فالعروبة لم تقم على أساس عرضي، وإنما على أساس ثقافي وتاريخي، والوطن العربي كما يرتبط بالعروبة يرتبط بالإسلام عقيدة.

وإذا عدنا إلى التاريخ ألفينا أن صلاح الدين بطل العروبة والإسلام من أصل كردي، وطارق بن زياد فاتح الأندلس التي عرفت حضارة عربية وإسلامية عريقة هو من أصل أمازيغي. أما الأقباط في مصر فليست لهم طرائق في العيش تميزهم، ولا سمات عرقية تختلف عن باقي السكان، إن التخمة الكلامية عن حقوق الأقباط تقوم على أساس فكرة الانفصال ليس إلا، وللسياسي المصري الكبير مكرم عبيد مقولة ذهبية لا زالت ترددها الأجيال من بعده “أنا مسيحي الدين ومسلم الوطن”.

وإذا تحدثنا بمنطق دعاة الدفاع عن الأقليات مثل سعد الدين إبراهيم لانفصلت الدول الأوربية إلى دويلات عديدة، والاستعمار الغربي حين يركز على حقوق الأقليات يتطلع إلى نشر ثقافة يريد بها خلع هذه الأقليات ونزعها عن نسيجها العربي والإسلامي لإلحاقها بسياسة الآخر الاستعماري عبر بوابة حقوق الإنسان.

إن هذه الحجج التي يسوقها المثقفون والفضلاء داخل الوطن العربي لا يختلف عليها مواطنان اثنان والتجربة ماثلة أمامنا كما وقع في إندونيسيا في السنوات الماضية، فالمسألة تهدف إلى تجزئ المجزأ وتقسيم المقسم بعبارة منير شفيق. لكن السؤال الذي يثور، هنا والآن، يا سادة: وماذا عن حقوق الأغلبيات في الوطن العربي؟؟.

إن الأغلبيات في الوطن العربي تتشكل من قوى المعارضة ولا شك، هذه القوى إن أردنا تصنيفها حضاريا وليس فكرانيا (أي إيديولوجيا) كما يحلو للبعض فهي تيار الأصالة المكون الرئيس للأمة وهو التيار القومي والإسلامي. لكن البعد الفكراني لا زال متحكما، وللأسف الشديد لدى البعض منا في التعاطي مع التظلمات التي تلحق البعض منا، وأستثني البعض، لكن استثنائي لا يلغي القاعدة، سأوضح.

في مغرب الأمة

لا أحد يجادل كون جماعة العدل والإحسان بالمغرب تشكل الأغلبية بالنظر إلى قاعدتها الشعبية وتغلغلها في أوساط الشعب المغربي، ولا أحد يجادل أيضا أن دعوتها سلمية لا تجنح إلى العنف بشتى ألوانه، كما ينبغي أن نعترف أنها تتعرض لحملة مخزنية مسعورة ما يربو على العام، أي منذ 24 ماي 2006 ولا زالت مستمرة إلى الآن، كل هذه المدة الزمنية والمخزن يجرب هوايته المفضلة في الترهيب للآمنين وتشميع البيوت. ولا أحد شجب أو استنكر، بل لا نستغرب حين نسمع أصواتا تبارك هذه الحملة، بل وتشارك فيها تارة بالصمت وتارة بالتغطية الإعلامية عبر إشاعة الكذب والبهتان مستندة على مغالطات غير مقنعة قائمة على البعد الفكراني، للأسف، الذي ألمحنا إليه سابقا وصادمة للتوجه الحقوقي المزعوم والذي تطعن مبادئه كلما تعلق الأمر بالعدل والإحسان.

سنة كاملة ويزيد ولا يكف المخزن عن استعمال كل فنون الحصار والتشويه كتشميع البيوت وطرد مالكيها بدون سند قانوني أو أخلاقي، حيث تم إغلاق ستة بيوت بعدما شرد أهلها في العراء.. أسلوب لا يستعمل إلا في فلسطين المحتلة من قبل العصابات الصهيونية، انتهاكات في حق العدل والإحسان كانت حصيلتها ثقيلة حسب التقارير، فتح 159 ملفا في جل محاكم المغرب توبع فيها725 فردا، بلغت العقوبة الحبسية 108 شهرا بين النافذة وموقوفة التنفيذ، والغرامات المالية قاربت 500 مليون درهما.. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصلت الوقاحة بالمخزن إلى تعمد تشويه الجماعة بتلفيق تهم أخلاقية لأحد قيادتها التربوية كما حصل بالدار البيضاء، ناهيك عن الاعتداء على النساء كما حصل مع حياة بوعيدة التي تعرضت لاختطاف من لدن الديستي (قسم من المخابرات) يوم 11-07-2007 وتم تهديدها أما هذه السنة، وبعدما فشلوا في ترويعها، فاجأتها عناصر من المخابرات يوم 29-04-2007 وهي تهم بفتح بيتها، حيث تعرضت للكمات وطعن بالسكين في بطنها… وفي مدينة بنكرير (مدينة توجد قرب مراكش)، أقدمت السلطات المحلية على اعتقال 15 امرأة من داخل مجالس النصيحة التي تعقدها الجماعة، وهي مجالس مخصصة للذكر وحفظ القرآن وحسب.

وآخر الانتهاكات، وليس أخيرا، هو ما أقدمت عليه السلطات من منع الندوة التي دعت لها العدل والإحسان، والتي كان من المزمع تنظيمها يوم 24-05-2007، بنادي المحامين، والمنع هنا انتهاك حرية الرأي والتعبير في مكان لهيئة الدفاع عن الحق. لا أحد استنكر أو شجب من الحقوقيين، وهنا، يعن لي أن أتساءل مع سكرتير الناطق الرسمي للجماعة الزميل حسن بناجح في مقال له بجريدة المساء يوم 05-06-2007، لما يختم كلامه قائلا: ما الذي يحرج حقوقيي المغرب في استنكار انتهاك، يعرفون قبل غيرهم جسامته، عندما تكون ضحيته جماعة العدل والإحسان وهذه المرة لا استثني أحدا.. لأن لا أحد تكلم بصفته الحقوقية؟؟.

في مشرق الأمة

حين تحاول أن تستفهم، كمُواكب قدر المستطاع، عن سبب المحنة المسترسلة في حق أعرق التنظيمات في الوطن العربي بله الأمة بشكل عام، وفي مصر على وجه التحديد، عن الذنب الذي تقترفه جماعة الإخوان المسلمين حتى تتعرض إلى هذه الموجة من الاعتقالات وتقديم خيرة كوادر مصر إلى محاكمات عسكرية يجعل اللبيب في حيرة من أمره.

وددت لو نسمع إلى الرأي المخالف حتى نتبين الأمر بشكل جلي وواضح، والمخالف، هنا، هو نظام الحكم في مصر المحروسة بعناية ربها.

يقولون: إن هذه الجماعة تخلط بين الدين والسياسة، ومهمة النظام هي الحفاظ على الدولة المدنية من خطر الإرهاب والتطرف الديني الذي يهددها، فالمعركة اعتبرت أم المعارك بالتعبير الشهير، بحيث جند لها النظام كل طاقاته من خدامه ومنظريه وكل أجهزته الإعلامية. معركة بدأها النظام لتصفية الجماعة أو على الأقل إضعافها والحد من فاعليتها.

هذه الدعوى محجوجة، أو قل ممجوجة، ذلك أن الرئيس أنور السادات  والكلام للكاتب القومي د. حسام عيسى  باعتباره واضع أسس النظام الحالي هو أول رئيس في تاريخ مصر لقب نفسه بالرئيس المؤمن، حيث وضع المادة الثانية في الدستور المصري بعد التعديل عام 1971 لجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع في مصر، وجعلها غطاء يتستر من ورائه للقضاء على المشروع الناصري. ولا غرابة أن نجد الصلح الذي عقد مع الكيان الغاصب المستنسخ نازيا تم بمباركة المؤسسة الدينية بكل ثقلها ورموزها، والتي استدعت صلح الحديبية إبان الرسول صلى الله عليه وسلم. والقضاء على الإصلاح الزراعي بفتوى من الأزهر.

أما النظام الحالي من جهة نجده يهاجم الإخوان لاستخدامهم الدين، ولكنه لا يرعوي عن استخدام شيخ الأزهر والبابا شنودة للترويج للاستفتاء الأخير الذي جرى قبل أشهر، والعمل السياسي. ماذا يعني فتوى الشيخ محمد سيد طنطاوي التي تجعل من المقاطعة الشعبية للاستفتاء تساوي شهادة زور، والمفارقة العجيبة والغريبة، أن هذه الفتوى مخالفة للمادة 5 من الدستور المصري وتعديلها المقترح للمادة يقول: حضر مباشرة أي نشاط سياسي أو حزبي أو قيام الأحزاب على أساس الدين أو الجنس أو الأصل، والتأكيد على قيام منهج العمل السياسي والوطني على أساس المواطنة وحدها دون التفرقة بسبب الدين أو الجنس أو الأصل…

إن الحجة التي يتوكأ عليها النظام في حربه المعلنة على الجماعة بدعوى الحفاظ على الدولة المدنية من خطر إقحام الدين في السياسة باطلة، فلنفتش في أسباب أخرى؟؟.

إن النظام العربي الرسمي لا يريد مشاركة شعبية حقيقية سواء كانت إسلامية أم علمانية في سبيل المحافظة على مصالحه، ومصالح النخبة التي فبركها وفق مقاسه وعلمها ثقافة سياسية استبدادية لا تحترم المواطن، ولا تقيم اعتبارا لغير رجال السلطة والثروة.. فالإسلاميون ليسوا سببا في عدم الاستقرار كما يشاع وينشر، والدليل على أن الفترة التي عرفت فيها ضمور جماعة الإخوان المسلمين ليس في مصر وحدها بل حتى في أقطار عربية أخرى مثل العراق وسوريا لم تؤسس مناهج ديمقراطية ولا فكر استيعابي.

يا أيها الإخوة الممتحنين الصابرين في المغرب والمشرق على حد سواء، فلتكن ثقتكم في الله وحده، إن الحق منتصر وإن طال الأمد، ودولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة… وصدق الأديب الإسلامي المصري د.جابر قميحة حين يقول:

يأيها الإخوان لا تراغوا

لن يفلح الكذاب والخداع

ولن يدوم في الدنا متاع

والمؤمن الصادق لا يراع

لأنه بربه شجاع

فليسرف الطغاة والأنطاع

وليحكموا القيود ما استطاعوا

ففي أمرهم ضياع.